ـ 2 ـ
تبدّلت حياتى بعد اللقاء العفوى بينى وبين الرجل . تبدّلت تماماً . لم تعد كما كانت . الإحساس بالخوف يمضنى . لماذا ؟ وممن ؟ . أنشغل ـ بالشرود ـ عن كتاب أقرأه . أعود إلى ما كنت قرأته ، ثم يهزمنى اليأس ، فأطوى الكتاب ، وأكتفى بالشرود . لم يعد يشغلنى إلاّ أن أقابل ذلك المجهول الذى لا أعرفه ..
لم تفارقنى فكرة أن أحداً ما يراقبنى ، يرصد كلماتى وأفعالى ، ويسجلها ، لا يفلت حتى ما يصدر بعفوية . أحاول أن ألتقط طرف الخيط ، البداية التى تقودنى لعوالم مبهمة ، وغامضة ..
كنت أتطلع فى الوجوه المحيطة بى ، أبحث عن واحد بالذات . لا أعرف ملامحه ، ولا إن كان من الدائمين فى الندوة ، أم من الطارئين عليها . هل يكتفى بالإنصات ، أو يسجل المناقشات فى أوراق ؟. أحرص ، فلا تواجه عيناى نظرات الجالسين ، لاتكتشف قلقى . أتلفت ـ إن سرت ـ بتلقائية ـ حولى ، أتوقع العين التى ترصد . داخلنى إحساس بالمراقبة . ثمة من يتتبعنى ، لا يواجهنى ولا أراه . أشعر به . ربما يلاحق خطواتى . تطل نظراته من خصاص نافذة ، يراقبنى فى ناصية ميدان ، أو تحت ظل شجرة ، يتبعنى فى سيارة ، يلتحم بصفوف المصلين فى جامع أبو العباس ..
أفكر فى التوقف ..
أبطئ من خطواتى بالفعل ، لكنننى أواصل السير ، لا أتلفت . يلفنى توقع لا أعرف طبيعته . يلح الإحساس بأن شيئاً ما سيحدث ، لا أعرفه ، ولا حتى أتخيل ملامحه ، لكنه يسيطر على تفكيرى ، ويشغلنى ..
لم أتخل عن الحذر ، ولا عن الخوف مما قد يحدث . الأعين التى تراقبنى ، تتابع تصرفاتى ، تحصى خطواتى ، وما أفعله ، منذ أن أترك البيت إلى عودتى له ، بعد الظهر ، أو فى المساء . أخاف لمجرد الخوف ..
اعتدت التزام الحذر فى التأكد من خلو الشارع . ربما عينان تترصدان قدومى ، تتابعان خطواتى من أول الطريق إلى البيت . أدخل البيت بحذر . أدقق النظر جيداً فيما حولى . حتى حنية السلم ، أحدق فى الظلمة الشفيفة ، ربما تبين ملامح لم أفطن إليها فى النظرة العابرة ..
أفرغت محتويات مكتبى . مزقت الصور والأوراق . ومزقت أجندة التليفونات . قررت أن أستعين بذاكرتى وحدها . الأرقام التى تبعد عن الذاكرة ، أسأل عنها . لا أكتب ملاحظة تحمل المعانى الخطيرة ...
خمنت أن الذى يراقب الندوة لابد أن يكون أسبق الجميع فى الوصول ، وفى اختيار الموضع الذى يحسن المتابعة منه . جلست فى الكرسى المجاور للنافذة المطلة على طريق الكورنيش . ألفت حتى الوجوه التى تتردد على المقهى من غير زملاء الندوة . أرباب معاشات ، وتجار ، وعلاقات شابة ، جديدة . حتى باعة السلع الصغيرة : الساعات والولاعات والأمشاط والسبح ، ألفت ملامحهم ، وأتذكرها ، إذا التقيت بهم فى طريق الكورنيش ..
الرجل ذو البذلة الكاملة طيلة أيام السنة . يقارب الستين ، أو تخطاها . رأسه الضخم يتناقض مع عوده القصير ، ويتناثر فى وجهه نمش داكن . تبدو التقطيبة الدائمة على وجهه كأنها جزء من وجهه ، وأضفى عليه شاربه الكث مهابة . لاحظت مداومته على تحريك عقدة رباط الرقبة . تصورت أنه ينوى فكها ، ثم أدركت أنها عادة له . ألفت رؤيته يجلس بمفرده على آخر طاولات المقهى ناحية اليسار . يقرأ جريدة ، ويرشف القهوة ، ويرمى بنظرات غير متأملة ناحية البحر ..
غاب التوقع فى دخول محمد الأبيض وفتحى عيداروس ويحيى عباس ونادر البقال . لم أفطن إلى من وصل قبل الآخرين ، وتبدّل أوائل القادمين فى المرات التالية . لم أعد أحرص على الوصول قبل السادسة . الموعد الذى حددناه لبداية الندوة ..
