الفصل الثالث
انا كمال اعمل مع ابي في ادارة اعماله بعد ان علمني الجدية المتناهية في العمل واصبح يعتمد علي في كل شيء. الكل يعرفني على أنني الضمير الحي للاسرة ولهذا فالكل يحبني وابادلهم بمثله ولا يمكنني ان ازعج احدهم. انا ثاني الابناء في الاسرة بعد اخي البكر عبد الحميد، ولدي شقيق اصغر مني هو خليفة المدلل، وشقيقة هي مروة المفضلة لدى ابي وامي ويحبها الجميع ايضاً، فمن لا يحب مروة في البيت! وهي التي تلبي طلبات الجميع وتحتفل باعياد ميلادنا ومناسباتنا ولا تنسى مناسبة احد منا ابدا. ويل لكل من يثير غضب مروة او يسبب لها حزنا، عندها لن يرحمه ابي ولا ترحمه امي وفي الحقيقة ولا ارحمه انا ايضا.
اذكر تسلسل الاحداث التي عشتها في الايام الاخيرة وكأنها كابوسا اتمنى لو يوقظني صوت المنبه لأهدأ واعود الى طبيعتي، ولكن للاسف كلما فتحت عيني اشاهد ذات الجدران في ذات الزنزانة في ذات المعتقل.
بدأت معاناتي منذ سافرت الى دبي حيث كوكب زوجة اخي التي كانت السبب في مقتل اختي الحبيبة رحمها الله، وهناك القي القبض علي بتهمة قتل مروة اختي !! ويلي كيف حدث لي هذا وهل حدث لي هذا فعلا؟
لعلمي بتسلسل الاحداث المتسارعة على مدار عدة ايام كنت متاكدا من ان اخي عبد الحميد هو من قتل مروة ؟ ولكني اجد نفسي الآن قابعا في المعتقل اواجه تهمة القتل واي قتل، انها تهمة قتل مروة شقيقتي. لا بد ان في الامر سرا دفينا، لا بد ان خطأ فادحا قد وقع وستنجلي الامور عنه لتبدو الحقيقة.
كنت اساعد الجميع واخدم كل من شعرت انه بحاجة لمساعدتي سواء في البيت او من الاقرباء والمعارف. كنت رجل المهام الصعبة. كان اخوتي في نظري عبارة عن مجموعة من المدللين، واخص بالذكر اخي خليفة الذي لا يفعل شيئا سوى التذمر مني امام ابي وامي.
بدأت حكايتي حين طلب مني اخي عبد الحميد التوجه الى دبي حيث يسكن ويتلقى علومه الجامعية، لانه يريدني في شأن هام، استأذنت ابي بذلك وسافرت الى دبي. ما ان وصلت حتى اكتشفت ان اخي عبد الحميد ينوي الزواج من فتاة اماراتية دون علم الاهل وان يتكتم على زواجه حتى ينهي السنة الدراسية الثانية بنجاح، وعندها سيتم الاعلان عن الزواج رسميا بمباركة اهلي.
لم اكن مقتنعا بنوايا اخي ولا بصواب الخطوة المقدم عليها، لكني اكن له الاحترام فوافقت شريطة ان لا يؤثر ذلك على دارسته، وإلا سأجد نفسي مضطرا لاخبار ابي بالموضوع. في الحقيقة لا الوم اخي على تسرعه لأن عروسه كوكب غاية في الجمال، وهي فتاة تداعب احلام أي شاب، فباركت له زواجه.
لم ادرك التفاعلات الغريبة التي اثارتها عروس اخي في احشائي، لكن جمالها الطاغي وانوثتها المتمردة جعلاني افكر بها باستمرار، لدرجة انني سافرت لزيارة عبد الحميد عدة مرات في دبي فقط لاراها. كيف يمكنني ان اعترف بذلك .. ويحي ؟
بدأت انشط علاقتي بزوجة اخي حين قرأت في تصرفاتها انها غير سعيدة في حياتها المشتركة مع اخي. وكان ذلك خلال زيارة عادية لهما في دبي. فقد لاحظت انها كانت تحوم حولي وفي ذهنها شيء ما تحاول ان تقوله على مسمعي، شيء هام للغاية، ولما استفسرت عما يدور في راسها اجابتني بصراحة بانها غير سعيدة مع اخي، وانها تريد الطلاق منه. بل وذهبت الى ابعد من ذلك فقد طلبت مني ان اخبر اهلي بزواجهما اي افشاء سر زواجهما لعل اهلي يجبرون عبد الحميد على ان يطلقها، وهذا ما ارادته لكي تصل الى الطلاق من اخي دون الحاجة ان تطلبه هي بنفسها وبصورة مباشرة قد تؤدي الى مشاكل ورفض من جانب عبد الحميد.
