(3)
ولكني أبثك هذه الأحاديث ، وأنت لا تعرف من أمري شيئا . ألست ترى أن هذا غريب ؟ إني لا أفضي بأيسر أمري إلى أحد حتى أعرفه وحتى يعرفني ، فكيف بي أظهر لك نفسي كما هي ؟ ولم أعرفك إلا أمس ، وأنت لا تعرف من أمري شيئا . إني لغافلة ذاهلة حين أتصور فيك العقل والشعور والمعرفة ، وحين أتحدث إليك كما أتحدث إلى الناس ، ولكني مضطرة إلى ذلك مكرهة عليه ، لا أستطيع أن أرى فيك إلا صديقا ، وإلا صديقا يسمع لي ويفهم عني ؛ لأني في حاجة إلى هذا الصديق ، وإن كنت لا أدري مصدر هذه الحاجة ، ولولا ذلك لما اشتريتك ، ولما اتخذتك أمينا على السر وحفيظا على نجوى الضمير . ولست أرى بذلك بأسا ، وقد قرأت في بعض الكتب أن بعض بلاد الشرق كانت تشتري الرقيق من الصبية فتنميهم وتربيهم وتؤدبهم وتدربهم ، ثم تتخذهم لها قادة وملوكا . وما أنا في حاجة إلى أن أنميك أو أربيك أو أؤدبك أو أدربك لأتخذك لي صديقا . فأنت تكفينيكما أنت ، وأنت بعد هذا كله تعينني على أن أنمي نفسي وأربيها ، وعلى أن أؤدب نفسي وأدربها ، وعلى أن أعرف نفسي حين أعرفها لك ، وأقدمها إليك . فأنت صديقي ، وأنت نجيّي ، ولا بد للصديق من أن يعرف صديقه ،
ولا بد للنجي من أن يعرف نجيه . فاعرفني إذن . وإني مقدمة إليك نفسي كما عرفتها بل كما جهلتها ؛ لأني سأظهرك عليها باحثة عنها ، ملتمسة تعليل كثير مما صدر عنها من عمل وتفكير لم أفهمه حين صدر عنها ، ولكني أظن أنيسأفهمه الآن بعد التفكير والروية . اعرفني إذن لأني سأقص نفسي عليك ولأنك ستصاحبني منذ اليوم ، وستتلقى أسراري وستحاسبني أو ستعينني على أن أحاسب نفسي عن كل ما أعمل ، وعن كل ما أجد . أليس من الغريب أنك لا تعرف اسمي إلى الآن ؟ ! فليكن هذا أول ما تعرف من أمري ، فأنا فتاة سأبلغ العشرين بعد أيام ، تسميها أسرتها لين ، ويسميها الناس مدلين مورل . وما أنا متحدثة إليك بتاريخي البعيد ، فقد استعرضت ما أذكره منه في أثناء النهار فلم أجد فيه غناء ، وأشفقت أن أقصه عليك فتسخر مني وتضيق بي ؛ لأنه تاريخ الألوف من الفتيات الفرنسيات اللاتي ينشأن في الطبقات الوسطى من أهل الريف الفرنسي . ولكن يحسن أن تعلم أن الحرب الكبرى قد أدركتني حين كدت أتم الرابعة عشرة من عمري ، وقد كنت تلميذة تتهيأ للشهادة الثانوية ، جادة في الدرس مشغوفة بالعلم دائبة على التحصيل ، أتمت عامها الدراسي وظفرت بجوائز كثيرة ممتازة ، وعادت إلى أهلها في قريتهم هذه في عطف من أعطاف الجبل في السفوا ، سعيدة راضية عن عامها مستبشرة
مغتبطة بما ستنعم به من الراحة والسياحة وألوان الرياضة مع إخوتها الثلاثة ، وأترابها الكثيرات أثناء الصيف . وكنت أصغر إخوتي سنا ، وكان أكبرنا قد تخرج في كلية الطب ليعمل مع أبينا في صناعته ثم ليخلفه على عيادته بعد عمر طويل ، فكان قد أتم الرابعة والعشرين من عمره ، وكان ثاني إخوتي قد أتم الحادية والعشرين من عمره وظفر بإجازة الليسانس من كلية الحقوق ، وهو يتهيأ للعمل عند بعض الموثقين ولتحصيل إجازة الدكتوراه أثناء ذلك . فأما الثالث من إخوتي ، فكان في السابعة عشرة من عمره قد ظفر بالشهادة الثانوية ، ويريد أن يذهب إلى باريس ، ليتهيأ فيها لدخول مدرسة المعلمين .
و كانت أسرتنا راضية موفورة ليست بذات ثروة ضخمة ، ولكنها ليست ضيقة اليد ولا سيئة الحال ولا عاجزة عن أن تعيش عيشة فيها كثير من رغد وخفض ، وآية ذلك أنا كنا نتهيأ في ذلك الصيف لألوان من العيش لا يتهيأ لها الذين قتر عليهم الرزق . فقد كان أخواي يريدان أن يتركا فرنسا ليذهب أحدهما إلى إيطاليا ، وال آخر إلى بلاد اليونان والترك . وكان أصغر إخوتي يريد أن يلحق برفاق له في جبال الفوج ، وكنت أتهيأ لأذهب مع أبويّ وبعض أترابي إلى ساحل المحيط في بيارتز . ولكن جو أوروبا يزدحم بالسحب ثم تخفق فيه البروق ، وتقصف فيه الرعود ، ثم تثور العاصفة فتحطم كل أمل وتغير كل اتجاه ، ويذهب أخواي لا إلى إيطاليا ولا إلى اليونان ولكن إلى حيث تريد توجيههما وزارة الحرب . ويذهب أبي متطوعا للخدمة الطبية في بعض المستشفيات قريبا من الحدود . وأبقى مع أمي وأخي في قريتنا هذه آمنين من غارات الحرب ، غير آمنين أنباءها المنكرة ، ومناظرها البشعة ، إذا انحدرنا إلى هذه المدينة أو تلك ، فرأينا هذا السيل الذي كانيتدفق بالجرحى على المستشفيات ، وذلك السيل الذي كان يتدفق بالمحاربين على الحدود . ولكني مع ذلك لم أذق الحرب ، ولم أبْل مرارتها ، ولم أحس لذعها الذي يحرق القلب ويغرق العين ، إلا بعد أن تقدمت الحرب وبلغت من عمرها البشع ستة أشهر ، حين جاءنا النبأ بأن أكبر أخوي قد صرع في أحد الميادين . هنالك عرفت الحرب وأحسست آلامها ، ولكن أسابيع لم تمض على هذا النبأ حتى يلحقه نبأ آخر بأن ثاني أخوي جريح يمرض في أحد المستشفيات ، ثم لا يتم العام حتى تظهر في الأسرة ظاهرة من جنون لم ينكرها أبي حين استشير فيها بالكتب والرسائل ، وأنكرتها أمي ، ولكنها لم تجرؤ على أن تظهر إنكارها إلا بالإذعان والبكاء المتصل ،
وأنكرتها أنا أشدّ الإنكار وأعنفه ، ولكن أحدا لم يسمع لي ، وإنما كانت تلقاني الأسرة بالتلطف والتعطف والتسلية . وهذه الظاهرة هي تطوع أخي الصغير للخدمة العسكرية قبل أن يبلغ سن الحرب ، وكان يقول : قد صرع أحد أخوي وجرح الآخر ، وما ينبغي أن تخلو ميادين الحرب من أحدنا . ثم يسافر ذات يوم مع الصبح فنودعه ، ثم لا نراه إلى الآن .