***
قال رأفت الجارم :
ـ المؤسف أن يكون ثمن انتصارنا فى أكتوبر .. التحالف مع أمريكا ، والصلح مع اسرائيل ..
قال نادر البقال :
ـ لكننا استعدنا سيناء ..
وداخل صوته أسى :
ـ وإن كنا لا نستطيع أن نحرك فيها جندياً واحداً ..
قال رأفت الجارم :
ـ مشكلة هذا البلد أنه ترك المسئولية لشخص واحد .. هو الذي يقرر متى نحارب ، ومتى نقبل السلام ..
قالت أسامة صابر :
ـ أنا لا أدين اليهود .. يعتدون ويعرضون السلام .. أنا أدين من سكت عن الاعتداءات ورحب بالسلام الذي عرضوه ..
لماذا يحرص رأفت الجارم على أن يتقافز فوق حقل الألغام ؟ هل يلقى طرف الخيط ، فنلتقطه ، ويجد ما ينقله ؟..
قلت :
ـ ألم نتفق على عدم التحدث في السياسة ؟..
قال يحيى عباس :
ـ كلام السياسة مثل شعر الذقن .. نتخلص منه فيعود ثانية ..
كنا نتحدث فى الأدب ، لكن الأحاديث كانت تفضى إلى السياسة . نسأل ، ونجيب ، ونناقش ، ونسترجع ما مضى ، ونطرح التوقعات . مكاننا الذى لم نبدّله زاوية المقهى المطلة على طريق الكورنيش وشارع الأهرام . نسند الكراسى إلى الجدار المكسو بالخشب ، وتكتمل الدائرة ـ أمامها الطاولات عليها أكواب المشروبات ـ بصفوف الكراسى ، حدّها عمود من الأعمدة الثمانية التى تمتد فى الصالة الواسعة . يفصلنا عن حركة الطريق ستائر من التروكلين مسدلة على زجاج النوافذ ..
قال رأفت الجارم :
ـ نحن لا نحيا فى جزيرة منعزلة ..
رأفت الجارم ..
لاحظت أنه يحرص على تغيير مناقشات الندوة . يميل بها إلى الأوضاع الاجتماعية ، أو السياسية . ربما تكلم فيما لا تحتمله القصة أو القصيدة من دلالات ..
يداخلنى ـ بسماع آرائه ـ إحساس بأنه كثير القراءة والاطلاع . يكتفى بالتلقى ، لايجاوزه إلى محاولة الكتابة . يعطى انتباهه لما يلقى من قصائد وقصص . يشارك فى المناقشات بآراء ، أتمنى لو أنها كانت لى . وكان يكتفى بابتسامة محايدة لفكرة أنه يكتب ، وأن عليه أن يقرأ لنا من كتاباته ..
هل يكون هو الذى ... ؟
أعدت تأمله : الاسم يتناقض مع الشعر الأسود ، والبشرة القمحية ، والعينين السوداوين ، والأنف الضخم ، والشفتين الممتلئتين ، وإن بدت ملامحه ـ فى مجموعها ـ أقرب إلى الوسامة . كأنه ألصق البسمة على شفتيه ، تعلق بجانب فمه كالسخرية . وكانت لهجته تلتف بخطورة ، ربما تغيب عن الكلمات . فإذا ضحك غلبه الانفعال ، واهتز جسده ..
روى محمد الأبيض أن رأفت الجارم يهوى اقتناء الكتب الثمينة والنادرة ، ملأ بها ثلاث خزائن هائلة فى صالة البيت ، وإن أكد فتحى عيداروس أنه تركها على حالها ، فهو لايقرأها ، ولا يأذن لأى من أصدقائه باستعارتها ..
لم أكن أحبه ، ولم أكن أكرهه أيضاً ..
***
كان المكتب يبعث رسالة ـ عصر كل يوم ـ إلى القاهرة . أخبار وتحقيقات ومقالات . أتوقع نشر القليل مما تتضمنه الرسالة ، ولا أنشغل بما لم ينشر . ربما لأنى كنت أكتب فى القضايا الأدبية ، وأشارك فى ندوات نادى سموحة ونادى سبورتنج والنادى النوبى ، وندوات المقاهى وقصور الثقافة ، تمنى الأدباء أن أؤدى دور الجسر لمحاولاتهم فى الجريدة . تقاطروا إلى المكتب ، يشاركنى فى الحجرة ثلاثة محررين .. فاروق أبو سليم محرر الفن ، وعبد السلام أبو ستة محرر الأخبار المحلية ، وسيد حماية محرر التحقيقات . يتملكنى الشعور بالغربة وأنا أحيا بينهم ..