لا ادري لماذا سررت بهذه المعلومة وتلقفتها فورا بالموافقة وبشعور بنوع السعادة ينبع في داخلي لا اراديا، وفعلا لم اتردد في صنع هذه الخدمة لكوكب، وعند عودتي الى السعودية اخبرت جميع افراد عائلتي بزواج اخي عبد الحميد من كوكب. الصدمة الاكبر كانت من نصيب امي التي بكت كثيرا، وطلبت من ابي ان يستدعي عبد الحميد من دبي فورا.
لكن ابي طلب من الجميع التروي الى ان ينهي عبد الحميد العام الدراسي، وعندها سيتصرف هو بطريقته. وهذا ما لم يعجب امي، التي صرحت بأن لا شيء يهمها حاليا لا دراسة ابنها ولا اي امر آخر سوى ان يطلق اخي زوجته كوكب على الفور، ظنا منها ان هذه الفتاة الروسية ستدمر حياته. هذا الموقف المتشدد اثار عصبية ابي، فأمر بأن لا يتحدث احد مع عبد الحميد في هذا الموضوع.
كان الحزن باديا بوضوح على ملامح مروة التي رغبت بشدة ان تتعرف على عروس اخيها الذي تحبه وتقدره، والذي كان يلبي لها معظم طلباتها، فساستفسرت كثيرا مني عن عروس عبد الحميد وكيف تبدو، وفاجأتها ذات مرة بانها اجمل امرأة رأيتها في حياتي. ثم سكت قليلا ..
ولما سألتني لماذا انا حزين لهذه الدرجة، كشفت لها الحقيقة انني جئت اكشف لاهلي سر زواج عبد الحميد من كوكب نزولا عند رغبة زوجته كوكب وان هذه الفكرة جاءت لتخدمها في سعيها للحصول على الطلاق من عبد الحميد. ابدت مروة رصانة اكبر من سنها وحسن تعامل في مثل هذه المواقف، فنصحتني ان اتوقف عند هذا الحد وان لا افعل في هذا الاتجاه اكثر مما فعلت، وستحاول هي وبطريقتها اقناع امي بقبول العروس بينما سيكون امام كوكب متسعا من الوقت لتتعرف على عبد الحميد اكثر فأكثر وعندها لا بد ان تحبه وبهذا سيتم ترتيب كل الاوراق مرة واحدة إذا اتحنا للايام ان تمر دون افتعال احداث جديدة تعكر صفو حياة الجميع.
نعم .. اقتنعت تماما بكلام اختي مروة، فلا يمكن لاي فتاة ان لا تحب عبد الحميد، اجابة مقنعة جدا، فانا اعرف شقيقي خير المعرفة. واعرف ان كوكب لا بد ستحبه لاحقا .
ابقيت الوضع على ما هو عليه، حتى اقتربت نهاية السنة الدراسية، وكانت امي طوال هذه الفترة عصبية المزاج، وتسالني باستمرار عن عبد الحميد بعد كل زيارة لي لدبي. وكانت تخشى ان يكون عبد الحميد قد انجب من هذه الروسية على حد قولها، وكانت تتنهد بارتياح كلما علمت انه لم ينجب لغاية الآن. في الجانب الآخر كانت مروة التي تتوق الى ملاقاة كوكب زوجة اخيها لتتحاور معها في محاولة لاقناعها بأن عبد الحميد شخص يستحق الحب وان كوكب تحتاج الى بعض الوقت لتقتنع بزوجها وانها ستحبه دون ادنى شك. كانت مروة تطالبي بأن اصطحبها معي الى دبي وكان الحاحها شديد جدا، لكني كنت ارفض باستمرار كي لا اتسبب بمشاكل اضافية لاخي.
سارت الامور على هذه الشاكلة حتى جاءت زيارتي المشؤومة الى دبي. فقد اتصل بي شخص لا اعرفه واخبرني ان اخي عبد الحميد يريدني فورا بعد ان حدث طارئ بينه وبين زوجته، فتوجهت فورا الى دبي.
