الفصل الرابع
تحديات العصر
انقضتِ الصَّلاة، ورشف المصلون من مَعين القرآن، وقرَّت أعينهم بركوعها وسجودِها، ثم انصرفوا إلى شُؤونِهم على أمل بالعودة عند صلاة التهجُّد، ومكث بعضهم بين تالٍ وذاكر منتظرًا تَهجده وتَحَنُّثَه، وجاء أحمد يَحمل كأسين من الشاي احتفظ بأحدِهما، ودفع إليَّ الثاني قائلاً: هل تظن أنَّ موضوع الرجوع إلى الله ميسور على جميع الناس دون عَقَبات أو عوائق أو حواجز؟ قلت: بالطبع لا، وألف لا، فلا بُدَّ لمن سلك طريق الهداية أن يُواجِهَ تَحديات كبيرة، لا سِيَّما في هذا العصر الذي يتَّسم بسرعة الإيقاع، وسُهُولة الاتِّصالات، والغزو الفكري، تحديات وتحديات من انحلال خُلُقي، وفَسَاد اجتماعي، وفتنة المال، والشهوات، والشبهات، نعم يا أحمد، "قد يتأرجح الشابُّ المسلم أمام هذه التحديات من الفساد والانحلال بين أن يحجم عن مفاتن الحياة وتحديات المجون، وبين أن ينزلق في مهاوي الفتنة".
لكن اعلم أخي أنَّ أوَّلَ الغيث قطرةٌ ثم ينهمر، المهم أن تبدأ، وقد جاء رجلٌ كافر إلى رسولِ الله فقال له النبي : ((أسلم))، قال الرجل: أجدني كارهًا، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((أسلم ولو كنت كارهًا))، قال ابنُ رجب - رحمه الله -: "وهذا يدل على صحة الإسلام مع نفور القلب وكراهته له، لكنه إذا دخل الإسلام واعتاده وألفه دخل حبه قلبه، ووجد حلاوته"، فالمهم إذًا أن تبدأ، ثم تستمر وتظل تقاوم التحديات والفتن، وبعدها تَجد الحلاوة واللَّذة... بعد الألم الذي صادف في البداية، وقد حكى البعضُ عن أفلاطون قوله: "الفضائلُ مُرَّة الأوائل حُلْوة العواقب، والرَّذائل حلوة الأوائل مُرَّة العواقب"، وأحسن منه قولُ رسولِ الله : ((حُفَّتِ النارُ بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره)). إذًا يا أحمد، من الطبيعي جدًّا وجود التحديات، بل هو من طبيعة طريق الهداية، لكن - يا أحمد - في رأيك ما أكبر فتنة وتَحَدٍّ يعترضُ طريقَ مَن أراد الهداية؟ قال أحمد - دون تردد -: تَحدي الشَّهوة وفتنة النِّساء يتقطع من طَعَناتِها الشباب، قلت: صدقت يا أحمد، مع الأسف... إنَّها فتنة شديدة حقًّا خاصَّة وهي تُسانِدُها القوى الفطرية: النفس، والهوى، والميل الطبيعي، نعم يا أحمد، ينهار أمام هذه الفتنة الكثيرُ من الشَّباب، ولكنَّك ستَعْجَب، وحُقَّ لك أن تعجب، إنَّ الآثام التي تؤرِّقنا اليومَ كانت مَوجودة بنفس تحدياتها في عهد الصَّحابة، قاطعني مستنكرًا: لا، لا، لا، يعني مثلاً فتنة النِّساء في الجامعة أين كانت على عهد الصَّحابة؟
أجبته: لا تعجل عليَّ، النساء كُنَّ يَطُفْنَ حول الكعبة عاريات دون لباس، أيُّهما أشد؟ الجامعة أم طواف العاريات؟ قال: لكنَّ رسول الله كان معهم، والوحي يتنَزل بين أظهرهم، قلت: أنا أوافقك، نعم، رسولُ الله ليس بيننا، والوحي لا يتنزل علينا، ولكن رسول الله معنا بِهَدْيه وسنته؛ ((تركت فيكم ما إنْ تَمسَّكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتابَ الله وسُنَّتِي)).
