الفصل السابع
من أجل عبد حقيقي
الشمس تنتصف السماء فوق رؤوس مَن تَبِعَ جنازة أخينا المتوفَّى ليلة أمس، الكلُّ يقفُ في خضوعٍ، كأن على رؤوسهم الطير، يبذلون الدُّعاء بالتثبيت عند السؤال، وبعد مرور ذبحِ شاة وتوزيعها بدأ الناسُ يَخرجون شيئًا فشيئًا، وأخونا في قبره سمع قرعَ نعالِنا، انتهينا إلى خارج المقابر، وكأنَّ أهلها ينادون: لا تنسونا من صالح دعائكم، تأبَّطت يد أحمد، فبادرني: كانت جنازة مهيبة؟ أجبته: نعم، لقد ذكرتني بمقالة محمد بن عبدالمنكدر - رحمه الله -:
لقد أدركتُ أقوامًا في الجنائز كلُّهم متوشِّح ثوبَه يَبكي، فلا تدري من تُعزِّي، وكلهم لا يعرف الميت يبكون على أنفسهم، قال: سبحان الله! قلوب نقية، قلت: إنَّها العبودية الحقيقيَّة - يا أحمد - في كل درب من دروب الحياة، علم القومُ ما خلقوا له، فبادروا أنفسَهم بالأعمال، فكانوا عبادًا حقيقيِّين لا صورًا... قال: وهل هناك عبد حقيقي، وآخر صورة عبد؟ قلت: نعم، هناك عبدٌ على مُراد نفسه، يكتفي من العبادة بصورتها، فأصبح عبدًا صورة، وعبدٌ على مُراد الله، ممدوح بكل لسان، وفي أي زمان، بل إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - إذا امتدح أحدًا في خُلُقه، وَصَفه بالعبودية، كقوله - تعالى - عن نبيه داود - عليه السَّلام -: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]، وعن سليمان - عليه السَّلام -: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30].
كما وصف رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصفة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]، معنى ذلك - يا أحمد - أنَّ العبودية هي الصفة التي يُحب الله - عزَّ وجلَّ - أن تتمثَّل في عباده، قال أحمد: فما هي إذًا العبادة أو العبودية؟ قلت: العبادة في اللغة هي الطَّاعة، وهي أيضًا كمالُ الحب، مع كمال الذُّل، وكمال الانقياد.
وكلٌّ من المعنَيَيْن لا بُدَّ منه؛ حتى يصحَّ معنى العبادة، وإلاَّ أصبحت صورة، ولم تصح ولم تقبل، فإذا كان الإنسانُ مُحبًّا دون طاعة أو انقياد، أو دون أن يرى نفسه خاضعًا ذليلاً، فمثل هذا لا يكون بذلك عبدًا، وقد عرف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بأنَّها اسمٌ جامع لكل ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، ويفهم من هذا - يا أخي - أن هذا يشمل كلَّ فعل يُحبُّه الله، وترك ما يبغضه قولاً وفعلاً ظاهرًا وباطنًا.
فالعبادات إذًا منظومة متكاملة، ولكي تؤدي هذه العبادة دورها في إصلاح الحياة لا بُدَّ من حضور القلب وتفاعُله معها، قاطعني أحمد: هل معنى ذلك أنَّ هناك عبادات للجوارح وعبادات للقلوب؟
أجبته: نعم، يا أحمد، وهنا يكمُن الفارق بين العبد وصورته، "فالعبادة التي نُؤديها بالجوارح ما هي إلاَّ شكل ووعاء يتم من خلاله إظهارُ العبودية لله - عزَّ وجلَّ - من ذل، وانكسار، وافتقار، وحب، وخوف، ورجاء، وخضوع، واستكانة، فالزَّكاة التي طالبنا الله بها تظهر مدى حبِّنا لله - عزَّ وجلَّ - ومدى انتصار هذا الحب على حبِّ المال، الذي تعشقه النَّفس، والصَّلاة تظهر التواضع والانكسار والخضوع له – سبحانه - أمَّا الحج فيظهر مدى استسلامنا وانقيادنا لأمره جل وعلا".
واعلم - يا أحمد - أنَّ "مجرد القيام بأعمال الجوارح من غير حضور ولا مراقبة ولا إقبال على الله قليل المنفعة دُنيا وأخرى"، معنى هذا - يا أخي - أنَّ عمل القلب مقدم على عمل الجارحة، لكن تحقيق الكمال في كليهما مطلوب، ولكن الخلل الذي يعترينا هو تهميش العبادات القلبيَّة، وجعلها فرعًا، وهي أصل أصيل.
