(2)

5 0 00

(2)

ويحك أيها الدفتر العزيز ! ويحي منك ! لقد شغلتني يومي كله ، فلم أكد أفكر إلا فيك منذأصبحت إلى أن أمسيت ، ولقد كانت تشغلني عنك الحوادث الطارئة والأحاديث العارضة ، بيني وبين أسرتي أو بيني وبين بعض أترابي ، ولكني لم أكن ألبث أن أعود إليك ، فأذكرك ثم أراك ، ثم أتمثلك مبسوطا بين يدي ، ثم أسأل نفسي عما يمكن أن ألقي إليك من سر ، أو أفضي به إليك من حديث . وما أكثر ما خطر لي من الخواطر ، وما أكثر ما عرض لي من المعاني ، وما أكثر ما ثار في قلبي من العواطف ، وما أكثر ما استبان لنفسي من الرأي ! ولكني ضقت بهذا كله آخر الأمر ، ورأيت أنك ستصبح لي شغلا شاغلا وعلة ملحة ، وأشفقت أن تفسد عليّ حياة صالحة جرت إلى الآن على خير ما تجري عليه حياة أمثالي من الفتيات ؛ فأزمعت الإعراض عنك ، والتنكر لك ، والاشتغال بما كنت أشتغل به قبل أن أعرفك من عمل ورياضة في النهار ، ومن حديث وقراءة في الليل .

ثم أخذت في بعض ما كنت آخذ فيه ، ولكني رددت إليك ردا ، وأكرهت على التفكير فيك ، ثم التحدث إليك إكراها . وهأنا هذه أجلس إليك بعد أن هدأ كل شيء ، وثاب كل فرد من أفراد الأسرة إلى غرفته ، فخلت الدار منا ونحن مع ذلك نملؤها ونعمرها ، ونشيع فيها حياة تسكن الآن لتنشط إذا أسفر الصبح .

هأنا هذه أجلس إليك بعد أن هدأ كل شيء ، ولعلي تعجلت هذا الهدوء فيما ظهرمن أمري ، وما أشك في أنيتعجلته فيما كنت أخفي من حديث النفس ونجوى الضمير . وأنا كما كنت أحدثك أمس ألتمس تعليل هذا وتأويله ، فيروعني ما ينتهي إليه بحثي من التعليل والتأويل ، فقد يخيل إليّ أن قلبي فارغ يريد أن يمتلئ ، وأن نفسي ساكنة كسلة تريد أن تنشط وتعمل ، وأن ملكاتي كلها معطلة يؤذيها هذا التعطيل ، فهي تلتمس لنفسها منه مخرجا ، ولا تجده إلا في معرفة جديدة لصديق جديد . وأنا أعلم أبواب النشاط أمامي مفتحة ، لو شئت ، فأنا أستطيع أن أشارك في أعمال البيت ، وأنا أستطيع أن أشارك في الرياضة ، وأنا أستطيع أن أقرأ وأن أزور وأستزير ، وآخذ في ألوان مختلفة من الحديث . ولكني منصرفة عن هذا كله ، وانصرافي عنه يشتد من حين إلى حين .

وأنا أحس شوقا إلى شيء جديد ألمحه ، ولا أتبينه ؛ تحسه أعماق نفسي وضمير قلبي ، ولكنه لا يستبين لعقلي ولا ينجلي لرأيي . فأنا حائرة دون أن أعرف مصدر هذه الحيرة ، هائمة دون أن أعرف موضوع هذا الهيام ، مشوقة دون أن أتبين غاية هذا الشوق . وأنت تسليني عن هذا كله ، وتقوم في نفسي وقلبي مقام هذا كله ، فأنا أظهر لك نفسي كما هي وقلبي كما هو ، ولعلي أتبسط إلى أبعد من هذا فأجلس إليك في لبسة المتفضل ، لا متحرجة ولا متأنفة ، ولا متكلفة شيئا يتصل بالزي أو بترتيب الهندام . إنما هي الحرية المطلقة ، حرية النفس وحرية الجسم ، أصطنعها متى أغلقت الباب من ورائي وجلست إليك . وأنا أجد في هذا راحة وطم أنينة ، ولكني أجد في هذا شيئا يسيرا خفيا من قلق يتردد في ضميري بين حين وحين . فماذا تقول أمي ؟ وماذا يقول أبي ؟ وفيم يفكران لو أنهما قرآ هذه الأحاديث التي أسرها إليك ؟ هذه مشكلة جديدة لا بد من أن أجتهد في حلها . فلم يكن لي على أبويّ سر أو كنت أحتفظ بسري ، وبما يخطر لي من السخف في هذا الضمير الذي لا يظهر عليه الآباء والأمهات ، ولكني الآن أجهر بهذه السخافات وألقيها إليك . وأنت تستطيع أن تضمن لها البقاء ما تركت آمنا محفوظا من العاديات ، ولكنك لا تستطيع أن تؤمن نفسك من أن تمتد إليك الأيدي وتجري على صفحاتك العيون . أنت حافظ للسر ولكنك لا تستطيع له كتمانا ، فلا بد من أن أعينك على هذا الكتمان ، ولا بد من أن أخفيك وأبالغ في إخفائك على الناس جميعا ، وعلى أبويّ بنوع خاص وعلى أخي هذا العفريت المارد بنوع أخص . وما كان أغناني عن هذا الجهد الجديد ، ولكن لا بد مما ليس منه بد .