الوحي تَمَّت مُهمته واكتمل الدين ثانيًا، كلما ازدادت الصُّعوبات واشتدت الفتن، ازداد ثوابُ العاملين وأجر الصامدين؛ ((العبادةُ في الْهَرْجِ كَهِجْرَة إليَّ))، قال أحمد: الكلامُ جميل جدًّا، ولكنَّ الشبابَ يريدون حلاًّ عمليًّا، قلت: ممتاز جدًّا، فاسمع إذًا: "من الناس من يكفُّ هواه بسلسلة، ومنهم من يكفُّه بخيط، بمعنى أنَّ من الناس من يَحتاط، ويضع المحاذير التي تَمنع قدمه أن تزلَّ في الهاوية، ومنهم من بنى دارَه على الهاوية ذاتِها، ثم يلوم غيره؛ لعدم إيجاد حل".
والشَّرع جاء بالمباعدة، ووضع المحاذير، فَأَمَر بغضِّ البصر والنَّهي عن الاختلاط، وحَرَّم مصافحةَ الأجنبيَّة، ومنع الخلوة بها، ونهى عن الدُّخول على النِّساء، كل هذه حلولٌ عملية، ولكن بَقِيَ أن نطبقها، فمثلاً الحلُّ الأول: "غضُّ البصر، معلوم أنَّ حاسة البصر من أخطر الحواس في هذا الجانب، وأنَّ الشابَّ الذي يَقضي نَهاره ينقل بصرَه في مطالعة مَفاتن النساء، ثم يعود وقد شحن خاطِرَه بالصُّور الفاسدة لا بُدَّ أن يفرغ الشحنة بضياع استقامته، يمسك المصحف، فإذا بصور النساء تتراءى له على صفحات المصحف، يَجلس لذكر الله، فإذا لسانه يتكلم وعقله يفكر فيما رآه، يغلق المصحف ويترك الذكر، وينطلق في شهواته، إذًا اقطعْها من البداية، غُضَّ بَصَرَك تنطفئ نارُ شهوتك...".
الخطة الشهيرة
وَمن أنْجح الخطوات في مُواجهة تحدي الشهوة: قطعُ الطريق على الشيطان، وعدم تتبُّع خطواته، وخطته الشهيرة: نظرة، فابتسامة، فسلام، فموعد، فلقاء، كلُّها خطوات من خطوات الشيطان؛ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268]، وأطراف هذه الخطة في تزيين السُّوء والباطل، فزميلتي أختي، وجارتي أكثر من أختي، ثُمَّ الوقوع في الفخ؛ ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: 38].
ترك التعامُل مع العدو من أهمِّ الخطوات التي تُساعد على إفشال خُطَّة التزيين الإبليسيَّة، وترك الاسترسال في الخواطر السيئة، فإذا داهمتك خاطرة - وهذا وارد - "والقلب يهوى ويتمنَّى"، فغَيِّر وَضْعَك في الحال، إذا كنت في غُرفتك وحيدًا، اخرج واجلس مع عائلتك، أو اذهب للمسجد، أو اتَّصل بصديقٍ صالح، فهذا يُشتِّت التركيزَ ويُبعثره، واشغل نفسَك دائمًا، فلا تجعل مكانًا للخطرات، وتذكَّر دائمًا أنَّ المشغولَ لا يُشغَل، ونَفسُك إن لم تشغلْها بالحق، شَغَلَتْكَ بالباطل.
احذر الخيوط العنكبوتية "الحذر من الخيوط العنكبوتية خُطوة في مُواجهة تحدي الشهوة، أقصد ترشيد استخدام الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، فلا تُبحر في الإنترنت دون هدف سابق، فإنَّ هذا يُسهِّل على الشيطان مُهِمَّتَه في استدراجك إلى المواقع السيئة، ومن المستحسن أن تضعَ حاسوبَك في مكان مكشوف من البيت، مع وضع برنامج ضد المواقع الخبيثة"، وهذا كله من باب الأخذ بأسباب النَّجاة في مواجهة هذا التحدي، ولكن هناك خطوة هي أنْجح هذه الخطوات، وأهمها أنَّها:
"ليس لي سواك" الإعتصام بالله، والاستعانة به، وطلب العون منه؛ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]، فيتوكل العبدُ على الله في صرف الفواحش عنه، وعصمته من المنكرات، وفي الحديث: ((ومن يستعفف، يعفه الله))، فيجأر العبد إلى الله، يا رب ليس لي سواك، اعصمني من الفتن، وهنا قال أحمد: إنَّها حقًّا خطوات رائعة في مواجهة هذا التحدي، بل إنَّها تحدي التحدي، فهل من معينات أخرى لهذا التَّحدي، قلت: نعم، معرفة حقيقتها، وعدم الاغترار بها.