قال أحمد: لا بُدَّ أن نطوفَ في رياض العبادات القلبيَّة، فنشم عبيرها، ونتعرَّف على زهورها، ونجني ثمارها؟ قلت: كم أنا محتاج لهذا والله يا أحمد! فلْنَنطلق في ربوع هذه الرياض، هيا يا أحمد، أعطني قلبك، ابتسم أحمد ابتسامة رقيقة، ثم قال: ها هو على مصراعيه.
الحب هو الحب:
قلت: إنَّ أول عبادة قلبية نتحدث عنها "هي الحياةُ التي من حرمها، فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده، فهو في بحار الظُّلمات، والشِّفاء الذي من عدمه، حَلَّت بقلبه جميعُ الأسقام، واللَّذة التي من لم يظفر بها، فعيشُه كله هموم وآلام، فهي روحُ الإيمان والأعمال" عن مَحبة الله نتحدث يا أخي، ولك أنْ تعلمَ - يا حبيبي - "أنَّ المحبةَ لا توصف ولا تُعَّرف، إنَّما يعرفها من وجدها وذاقها، وهذا لأن كلمة الحب أصلاً لا تَحتاج لشرح، فالحب هو الحب، وهو أمر يَجده الإنسان في قلبه، فيعرفه ويعرف معناه".
فالمحب - يا أخي - عبد مُتصل بربِّه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، فإذا تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله، ولله، ومع الله، ما أطيبَ حياةَ هذا العبد الذي همه كله في الله، وحبه كله له، وشوقه إليه، وقصده له، وأفكاره تحوم على مَحابِّه ومَرَاضِيه، يرجو لقاءَ ربِّه، فعلم به مولاه فناداه: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: 5]، وفي هذا تعزية للمشتاقين، معناه: أنِّي أعلم أنَّ اشتياقكم إليَّ غالب، وأنا أجَّلْت للقائكم أَجَلاً، وعن قريب يكون وصولكم إليَّ".
قال أحمد: هنيئًا له هذا المحب الصادق، ولكنَّ المُدَّعين كثيرٌ، فهل هناك علاماتٌ يطمئنُّ بها المحب على صدق حُبِّه؛ أعني: علامات لحب العبد لربِّه؟ أجبته: نعم، يا أحمد… لما كانت المحبة خفية في القلب سهل أن يدعيها كلُّ أحد؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: 18]، فما أسهل الدعوى! وأعز الحقيقة! فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان، وخداع النفس إذا ادَّعت نفسُه مَحبة الله ما لم يَمتحنها بالعلامات، ويطالبها بالبراهين، ومن هذه العلامات كما استبان لنا من حال المحب حب لقاء الله – تعالى - فإنَّه لا يتصور أن يحب القلب محبوبًا إلاَّ ويُحب لقاءه ومشاهدته، فقال: سيد المحبين - صلَّى الله عليه وسلم -: ((من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه))، فالمحب الصادق يذكر محبوبه دائمًا والموعد الذي بينهما للقاء.
ولما ادَّعى قومٌ مَحبة الله، ابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، فمن علامات حب الله "أن يتبع هذا المحبُّ الرسول فالذي يقول: أحبُّ الله، وهو يبتدع البدع، ويُخالف السنة - غيرُ صادق في دعواه، فالذي يُحب الله حقًّا يتبع الرسول فيبحث عن سنته، ويتبعها ظاهرًا وباطنًا في الهيئة والأخلاق، والعبادة والسلوك، وفي كل أمره، فالحبُّ إن توافقه في كل خصاله … وإلاَّ…".
وهذا المحب - يا أحمد - من أمارته أنْ يأنس بعبادة ربِّه - جل وعلا - فيواظب على التهجُّد، ويغتنم هدوء الليل؛ ليخلو بحبيبه - سبحانه وتعالى - فمن كان النوم والاشتغال بكلام الناس ألذَّ عنده من مناجاة الليل، فكيف تصحُّ مَحبته، ومن شيم هذا المحب أيضًا أنه لا يَرى لنفسِه فضلاً، ويستقل في حق محبوبه جميعَ أعماله، ولا يراها شيئًا، فلا يراها قطُّ إلاَّ بعين النَّقص، ويرى شأن محبوبه أعظمَ من كلِّ ما عمل من أجله وأعلى قدرًا، فلا يرضى بعمله، بل يخشى أنه ما وفَّى حقَّ محبوبه، بل ويتوب إليه من النقص.