وهناك التقى بي شخص يدعى احمد واخبرني انه من طرف كوكب وانه تربطه صداقة حميمة باخي عبد الحميد، وطلب التحدث معي حول ما اتفقت انا وكوكب منذ سنة وهو إفشاء سر زواجها من اخي، وفعلا رافقته من المطار الى احد المقاهي في دبي.
وشاءت الظروف ان انسى حقيبتي في سيارة الاجرة الذي اقلتنا من المطار الى المقهى المذكور، لدرجة ان سائق الاجرة انطلق بسيارته فور نزولنا منها دون ان يتلقى منا تكلفة السفر. هذه الحادثة لم تترك في نفسي اي اثر لان احمد اخبرني انه سيتصل بشركة سيارات الاجرة المذكورة ليعيدوا لي الحقيبة في الحال قبل حتى ان نغادر المقهى.
طلب مني احمد خلال حديثه ان اابذل ما استطعت من جهد لاقناع والدي بزواج كوكب من اخي، لانه صديق عبد الحميد في الدراسة ويريد مصلحته، ويعلم مدى حب عبد الحميد لكوكب.
وحين سالته كيف عرف بهذا الموضوع، قال ان كوكب اعترفت له بكل شيء، وكما اعترفت له بما طلبته مني ايضا. وفعلا اعيدت لي حقيبتي بينما كنا في المقهى، فلم افتحها ولم اتفقد محتواها.
عدت الى السعودية وما ان وصلت حتى اتصل بي احمد ليقول ان علي العودة الى دبي فورا، فقد وقعت مشكلة معقدة وان علي التواجد هناك للمساهمة في حلها، وعندما فحصت امكانية العودة تبين ان طائرة دبي ستكون في صباح اليوم التالي، فأضطررت للبقاء في مطار الرياض لليوم التالي.
عدت الى دبي، والتقيت احمد مجددا فاعتذر عن هذه الاتصالات والتنقلات واضاف ان الامر لا يمكن التحاور حوله هاتفيا وان وجودي هناك ضروري.
وقبل ان استفسر ما الخطب الجلل الذي حذا به الى استدعائي بهذه السرعة قبل عودتي الى بيتي، قال انه اكتشف ان كوكب وقعت في شرك الخيانة الزوجية مع احد الشبان، وانه شاهدها امس برفقة شاب في احدى السيارات، ولا يمكنه ان يخبر صديقه عبد الحميد بذلك، لكي لا يصدمه.
اثار هذا الخبر جنوني، فاتصلت بابي فورا ابلغه بما يجري فطلب مني ان اعود فورا للسعودية لان هناك مصيبة اكبر قد وقعت ولن يخبرني بها هاتفيا. خفت من نبرة صوت ابي وادركت ان امرا هاما جدا قد وقع وانه ليس بأمر يدعو على السرور.
عدت للسعودية وفور وصولي ابلغوني بمقتل مروة اختي، لكني لم اصدق من هو المتهم بنظر الشرطة. فقد اخبرني رجال الشرطة بان المتهم الاول هو اخي عبد الحميد، وعند سؤالي كيف ذلك قال لي المحقق فيصل ان ساعة يد عبد الحميد وجدت بجوار جثة المغدورة، وان والدي اعترف بان هذه الساعة تعود لعبد الحميد، كما لم يتم العثور على آثار لاقتحام البيت بوسائل غير مشروعة، بل ان القاتل دخل المنزل باستخدامه مفتاحا للباب الرئيسي للمنزل وان الشكوك تحوم بقوة حول اخي عبد الحميد.
اذكر في هذه اللحظة ان ما كان يدور في ذهني هو كيف اقتل عبد الحميد وانتقم لاختي العزيزة. اقترح علي ابي ان نستدعي عبد الحميد الى البلاد دون ان نبلغه الحقيقة وحين يصل سنرى ماذا نصنع معه. فاتصلت به لاحقا، ليحضر الى السعودية وابلغته بان ابي مريض يرقد في المستشفى.
في هذه الاثناء طلب المحقق فيصل مني التكتم على الجريمة لاستدراج اخي من دبي. لكي يبدو حضوره طبيعيا، ولكي يشعر عبد الحميد بارتياح وببعد الشبهات من حوله على اعتبار انه القاتل الذي يبحث عن وسيلة يبعد الشبهات عن نفسه، فقد نشرت احدى الصحف قصة ملفقة تحكي عن اغتصاب وقتل فتاة من قبل ثلاثة شبان ليكون هذا تمويها لعبد الحميد يمنحه بعض الارتياح بان لا احد ينتظره في الرياض ليعتقله بتهمة القتل.
