الفصل الأول
لم تعرف كم الوقت مرة عليها وهى تسير بلا هدف في الشارع ..كالثملة وما هى بثملة تذرف الدموع على ظلم
اقرب الناس اليها ، تترنح فى مشيتها ممسكة بيدها حقيبة ملابسها ،ينظر الناس اليها بنظرات الاستغراب
والتسأؤل. فتاة فى مقتبل العمر اشبعتها الدنيا ضربا يكفى جميع اليشر ويزيد ، لم تستطيع السير اكثر من ذلك ،
لا تؤلمها قديمها بقدر ما تؤلمها نفسها و روحها التى لم يرحمها احد من البشر ، جلست على احد المقاعد
المصنوعة من الاسمنت تبكى بحرقة لا تعرف بمن تلجأ فلجات إلى مولاها ومولى البشر .
" يا رب تعلم انى مظلومة ظلمنى عبادك ولم يرحمنى احد منهم لا يوجد لدى احد سواك يا الله ارحمنى يا رب،
اللهم اعنى على مصيبتى واخلفنى خيرا منها ،ان لله وانا اليه راجعوان " هدأت قليلا ومع ذلك لم تكف عن
البكاء.
"تتذكر بحرقة بالذى تسبب لها التشرد فى هذا الوقت من الليل"
-علا صوتها .. انت مبتزهأش اتفضل اطلع بره كفاية بقى حرام عليك انا تعبت منك يا اخى اتقى ربنا فيا
- كانت نظراته تنم عن الشر .. لا مش بزهق على فكرة .. فتابع فى خبث .. انتى عارفة كويس انك عجبانى
وانا عايزك وبلاش الشويتين بتوعك دول بقولك ايه ما تيجى اقولك كلمتين فى اوضتك
- ردت فى غضب احترم نفسك انا بكرهك فاهم بكرهك
- كانه لم يسمع منها شيئا .. خلاص بلاش اوضتك تعالى اوضتى واهى ولا ماما والحاج موجودين ولا حتى
البيه اخويا موجود ..تعالى نعيش يومين حلوين يا بنت الناس
- صفعته على وجهه بصوت اقرب الى الغضب ..اطلع بره مش عايزة اشوف وشك تانى بررررره
- وضع يده على مكان الصفعة .... بقى كدا يا سمران طيب الحساب تقل اوى معايا وحسابك معايا بعدين
افاقت من سرحانها على صوت رجل عجوز يكاد يقترب من عمر جدها
- مالك يا بنتى ايه الى مقعدك لوقت متاخر و لوحدك فى مكان زى ده مفيش فيه صريخ بن يومين
- نظرت اليه فى خوف ومدت يدها لتمسح دموعها بظهر يدها ... انـ انا اسفة ، تركته فى حيرته
فنهضت من مقعدها تسحب حقيبها بضعف حتى خارت قواها فسقط مغشيا عليها .
- لا حول ولا قوة الا بالله
نائمة على الفراش غائبة عن الوعى ، تمنت لو ظلت كذلك ، بدأت تفتح عينيها ببطئ تحرك رأسها بين اليمين
واليسار محدثة انين
- ممم ممم انا فين
- اهدى يا بنتى الحمد لله انك بخير
- توسعت عينيها على اخرها انتم ين وايه ال جابنى هنا انا انا لازم امشى من هنا ازاحت الغطاء ونزلت من
السرير واخذت حقيبتها متجهه الى بابا الغرفة
- اهدى يا بنتى مينفعش تروحى وانتى بالحالة دى انتى ليه مريضة
لم ترد عليه فاعترضت الطريق دون الوصول الى باب الشقه فتاه تقريبا من عمرها تصغرها او تكبرها بعامين
حاملة صنية عليها طعام وكوب من الماء
- انتى ايه ال قومك من السرير انتى لسه تعبانه
- انا بجد اسفة مينفعش اكون هنا بعد اذنك
- رد الرجل العجوز والله يا نجوى يا بنتى انا غلبت معاها اتصرفى انتى بقى معاها ،فتركهم الرجل العجوز
لياخذوا راحتهم فى الحديث
- وضعت نجوى الصنية على اقرب طاولة متجهه اليها لاقناعها بالمكوث حتى تفوق من اعيائها ....
يا انسة استنى ممكن تسمعينى بس لو معجبكيش كلامى ممكن تقدرى تمشى اتفقنا؟ .. نظرت اليه مستفهمة
فاومأت رأسها بالقبول.