ليس الشأن أن تحب:
قال أحمد: هذه علامات واضحة تُطمئن العبد على أنَّه في الطَّريق الصحيح لحب ربِّه، فهل من علامات تدُلُّ على حب الله للعبد؟ أجبته: أحسنت - يا أحمد - فليس الشأن أن تُحِب، إنَّما الشأن أن تُحَبَّ، فإذا أحبَّ الله هذا العبد، فيا لها من سَعادة غامرة، إنَّ هذا العبد المحبوب المحب أُولِيَ علاماتِ حب الله له أنَّه موفَّق، أموره مُيسرة، له قَبول في الأرض، تَميل له القلوبُ، وتُثني عليه الألسن، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إنَّ الله إذا أحب عبدًا، نادى: يا جبريل، إنِّي أحب فلانًا فأحبه، فيُحبه جبريل، ثُم ينادي جبريل في أهل السماء: إنَّ اللهَ يُحب فلانًا فأحبوه، فيُحبه أهل السماء، ثم يوضع له القَبول في الأرض)).
وتخيل يا أحمد أنَّ مِن علامات حب الله للعبد أنْ يبتليَه، وفي الحديث أنَّ النبي قال: ((إنَّ عظمَ الجزاء من عظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحب قومًا، ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط، فعليه السخط"، فيبتليهم بأنواع البلاء؛ ليطهرَهم من الذنوب، ويفرغ قلوبهم من الشغل بالدُّنيا غيرة منه عليهم، نعم يَغَار - سبحانه - أن يشتغل العبد الذي يُحبه بغيره، وهذا الابتلاء على قدر الإيمان؛ لذا كان أشد الناس بلاءً الأنبياء، فيبتليه محبة وإحسانًا، ثم إذا قدر عليه الموت، أماته على عمل صالح أمارة منه على حبه لهم، كما جاء في الحديث: ((إذا أحب الله عبدًا عَسَلَه))، قالوا: وما عسله؟ قال: ((يُوفِّق له عملاً صالحًا بين يدي أجله، حتى يرضى عنه جيرانه ومن حوله))، فيرى هذا العبد المحبوب المحب هذه العلامات، فلا تزيده لربِّه إلاَّ حبًّا وقربًا؛ ليحيا حياة لم يحلم بها هو، ولا أحد من العالمين، إلاَّ المحبين، قال أحمد بعين كلها الحب: وهل هناك عبادات أخرى تشترك مع الحب في القلب، نستطيع أن نَشمَّ عبيرها، كما تعطرنا بالحب؟ قلت: نعم، يا أخي، إنَّ أعمالَ القلوب فواحةُ الشَّذا، وهي مُتوفرة حتى يَمتلأ القلب وينصلح... وبعد التراويح - إن شاء الله - نستعرض عبادة أخرى من عبادات القلوب، أراك بخير، السلام عليكم أيها المحب.
*****
إلهي وسيدي
حُرِمْتُ مُنَايَ مِنْكَ إِنْ كُنْتُ كَاذِبًا وَإِنْ كُنْتُ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِكَ أَفْرَحُ
وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ فِي الْوُجُودِ سِوَاكُمُ يُقَرِّبُهُ الْقَلْبُ الْجَرِيحُ يُفَرِّحُ
إِذَا لَعِبَتْ أَيْدِي الْهَوَى بِمُحَبِّكُمْ فَلَيْسَ لَهُ عَنْ بَابِكُمْ مُتَزَحْزَحُ
وَإِنْ أَدْرَكَتْهُ غُرْبَةٌ عَنْ دِيَارِكُمْ فَحُبُّكُمُ بَيْنَ الْحَشَا لَيْسَ يَبْرَحُ
هَوَى غَيْرِكُمْ نَارٌ تَلَظَّى وَمَحْبَسٌ وَحُبُّكُمُ الْفِرْدَوْسُ بَلْ هُوَ أَفْسَحُ
فَيَا ضَيْمَ قَلْبٍ قَدْ تَعَلَّقَ غَيْرَكُمْ وَيَا رَحْمَةً مِمَّا يَجُولُ وَيَبْرَحُ
قال : ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنازل، ألاَ إنَّ سلعةَ الله غالية، ألاَ إنَّ سلعة الله الجنة)).