الفصل السادس

8 0 00

الفصل السادس

بريق الهدف

اضطراب وصخب يشقُّ سكون المصلين في سُجُودهم في الركعة الرابعة من صلاة التراويح، سلَّم الإمام واندفعت جموعٌ من المصلين نحو مصدر الصَّوت، سبحان الله! إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، لا إلهَ إلا الله، كلمات ردَّدها بعضُ الناس، ما الخبر؟ قالوا: شابٌّ من إخواننا سقط ميتًا وهو يُصلي، تساءلنا: كم عمره؟ أجابونا: 25سنة، الله أكبر لعله كان مريضًا؟ جاء النفي، بل كان رياضيًّا مفتولَ العضلات، لم يشتكِ من عِلَّةً يومًا من الأيام، إنَّه موت الفجأة إذًا.

وتذكر بعضُ المصلين أحبابَهم الذين تَخطَّفهم الموت وهم شباب أصحاء، وتذكر بعضُهم كثيرًا من اللاَّعبين الذين ماتوا في ملاعِبِهم دون نذير من مرض أو شيب، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، جاءت سيارة الإسعاف حملت أخانا - رحمه الله - وانصرفت، عاد السكون إلى المصلين لا يقطعه إلاَّ هَمهمة مُستغفر أو دَعوة بحسن الخاتمة، قُمنا إلى الصلاة ولأول مرة يشعر المرء بشعور "صَلِّ صلاةَ مُودع".

فالجميعُ يستحضر أنَّ مَلَكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وكان من الممكن أن يتخطى غيرنا إلينا، تَمَّتِ الصلاة في وجل، وأعلن الإمامُ أن جنازة هذا الأخ غدًا بعد صلاة الظهر من نفس المسجد، تواعد المصلون على حضور الجنازة، وانصرفوا بين مشفق على الميت ومُشفق على نفسه، نظرت إلى يَميني فوجدت أحمدَ مُطَأْطَأً رأسُه، هَمَمْتُ أنْ أترُكه في تأمُّلاته ودعواته، لكنه رفع رأسه قائلاً: اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، ترى هل من الممكن أنْ نُوفَّق إلى ميتة جميلة كهذه، وتخرج أرواحُنا بين ركوعٍ وسجود في قيام اللَّيل في العشر الأواخر من رمضان، مُمكن؟

قلت: "وقد اعتراني من الأمل في حسن الخاتمة مثلما اعتراه" آمين نرجو ذلك من ربِّنا يا أحمد؛ إنَّ الله لا يُضِيعُ أجر مَن أحسن عملاً - المهم - أن نعيش لأجل غاية ونعمل على تحقيقها، ألم تَرَ إلى حَرَامِ بْنِ مِلْحَانِ  يومَ طعنه جَبَّار بن سَلْمَى بحربة بين كتفيه، فخرجت رأسُها بين ثديَيْه، فتناثر الدم على وجهه، وأوَّل كلمة نطق بها: فُزت وربِّ الكعبة، نعم، لقد أعلن فوزَه رغم فراقه للحياة، كأنَّما عاين تحقيقَ هدفِه الذي عاش من أجله، فلما تراءى له، فكأنه وصل إلى مُنتهاه، وحقق مسعاه، فضاع ألَم الموت أمام لَذَّة تحقيق الهدف الأسمى الذي هو رضا الله - سبحانه وتعالى.

قال أحمد: هكذا يَجب أن نعيش، ولكن هل لك أنْ تحدثني تفصيليًّا عن الهدف ومضمونه وعلاماته ومعناه؟ قلت: بالطبع يا حبيبي، فالهدفُ هو الغاية التي يُحدِّدها الإنسان - أي إنسان - لسعيه بعد بَحث وتأمُّل، فيُسَخِّر كُلَّ مُتاحٍ من إمكانيَّات ووقت ومَهارة لتحقيقه، قال أحمد: ماذا تقصدُ بأي إنسان؟ هل يشترك غيرُ المسلم مع المسلم في نجاح الهدف أو إخفاقه؟