آه لو عرف العبد الحقيقة
قال مُتعجبًا: حقيقة من؟ قلت: الدُّنيا وطبيعتها، وحقيقةُ لذَّاتِها ونعيمها الخدَّاع، "فما الدُّنيا ونعيمها إلاَّ مأكول أو مشروب أو ملبوس أو مشموم أو منكوح، أمَّا المأكول، فأفضله العسل، وهو إفراز حشرة، وأمَّا الملبوس فأفضله الحرير، وهو صنع دودة، وأمَّا المشموم فهو المسك، وهو دم حيوان، وأمَّا المنكوح فهن النِّساء، وهن مَبَالٍ في مَبَالٍ؛ ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 77]، فمَعرفة حقيقة الدُّنيا وطبائع الأشياء خُطوة ضرورية لمواجهة كل التحديات، وإذا تأمَّل كل عاقل، لعلم أنَّ "عامة مصالح النفوس في مكروهاتِها.
كما أنَّ عامَّة مضارِّها وأسباب هلكتها في محبوبتها، فانظر إلى الأب الشفيق على ولده، العالم بمصلحته، إذا رأى مصلحته في شقِّ بطنه وقطع عروقه؛ "لإجراء عملية مثلاً"، لأذاقه الألم الشديدَ؛ لأجل هذه المصلحة، وإن رأى شفاءه في قطع عضو من أعضائه، أزاله عنه؛ رحمة به، وشفقة عليه، وإنْ رأى مَصلحته أنْ يُمسك عنه العطاء لم يُعطه، ولم يُوسع عليه؛ لعلمه أنَّ ذلك أكبر الأسباب إلى هلاكه وفساده، وكذلك يَمنعه كثيرًا من شهواته؛ حمية له ومصلحة، لا بُخلاً عليه.
وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين أمسك عن عباده وأمرهم بما فيه صالحهم، وإن خالف ذلك شهواتِهم ونفوسَهم".
وهنا أشرق وجه أحمد قائلاً: أظنُّ أنَّ الصورة قد أضاءت أمامي في مُواجهة هذا التحدي، ولكن قفز إلى ذهني تحدٍّ آخر من تحديات العصر، أظن أنَّه لا يقل في خطورته عن التحدي الأول، وله ارتباطٌ وثيق به، قلت: ما هذا التحدي؟ قال: تحدي ضياع الأخلاق وانهيارها وفُشُو الانحرافات السلوكية، قلت: أحسنت يا أحمد، إنَّ الانحرافات السلوكية لها آثارٌ مُهلكة وعَواقب وَخيمة على الفرد، وتَمتد إلى الأمَّة في أساسها الدِّيني، وترابُطها الاجتماعي، وقوتها الصحية والنفسية.
وقد قال رسول الله : ((أقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا))، فالأخلاق - يا أحمد - هي: "أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي إمَّا مَحمودة أو مذمومة"، وهي كذلك "انعكاسٌ لصورة الإنسان الباطنة، بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة".
بالفعل إنَّ هذا التحدي من أخطر التحديات التي تواجِهُ المسلم، فالأخلاق من معايير التقدُّم والتخلُّف، ولو أنَّك رجعت معي بذاكرتك إلى الوراء؛ لنتذكر كيف تربع الإسلامُ في جنوب شرق أسيا بأخلاق المسلمين، ودون سيف أو نَصْل، فكان تقدمهم بعلو أخلاقهم، وتَسَلَّط علينا الأعداء بعكس ذلك؛ "إنَّنا يا أحمد لن نستطيع أن نقنع أعداءنا بالكف عن أذانا، ولكن من الممكن بنهوضنا أخلاقيًّا أن نحملهم على الإسلام".