- بصى يا انسة الاول كدا من غير لف ودوران انا وجدى عايشيين هنا لوحدنا والراجل العجوز دا هو الى ربنا
مااهلى ماتوا الله يرحمهم وبصراحة جدى حكالى لما شاف كفى الشارع وكانت حالتك وحشة اوى كنت تصعبى
على الكافر ولما اغمى عليكى ولاد الحلال جابوا على هنا لان جدى كان معاهم ... انا معرفش حكاية ايه ومش
عايزة اعرف ... كل الى عايزة انك تبقى كويسة ولما صحتك تتحن تقدرى تمشى فى الوقت الى يريحك
ها قولتى ايه؟
- نظرت اليه تعيد كلام تلك الفتاة فى رأسها أيعقل ان يكون هناك بشر مازالت فى قلبهم الرحمة والطيبة ؟
أصبح البشر كالوحوش لا يهمهم غيرهم كل فرد يبحث عن مصلحته حتى لو داس على عنق اخيه فى سبيل
تحقيق مصلحته . ردت عليها سمران فى وهن .. انتى بتعملى معايا كدا ليه ؟
-ردت نجوى فى استغراب : مش فاهمة تقصدى ايه ؟
- سمران بحزن :يعنى خليتينى ضيفة فى بيتك مع انك متعرفنيش ولا حتى اتكلمت معاكى مش يمكن يكون ورايا مصيبة
-نجوى بندهاش : انتى ليه بتقولى كدا مصيبة ايه ؟
-نظرت اليها سمران فى الم فلم تستطيع الاجابة
- نجوى :على العموم لو مش عايزة تجاوبى على سؤالى دا براحتك دى حياتك الشخصية ولو حبيتى تتكلمى معايا انا
سمعاكى.... بس انا هجاوبك على كل اسألتك .... بصى يا ستى اولا مش انا الى جبتك هنا دا جدى الى جابك
تعرفى ان جدى يقدر يحس ان ان الشخص الى قدامه دا كويس ولا وحش من نظره واحدة ..... فطالما ان
جدى ساعدك يبقى انتى شخص كويس ونضي من جوه ومرضاش ان بنت جحالتها وحشه قاعدة فى الشارع
لحد 12 بالليل وميساعدهاش ...... ها قولتى ايه
- تنهدت سمران فنظرت اليها : مش عارفة اقولك ايه ؟
- اخذتها نجوى من يدها متجهه الى الغرفة ذاتها التى مكثت فيها : متقوليش حاجة اتفضلى يالا على السرير والاكل
هيجى لحد عندك زمانك على لحم بطنك من الصبح
-اطرقت سمران رأسها فى خجل : حاضر
احضرت لها الصنية ووضعتها امامها على السرير يالا اتفضلى كلى بالهنا اسيبك براحتك وارح اشوف جدى ..
لو عذتى منى حاجة قولى بس يا نجوى فتابعت فى مرح هقولك شبيكى لبيكى نجوى بين اديكى ماشى ؟
-ابتسمت لها ابتسامة ضعيفة فردت سمران بصوت اشبه الى الهمس : اتفضلى
-طرقت نجوى رأسها بكفها : اخ تصدقى نسيت اسالك عن اسمك
- سمران ! اسمى سمران
-نجوى بإبتسامة : الله اسمك جميل اوى يا سمران
- تسلمى يا رب من كل شر
تركتها نجوى فدأت تمد يدها فى وهن لتضع بعض اللقيمات الصغيرة فى فمها ولم تستطيع مضغها فأخذت تبلع
لقمية بعد لقيمة بصعوبة بالغة .
- سألها جدها : ها يا بنتى عملتى مع الضيفة ايه ؟
-نجوى : الحمد لله يا جدو قدرت اقنعها انها تقعد معانا لحد ما تقدر تمشى على رجليها .... دى شكلها غلبانة اوى
وشكلها انها وراها حكاية كبيرة كمان
- الحمد لله يا بنتى انك قدرتى تقنعيها ربنا يسهل لها امرها يا رب شكلها طيبة وعلى نياتها وبنت ناس و مش وش بهدلة ابدا
- انما قولى يا جدو انت عرفت الحجات دى كلها ازاى انها طيبة وبنت ناس ؟
- اشار على رأسه الذى خطه الشيب من سنين : الشعر الأبيض دول مش من خبرة يوم ولا اتنين ولاحتى سنة
دول يا بنتى خبرة سنين الدنيا ياما ضربنتى وشبعت فيا ضرب بس كل مرة بقف فيها على رجلى من غير
مساعدة من حد غير المولى عز وجل لحد ما بقيت الراجل العجوز الى انتى شيفاه قدامك دا انه يقدر يحكم على
الناس من تصرافتهم قبل اشكالهم .
- سيدى يا سيدى انا بحبك اوى يا جدو ربنا يخليك ليا يارب
- و يكرمك يا بنتى فى حياتك ... الكلام خدنا روحى اطمنى عليها شوفيها كلت ولا لسه
- حاضر يا جدو
أطرقت الباب فسمحت لها بالدخول
- ايه دا انتى مكلتيش ليه ؟ على فكرة مينفعش كدا الاكل هنا اجبارى
- ردت عليا بابتسامتها الضعيفة التى اعجبت بخفة ظل تلك الفتاة... انا الحمد لله كلت وشبعت كمان
- اكلتى فين دا لسه الاكل بحالة انا هزعل منك كدا على فكرة
- صدقينى والله اكلت
- على العموم انا مش هتضغط عليكى هسيبك ترتاحى
- ان شاء الله ابقى اشكرى جدك على الى عملوا معايا
- شكر ايه بس انتى زى اختى واعتبريه جد هو كمان اتفقنا ؟
- ان شاء الله
- انا هسيب كوباية الماية دى جمبك عشان لو عطشتى بالليل وانا هنام فى الاوضة الى جمبك على ايديك
الشمال لو احنجتى من حاجة .. تصبحى على خير
- حاضر.. وانتى من اهل الخير .. انسة نجوى لو سمحتى اطفى النور
- ما بلاش انسة نجوى دى احنا تقريبا قد بعض فى السن يا ريت تخليها نجوى بس
- ابتسمت لها .. حاضر يا نجوى
" غطت فى سبات عميق شعرت فيه بالهدوء والامان الذى لم تشهده من قبل منذ تلك اللية المشؤمة التى
عاشتها بكل تفاصيلها والايام التى عاشت فيها بمرارة كمرارة الصبار و لم تنعم فيها بالهدوء والامان منذ
فقد اقرب الناس اليها "