أجبته: أحسنت يا أحمد، وأشكرك لدقة الملاحظة، نعم، أي إنسان إذا حدَّد لنفسه أهدافًا واضحة، وسخر إمكانيته ووقته وجهده من أجلها، فإنَّه ينالها، إنَّها السنن الثابتة التي لا تُحابي أحدًا، فكل من يَجتهد سيكون له جزاء اجتهاده وسعيه، وهذا في نطاق الأهداف التي تَخص شؤون الدُّنيا، أمَّا كل هدف يَخص الآخرة، فهو انفراد للمسلم، "وقد قام أحدُ الباحثين في إحدى الجامعات الأمريكيَّة بإجراء استفتاء لخريجي الجامعة، عام (1953)، وكان السُّؤال الذي وجهه إليهم هو "هل لك أهداف مُحدَّدة ومكتوبة"، وكانت النَّتيجة أن (3%) فقط من هؤلاء الخريجين وضعوا لهم أهدافًا محددة ومكتوبة عمَّا يريدون القيام به في حياتهم.

وبعد عشرين سنة من ذلك التاريخ؛ أي: في عام (1973) رجع إليهم صاحبُ البحث؛ ليستطلع أحوالهم، فوجد أن هؤلاء (3%) حققوا نجاحًا في وظائفهم وأعمالهم أكثر مما حققه (97%) الآخرون مجتمعين".

كما يذكر أن كثيرًا من المشاهير في دُنيا الناس اليوم من غير المسلمين بدؤوا حياتهم بمعطيات صفرية، ولكنَّهم صحبوا معهم أهدافَهم، فكان لهم

ما أرادوا، فمثلاً "ماردونا" لاعب الكرة الأرجنتيني أعلن وعمره 9 سنوات أنَّ هدفه أن يُحقق كأسَ العالم مع الأرجنتين، وأنْ أصبح أحسن لاعب، وقد كان، و"بيل كلينتون" الرئيس الأمريكي السابق أعلن وهو صغير فقير أنَّه يريد أن يكون رئيسًا لأمريكا، وقد كان.

"بيل جيتس" مؤسس شركة مايكروسوفت العالمية أعلن وعمره (20 سنة) في السنة الثانية في جامعة هارفاد أنه سيصبح مليونيرًا عندما يصل إلى الثلاثين من عمره … وقد كان".

نعم يا أحمد، لك أن تتعجب أنَّ هؤلاء الناس ليسوا من المسلمين،

ولكنَّهم حملوا أهدافًا سعوا في تنفيذها، فكان لهم ما أرادوا، ولكن من المهم جدًّا أن نعلم أن الله قد خفف عن المسلمين، خفَّف عنَّا مشقة التحديد، وأمرنا بالتحقيق، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، فكان من جملة الأهداف الموت على الإسلام وسبيل تحقيق تقوى الله - سبحانه وتعالى.

قال أحمد: وكأنَّك تقول: إنه لا إنجازات دون وجود أهداف؟ فأجبته: نعم يا أخي، فماذا سينجز الإنسان إن لم يكن هناك هدف لينجزه، وهذا على الصَّعيدين صعيد الحياة الدنيا والآخرة، فوجود الهدف هو العامل المشترك بين الناجحين على اختلاف توجهاتهم، بل إنَّ وجودَ الهدف وتحديده على نحو جيد يعطينا الكثير من التركيز وعدم التشتت والثَّبات، وهو بِمَثابة المحرض على الاستمرار في الحياة، وفي حالة غياب الهدف ينتج عن هذا التشتت والعشوائية التي تعج بها الحياة.

قال أحمد: وكأنَّ الحياة ليس لها معنى من دون الهدف الذي ينير الدنيا؟ فلماذا نعيش بلا أهداف؟ فأجبته: نعم يا أحمد، إنَّ أولَ هذه الأسباب النَّظر عند مواقع الأقدام، وعدم التفكير في المستقبل، وأين أنا غدًا؟ ثم النَّظر إلى الذَّات بعين الاحتقار والرُّؤية التشاؤمية للواقع والمستقبل ومبدأ (لا فائدة) مع طول الأمل واللامبالاة، أضف إلى ذلك الدونية والرِّضا بتوافه الأمور، هذه أعظم الأسباب التي تحول بيننا وبين تهديف الحياة.

قال أحمد: أريد منك أن تطرح عليَّ صورة عملية لوضع الأهداف مهما كان دنيويًّا وأخرويًّا، أجبته: "خمسة أسئلة هي بمثابة بلورة لتحديد ما نَحتاج إليه من أهداف...".

