(4)

6 0 00

(4)

لم تكن ليلتي سعيدة أمس ، وإنما انقضت شاحبة يملؤها الحزن والبؤس والشقاء . فقد انصرفت فجأة عنك أيها الدفتر العزيز ، وحيل بيني وبين المضيفي ما كنت أقص عليك من أنباء نفسي وأحاديث أسرتي . صرفني عن ذلك ما أثارته هذه الأحاديث وتلك الأنباء من شجون وأحزان امتلأ بها قلبي وغرق فيها ضميري ، والتبست لها الأمور على نفسي ، ثم لم تلبث أن استأثرت بحسي الظاهر فأجرتْ في جسمي رعدة خفيفة أول الأمر ، ثم عنيفة بعد ذلك ، لم تهدئها عني إلا هذه الدموع التي انحدرت من عيني غزارا .

لقد كنت أحسب أن قد هدأت اللوعة وسكت عني وعن الأسرة هذا الجزع الذي ملكنا وأفسد علينا أمورنا كلها حين انتهى إلينا النبأ بمصرع أخي الصغير . فإذا أنا لا أكاد أبدأ الحديث إليك حتى ينكأ الجرح وتثور العاصفة ، وحتى يضطرب من حولي كل شيء ، وحتى يفسد عليّ كل شيء ، وحتى أغرق في هذا الحزن الشامل ، الذي يصرفني عنك وعن نفسي ، والذي ينسيني مكاني منك ، ومكاني من كل شيء ، والذي يشغلني ويشتمل عليّ اشتمالا تاما ، فأنفق ليلة ما أدري كيف أنفقتها ، ما أعرف إلى أي لحظة منها بقيت يقظى ، وفي أي لحظة منها أدركني النعاس . وإنما أتنبه لنفسي حين يمسني برد الصباح ؛ فإذا أنا كما كنت حين بدأت الحديث إليك ، لم أنتقل من مكاني ولم أتحول عن مجلسي ولم أدر كيف قضيت الليل .

هنالك أنهض فزعة مرتاعة متسائلة : ماذا كان يمكن أن يكون لو أن البرد لم يوقظني ، ولو أنيلبثت على هذه الحال حتى تستيقظ الأسرة وحتى تظهر عليّ في هذا الوضع الذي كنت فيه ؟ هنالك أعمد إليك فأخفيك ، وأعمد إلى سريري فأحدث فيه شيئا من الاضطراب ، ثم آوي إليه كارهة متكلفة ؛ لتعلم الأسرة أني قد قضيت ليلة عادية لم أخرج فيها على المألوف .

ولكني تبيّنت من هذا كله أني كنت أكذب على نفسي ، أو أن نفسي كانت تكذب عليّ حين كنت أزعم أني قد أخذت أتسلى عن الحزن وأتعزى عن كوارث الحرب . وما أشك الآن في أن الأسرة كلها تكذب على نفسها فتتكلف السلو ، وتتصنع العزاء ، وتلقي حجابا رقيقا على أحزانها وآلامها ، تتخذه من مشاغل الحياة وأغراضها المتصلة ؛ لأنها لا تستطيع أن تمضي في هذا الحزن العنيف جاهرة به مظهرة له . لا تستطيع ذلك لأن للحياة ظروفها وبواعثها إلى العمل والجد ، ولا تستطيع ذلك لأنها تحسب لمراقبة الناس حسابا أعظم مما تقدر وتظن . وما أشك الآن في أننا جميعا نلتقي بوجوه باسمة أو غير مكترثة ، ونمضي في حياتنا بهذه الوجوه التي تبتسم وتظهر التجلد ، ولكنه ابتسام لا يدل على شيء إلا على التكلف والتصنع ، ولا يصدر عن شيء إلا الحزن المر ، واليأس الممزق للقلوب . ولكنه تجلد يسير هين لا يكاد يثبت إلا متهالكا متضائلا ، يكفي أن تعرض له الذكرى ، فإذا هو يتبدد ويزول كما يتبدّد سحاب الصيف . وآية ذلك أنا نتجنب إذا التقينا وأخذنا في الحديث ذكر الفقيدين الشهيدين ، والإشارة إليهما من قريب أو بعيد ؛ مخافة أن يخرج ذلك بنا عن طور التكلف هذا الذي أخذنا به أنفسنا ،

وأجرينا بيننا عهدا صامتا على أن نلزمه ، ونمعن فيه لتستقيم لنا الحياة ، كما تستطيع أن تستقيم لقوم لا يجدون ينبوع الحياة في قلوبهم ، وإنما يستمدون حياتهم من الخارج ويستعيرونها من الحوادث والظروف ، فهم يحيون متكلفين ، ولولا هذا التكلف لما ظفروا من الحياة إلا بأسباب واهية لا تغني عنهم شيئا . وما أشك الآن في أن أمر أبويّ شر من أمري ؛ فإن لي من الشباب نشاطه وآماله ما يسليني ، رضيت ذلك أم كرهته ، وما يعينني على أن أتجنب الذكرى ، وأفر من الحزن . فأما أبواي فليس لهما من هذا كله شيء ؛ فقد فقدا نصف آمالهما حين فقدا اثنين من أبنائهما الأربعة ، وبقي لهما نصفها الآخر كئيبا شاحبا لا يثير نشاطا ، ولا يدعو إلى جد ، ولا يكاد يبعث في النفوس فرحا ولا ابتهاجا . وهما يتجنبان الحديث في كل هذا بمحضر منا ، ولكنهما يضمران غير ما يظهران ، ويتحدث كلّ منهما إلى صاحبه بما يذكي النار في قلبه ويضاعف الحزن على نفسه ،

وكل منهما مع ذلك رفيق بصاحبه شفيق عليه يخفي عليه أكثر مما يظهر له . لهما الله ما أشد ما يقاسيان وما أعظم ما يألم كل منهما إذا خلا إلى نفسه ، واستطاع أن يرفع هذا الحجاب الرقيق المتكلف ، وأن يلقى وجها لوجه هذه الصورة البشعة التي تركتها لنا الحرب والتي رأيتها أمس فأنفقت أشنع ليلة وأشقاها .