ولكن الانحراف السلوكي شرخ في الناحية الدينية، فيؤدي إلى تشويه حقيقة الإسلام، ويسبب الانهيارُ الخلقيُّ للمجتمعات المسلمة تصديرَ صُورة مُشوهة للإسلام، ومِنْ ثَمَّ نوهم الناس بسلوكنا الفاسد أنَّ هذا هو الدِّين الإسلامي المتمثل في سلوك أتباعه، والناس مَعذورون في عدم تفريقهم بين السُّلوكيات الفردية المنحرفة وحقيقة الدين.
قاطعني أحمد قائلاً: أستطيع أن أفهمَ من ذلك أنَّ المسؤولية مُشتركة بين كل المسلمين في إظهار مَحاسن هذا الدين، برفع راية الفضائل، وقتل الرذائل، أجبته: نعم يا أحمد، حتَّى وإن كانت الفضيلةُ في عيون الناس صغيرة، فالتَّبسُّم في وجوه المسلمين صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وإيناس الوحشان صدقة، وسُقيا الحيوان صدقة، وإرشاد الأعمى إلى طريقه صدقة، كل هذه الأخلاق تظهر كأنَّها صغيرة، ولكنَّها لا شك تضيف إلى رصيد الأمة، فضلاً عن رصيد من قام بها، حتَّى يتحقق للأمة كلها الأمن والرخاء، قال أحمد ضاحكًا: وما علاقة الأمن والرخاء بالأخلاق؟
الأخلاق والأمن القومي
أجبته: إنَّها علاقة في مُنتهى القوة تلك التي بين الأخلاق والأمن القومي، "فإذا توفر الانهيارُ الخلقي بين أفراد المجتمع الواحد، فهذا سيَقتُل من أجل تحصيل مُخدِّراته، أو من أجل أنَّ أحدهم أغضبه بأمر مُهين، وآخر سيعتذر لنفسه لأجل سرقة أخيه، وثالث سيبرر اغتصابَه لامرأة بعدم قُدرته على الزواج، وغيرهم يأكل مالَ اليتيم؛ لصعوبة العيش، وأخرى تتبرج من أجل البَحْثِ عن زوج، فينهار الأمن بانهيار الأخلاق، وإذا تقدَّم المجتمع، وانحاز إلى الأخلاق، فهذا المجتمع يَملؤه الأمن، والغاية فيه لا تبرر الوسيلة، بل الغايةُ حميدة، والوسيلة محمودة".
الأخلاق والحياة الطيبة
فيتحقق الأمن بمعاييره القياسية في هذا المجتمع الخَلُوق، وقد حدث أنْ تولَّى عمر بن الخطاب القضاء في عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - فمكث عمر مدة من الزَّمان ليست بالقصيرة لا ترتفع إليه خصومات، ومن أين تأتي الخصومة لقوم إذا بَغَى أحدهم على أخيه سامحه، وإذا جاءه نَمَّام رَدَّه، وإذا أخطأ اعتذر وأصلح، وإذا أساء تاب وأحسن، فتحقق الأخلاق الحسنة الحياةَ الطيبة في هذا المجتمع، وقد قال الله - تعالى -: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
الانحراف والحياة البائسة
وأمَّا من رضيَ بسلوك طريق الانحراف مُبتعدًا عن منهج الإسلام مُتمردًا على خالقه - سبحانه - فإنَّ القلقَ سيكون حليفَه، والاضطراب هو حظه من الدُّنيا، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]؛ "أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نُقيِّض له من الشياطين من يُضِله ويهديه إلى صراط الجحيم".
فلا يستطيع حتى مُجرد التآلف والتكيُّف مع البيئة الاجتماعية المحيطة به، بل تجده عاجزًا عن مواجهة المشكلات التي تعترضه، "فشارب الخمر مثلاً، كما أثبتت التَّجارب في عِدَّة جامعات عالمية أنَّ كمية الخمر قد تكون قليلة جدًّا، ولكنها قادرة أن تحدث تغييرًا في التوازُن النفسي".
فينتج عن عدم التوازُن القلق المستمر، والاضطراب المُفرط، وعدم الثَّبات، "وقد أشارت دراساتٌ أخرى إلى أنَّ واحدًا من كل عشرين أمريكيًّا يقضي جانبًا من حياته في مصحَّ الأمراض العقلية، كما أثبتت الإحصاءات أنَّ القلقَ هو السبب الثاني للموت في أمريكا، وفي خلال سِنِي الحرب العالمية قضى داءُ القلق على مليوني نسمة.