** أين أنا الوضع الراهن.

** ماذا أريد الهدف

** متى أبدأ المدة الزمنية (لقتل التسويف).

**كيف أنجز؟ وسائل النجاح في مواجهة التحديات.

فالإجابة عن هذه الأسئلة توضح ملامح أهدافك مع مُراعاة مُلاحظة مهمَّة جدًّا أنَّ الأهداف كلها ليست بمكانة واحدة، بل هناك درجات مُتباينة للأهداف، فيتعرف صاحبُ الهدف على أولويَّاته وبما يبدأ، فلا يقدِّم ما من حقِّه التأخير، ولا يُؤخِّر ما من حقه التقديم، كما يَجب على صاحب الهدف أنْ يتعرف على خير الخير وشر الشر.

فهناك أهداف سامية كبرى هي أعظم أهداف في الحياة وأهداف متوسطة أو مرحلية تخدم الهدف الأكبر، وأخرى جزئية فرعية، وهي عبارة عن تقسيم الأهداف الكبرى، وتتميَّز بأنَّها تفصيلية، وقتها صغير ويسهل إنجازها، كما يَجب أن نتعلم أن نخطط لأهدافنا على الأوراق قبل صياغتها عمليًّا، وفائدة هذا يا أحمد، "أنَّ الخطأ على الأوراق أهون بما فيه من الخطأ في الواقع".

قال أحمد: أظنُّ أن الطبيعي أن نَجد عوائقَ على طريق تحقيق أهدافنا، فما هذه العوائق والعقبات؟

أخطار حول الهدف

لا بُدَّ أن نعلم أولاً - يا أحمد - أنَّ المسلم الغاية عنده لا تبرر الوسيلة، فالهدف حميد، والوسيلة مَحمودة، وأمَّا عن الأخطار والعقبات التي تحيط بنا أو تصيبنا أثناء تحقيق أهدافنا، فمنها ما يخرج الهدف عن إطاره، ومنها ما يُوهن الهدف ويعرقله، ومن هذه العقبات، بل إنْ شئت فقل: من أخطرها جعل الوسائل أهدافًا، فنتعامل مع الوسيلة على أنَّها هدف منشود، فمثلاً الجهاد في سبيل الله من الخطأ البالغ جعله على أنَّه هدف لذاته، بل هو هدف مرحلي، ووسيلة لتحقيق رضا الله - سبحانه وتعالى - وكذلك لذة الإيمان ليست هي الهدف، إنَّما الهدف رضا الله، وحصول اللَّذة تَبَعٌ، وليست هي الأصل، والمسلم يوجه جميعَ مناشطه نحو هذه الغاية العُظمى؛ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162 - 163].

وثاني هذه العقبات التي تعترض أهدافنا عدمُ إدارة الوقت، وترك الأمر حسب الظُّروف، وهذا من الخطر بمكان، "بل مُمكن لنا أنْ نقولَ بأن ليس هناك ناجحون في الحياة على نَحو ظاهر لا يَهتمون بأوقاتِهم، وكيف للمَرءِ أن ينجحَ في تحقيق أهدافه، وهو لا يستغل أهمَّ مورد يُمكن الاستفادة منه في تحقيق النَّجاح، وقد أقسم الله - عزَّ وجلَّ - بالليل، والنهار، والضُّحى، والعصر، والفجر؛ تذكيرًا للناس بنعمة الزمن، وتبيانًا لقيمته العظيمة، وها هو ابن مسعود  يُترجم لهذا المعنى قائلاً: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد عملي".

إنَّ المشكلةَ الكبرى أنَّ الوقتَ لا يُدار، وهو - كما قالوا قديمًا - لا ينتظر أحدًا، فإدارة الوقت إذًا ليسَ أن نعملَ بجهد أكبر، بل أنْ نعملَ بذكاءٍ أكثر؛ لتحصيل أهداف أعلى".

وتكمُن عقبة أخرى على طريق تَحقيق أهدافنا من قناعة خاطئة عند البعض بمُسلَّمات باهتة، مثل: "أنا ضعيف - لا فائدة - سيبقي الأمر على ما هو عليه... إلخ"، وهي توصيف سلبي للواقع، بل من الواجب لصاحبِ الهدف أن يكون إيجابيًّا تُجاه كل معلم من معالم الحياة، وهناك ضابط مُحكم في مسألة الهدف، وجب علينا أن نعلمه، ألاَ وهو أن وضع الهدف سعيٌ، وتحقيقُ الهدفِ توفيقٌ؛ ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88].