كنت أعانى الحرج عندما يتحول الزملاء الثلاثة إلى جزر مختنقة فى بحر الزيارات وقراءة الأعمال والأسئلة والمناقشات . عفو الخاطر ، وما يفد إلى أذهاننا . نتحدث فى الشعر والقصة والرواية والمسرح والسينما والفن التشكيلى والموسيقا والغناء . ربما تطرقنا إلى السياسة . أقطع الخيط فى بدايته ، حتى لا يتشابك ، فلا أستطيع التصرف . وكانت أحاديثنا ترتفع إلى قمم عالية ، فيصيبنى دوار ..
قلت :
ـ نحن هكذا نشكل ندوة أدبية ..
قال نادر البقال :
ـ ملاحظة صحيحة ..
لم أفلت الفرصة :
ـ ماذا لو أننا نظمنا ندوة خارج المكتب ؟..
قال يحيى عباس :
ـ فكرة !
قال قورة إدريس :
ـ تأسست في الإسكندرية سنة 1932 جماعة نشر الثقافة .. هل نعيد تأسيسها في 1982 ؟..
قال يحيى عباس :
ـ ولماذا لا ننقل جلساتنا إلى حدائق الشلالات ، ونعيد اسم جماعة الشلال ؟..
انشغلنا ـ في الأيام التالية ـ بالبحث عن مكان . تصورنا خريطة لأماكن التجمعات ..
قال محمد الأبيض :
ـ النادي النوبي ينظم ندوة أسبوعية .. قد يرحب بندوة ثانية ..
قال قورة إدريس :
ـ أى عضو فى رابطة موظفى الحكومة .. لن يعترضوا على الندوة .. والصالة يجرى فيها الحصان ..
قلت :
ـ أفضل أن تكون الندوة غير تابعة ..
وهتفت بالتذكر :
ـ نحن نلتقي في قهوة المينا الشرقية معظم أيام الأسبوع .. هذا هو المكان الأنسب ..
أعوامي الأربعون لا تجعلني أكبر المشاركين في الندوة . التصور بأنهم قد يفيدون من عملى ، دفعهم إلى القبول برئاستى . كان الأدب شاغلى . يهمنى أن أكتب ما أقدمه إلى الناس . أقرأه ، وأنشره . يسبق ما أكتبه كلمة " بقلم " . يضايقنى أنى أتحدث فى الأدب ولا أمارسه . أكتب عن المؤتمرات والمهرجانات والمحاضرات والندوات ، أحاور كبار المثقفين ، أدير ندوة مقهى المينا الشرقية .. لكننى لا أكتب ما يقدمنى كأديب ، قصة ، أو رواية ، أو قصيدة ، أو مسرحية ، أى شئ يحقق لى صفة الأديب . جريت على القلم بما تصورت أنه يصلح للنشر . ثم أعدت قراءته ، فتبينت سخفه ، ومزقته . التقطت من الدكتور وجدى شعيب أستاذ الفلسفة بكلية الآداب قوله : قراءة الفن تستفز الفنان ليكتب . قرأت كل ما وصلت إليه يداى من كتب . حتى الصحف ، كنت أستعيرها من بائع الصحف أول الموازينى ، أدفع مقابلاً شهرياً ، وأقرأها . كنت أحيا فى الإسكندرية ، وتطلعى إلى القاهرة ..
المناقشات تبدأ ولا تنتهى . لا نأخذ بالنا من أتى ، ولا من انصرف . تتعرى الطاولات من المفارش ذات الزخارف الفرعونية ، وتتناثر فى الأرضية القنالتكس أعقاب السجاير المدهوسة . ينبهنا بسيونى الجرسون حين يطفئ النور ، ثم يعيده . ندرك أن ميعاد إغلاق القهوة قد حان . نلملم مناقشاتنا ، ونتحدث عن مواعيد مقبلة ، ونتهيأ للانصراف ..
قلت لنادر البقال ونحن نميل إلى ميدان المنشية :
ـ يبدو أنه على الإنسان أن يحفظ لسانه ، فلسنا ندرى من هو من الندوة ، ومن هو مدسوس علينا ..
كنت أرتاح للحديث إليه ، لأنه كان ينصت جيداً ، ويبدى اهتمامه ..
قال :
ـ تقصد أن بيننا عملاء ؟..
هززت رأسى مؤمّناً ..
قال :
ـ لمن ؟..
ـ للمباحث طبعاً ..
وهو يحدجنى بنظرة مستنكرة :
ـ ماذا تريد المباحث من ندوة أدبية ؟!..
وداخل صوته سخرية :
ـ هل أصبح الأدب من المحرمات ؟!..
تراقص أمامى ظل يمتد من الخلف . استدرت ، فبدا الرصيف خالياً . لا أحد . أدركت أن ظلينا قد عبث بهما تشابك أضواء الشارع ، والمعلقة على الأبواب . وكان ثمة طيف يقف تحت نخلة ، فى ناصية شارع الميدان ..