وفي بعضِ الدِّراسات الميدانية التي أُجريت على المدمنين أنَّ نسبةَ مَن عندهم تأثُّر لأتفه الأسباب (9. 96 %)، وتوتر الأعصاب (8. 86 %)، والقلق المستمر (6. 88%)، والشعور بالكسل والخمول (5. 86%)، واضطراب النَّوم (5. 84%) والخوف الدائم (1. 70%)".
قال أحمد بصوت حزين: نعوذُ بالله من ذلك، لم أكن أعلم أنَّ الجانب الخلقي يُمثِّل كل هذه الخطورة، قلت: إنَّ الحقيقةَ - يا أحمد - أنَّ الجانب الخلقي هو المحرك الرئيسي للأمم، ولكن شرط أنْ تنبع من مَعين الإيمان، قال: وهل هناك مُحرك آخر للأخلاق غير طريق الإيمان؟ قلت: نعم، عند غير المسلمين الأخلاقُ نفعية؛ بمعنى: أنا أحسن إليك؛ لأنَّك تحسن إليَّ، أو لأجل تحقيق مصلحة من ورائك، أمَّا في ظلال الإسلام فتعاليمه تأمرنا بابتداء الناس بالخير، وأنْ نُحسن إلى مُحسنهم، ونتجاوز عن مُسيئهم، بل إنَّ الإيمان نفسه هو المخرج الأوحد من غيبوبة الانحراف الأخلاقي، وقد قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18].
معنى هذا أنَّ "أي سلوك خاطئ أو منحرف يقوم بإيقاظ الإيمان بالله، والعمل على زيادته في القلوب، فإذا ما استيقظَ الإيمانُ، فإنَّ الكثير والكثير من هذه السلوكيات سيزول تلقائيًّا دون الحاجة إلى وضع خطط علاجية، فإنَّ الإيمان هو دافع ذاتي إلى فعل الخيرات وترك المنكرات".
قال أحمد: صَدَقَ مَن قال: العلم نور، في الحقيقة كلَّما تُضَخُّ إلَيَّ هذه المعلومات، أشعر بمنتهى الفخر والرقىِّ، بل والحب لكلِّ شعيرة من شعائر الإسلام، ولكني أريدُ أن أبث لك أمرًا: في بعض الأحيان، وبالرَّغم من وجود هذه القُوى الفَعَّالة لمواجهة التحديات، وبالرَّغْم من الوُضوح الذي يُحيط بكل جزئيَّات الإسلام، أحيانًا يشعر الإنسان بالعجز، والعجز القاتل، كمريض بيده الدَّواء، ويعجز عن تناوله، فمثلاً في حديث النبي لَمَّا سأل: ((من أصبح منكم صائمًا؟ ومن أطعم اليومَ مسكينًا؟ ومن عاد مريضًا؟ ومن تبع جنازة؟))، فقال أبو بكر: أنا، فقال : ((ما اجتمعت هذه الخصال قطُّ في رجل، إلاَّ دخل الجنة)).
وأنا أتساءل بدوري: الصَّوم سهل ميسور، والمساكين كُثُر، والمرضى في كل بيت، والجنائز لا تُعَدُّ، وبرغم مَعرفة هذا الفضل أجدُ عجزًا من نفسي في فعل هذه الخيرات وغيرها، تجدني مُستيقظًا في اللَّيل إلى آخره، وعندي نشاط، ولا أقوم لأصلي، شعور قاتل بالعجز، أليس كذلك؟
قلت: إذا العجز لم يقتل، فما الذي يقتُل؟ ولكن ما رأيك أنْ تنفقَ هذه الدَّقائق في قراءة القرآن، وغدًا إن شاء الله نخرج من العجز إلى الإرادة والعمل، ارتحلنا مع القرآن، صلينا مع إمامنا، وانصرفنا إلى بيوتنا داعين ربَّنا: "اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل".
لمحة الإفراط في الإحساس بالعجز ينشأ عنه التفريط في إزالة العجز
د/ محمد إسماعيل المقدم حفظه الله