وكأنَّ للحياة شكلاً آخر؛ قال أحمد متفائلاً: أظنُّ أنَّ شكلَ الحياة سيتغيَّر إلى خلاف ما نراه بعد تهديفها؟ أجبته: نعم، فمن كانت حياته سوداء ستتحول إلى بيضاء، ومن كانت أيامه بيضاء، ستصبح ناصعة البياض، بل الأجمل أنَّ العمرَ نفسه ستتغير مقاييسه، فعدَّاد العُمر الموجود الآن يَعُدُّ الساعات والشُّهور والأعوام، ففلان ما زال في الثلاثين، وفلان عاش تسعين، وهكذا العدَّاد يشكل شكل الحياة، لا روحها، ولا مضمونها، ولا قيمها.

أمَّا العدَّاد بعد وجود الأهداف وتحقيقها يَجب أن يعد الأعمال والمنجزات، إن الحياة الطويلة ليست بالضرورة هي الحياة الجيدة، والحياة القصيرة ليست بالضرورة هي الحياة التي تستحق العويل والرثاء.

وقد رأينا أنَّ كثيرًا من علماء المسلمين ممن لم يعمِّر من حيث طول العمر، إلاَّ سنوات معدودة، فالإمامُ النووي مثلاً ملأ الدُّنيا علمًا مُقارنة بعمره، لكن عمره كان عريضًا بمعنى أنَّه كان مليئًا بالإنجازات، ومات في الخامسة والأربعين من عمره، ومن المعاصرين الشيخ/ حسن البنا - رحمه الله - توفي عن عمرٍ لا يتجاوز الثلاثَ والأربعين سنة، لا يتوازي بأي حال من الأحوال مع ما قام به من إصلاح في المجتمع.

فما يستحق الاهتمام إذًا، بل والاغتباط أيضًا ليس طول العمر، ولكن خيرية الأهداف والأعمال التي ننجزها فيه، إنَّ مَلْأَنا لحياتنا بالأعمال التي تنفعنا في الدُّنيا، ونجد آثارها في الآخرة هو الذي يَجعل حياتنا تطول وتطول، إنَّها تطولُ بالسَّعادة التي يتركها تحقيقُ الهدف في نفوسنا، وتطول بالأجر الذي ننتظره من الله - جلَّ وعلا - يوم لا ينفع مال ولا بنون.

وكلُّ هذه المعاني - يا أحمد - تدفعُنا إلى مسح الحزن على موت أخينا، أو بالأحرى تغيير النَّظرة لموته - رحمه الله - فبدلاً من نظرة أنَّه لم يتجاوز الثلاثين، ويا ضيعة عمره إلى توجيه النَّظر إلى ما وُفِّقَ إليه من إنجاز الميتة الحسنة، فلعلَّ عمره

ليس من النوع الطويل، لكنَّه - إن شاء الله - من النَّوع العريض؛ قال أحمد: صحيح، لا بُدَّ أن نعيدَ توجيه أهدافنا، والعمل على تحقيقِها، ولا نترك الدُّنيا - إن شاء الله - إلاَّ وأهدافنا مراميها محقَّقة، ولكنَّ السؤالَ: هل نكتفي في طريقنا للهدف الأسمى "رضا الله - سبحانه" بما نتعبَّد به لله من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ، أم إنَّ هناك عبادات غيرها تساعد على تَحقيق أسمى أمانينا وأعلى أهدافنا؟ أجبته: لا شَكَّ - يا أحمد - أنَّ ما ذكرته من عبادات هي من أركان الإسلام، ولكن مفهوم العبادات أوسع وأشمل، فما رأيُك لو تقابلنا غدًا في الجنازة - إنْ شاء الله - فنتحدث عن ذلك؟ هل ستأتي؟ قال: نعم، ولا شك، وبالله عليك لا تنسي الدُّعاء لأخينا بالمغفرة والرحمة، أراك غدًا إن شاء الله.

السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أجبته: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

العبد وصورته

سُئل أحد الحكماء: ما الفرق بين الأسد وصورته؟

أجاب: هو الفرق بين الأصل والصورة.

فلا فاعلية لصورة الأسد، ولا أحد يخاف منها، ومثلها لا فاعلية لصورة العبد، وإنَّما الفاعلية للعبد الحقيقي...