كما طلب مني المحقق فيصل ان انتظره عند المستشفى، وليس في المطار، لكي يكون مرتاحا اكثر عندما لا يرى أي شرطي او احد ينتظره في المطار، فهو شاب ذكي جدا ويصعب ان يكون فعل ما فعل دون ان يخطط له جيدا.
كل هذه الادوار اضافة الى الضغط النفسي جراء قتل اختي، جعلني اكره عبد الحميد ولا افكر جيدا بكل الاحداث الغريبة التي مرت علي خلال الايام السابقة، فمن الواضح ان احدهم خطط لكل هذا. وترك الشكوك تتكثف حول اخي لدرجة انني كنت واثقا من انه القاتل الفعلي، ولم اشأ ان يوكل له ابي محاميا للدفاع عنه.
حين اتذكر كل هذا، افهم ان وراء كل هذه العملية خطة نسجت خيوطها بصورة متقنة جدا، فمن يكن هذا احمد ؟ هل هو فعلا صديق اخي ؟ هل فعلا كوكب خانت اخي ؟ ام ان هناك خدعة كبيرة نتعرض لها جميعا ؟ ومن هو صاحب المصلحة الاولى بقتل اختي مروة؟ لا يمكن ان يكون عبد الحميد لا يمكن. عبد الحميد افضل من ذلك بكثير.
اذكر انني كشفت الحقيقة اثناء تواجد اخي عبد الحميد في المعتقل ويخضع للتحقيق، سافرت الى دبي لملاقاة زوجته التي تبدو السبب في كل مشاكلنا. وكانت المفاجآة بالنسبة لي حين وجدت المحامي سليم عبدالله عندها والذي سارع الى اتهامي بانني قاتل اختي واستدعى الشرطة لتعتقلني.
وبعد ان احضرتني الشرطة للتحقيق امام المحقق فيصل بالتحقيق اذكر ما دار بيني وبينه:
المحقق: لقد خدعتني يا كمال.
ادهشني سؤاله: بماذا خدعتك ايها المحقق؟
المحقق فيصل باستياء من تعرض لمحاولة الخداع: شريط الفيديو في المطار اثبت لي انك انت الذي دخلت الاراضي السعودية وليس اخوك عبد الحميد، اي انك دخلت بجوازه لتلفيق التهمة له، بل عدت في نفس الليلة بجواز سفرك انت.
اعترضت بشدة على هذا الاستنتاج: لا يمكن ان يكون ذلك، عماذا تتحدث ؟
بدا المحقق فيصل وكأنه يتراجع عن موقفه وقال: اشرح لي انت، اين كنت ليلة مقتل اختك ؟
فأجبته: كنت في المطار، انتظر طائرتي للعودة الى دبي.
لم يفهم المحقق ما اقول، فسأل: ولماذا تاتي وتعود فورا.
قلت: اتصل بي احدهم واخبرني بان هناك مشكلة معقدة يتعرض لها اخي عبد الحميد في دبي.
وهنا استوقفني المحقق: ولماذا دخلت بجواز سفر اخيك عبد الحميد ؟
اجبته دون اي تفكير: هذا مستحيل فقط دخلت بجواز سفري.
لم يقتنع المحقق بما سمع: هل انت متاكد؟
هنا ترددت في ردي: بصراحة لست ادري، فقد كان عقلي مشتتا وضاعت حقيبتي ولست ادري ماذا حدث، اظن ان احدهم لفق هذه القضية لي ولاخي .
اراد المحقق شيئا ملموسا يستند اليه: هل يمكنك ان تثبت انك كنت طوال الليل في المطار.
هنا كنت واثقا من نفسي فقلت: نعم فقد قضيته مع ضابط امن صديقي يدعى سعود، يمكنك ان تساله، لم اغادر طوال الليل.
وبدا المحقق محبطا من عدم التوصل الى اي طرف خيط في هذا الملف فقال: لا ادري يا كمال لكن يبدو لي ان القضية اصعب مما توقعت.
وافقته الرأي: انا اظن ذلك ايضا
صباح اليوم التالي تم الافراج عني وعن كوكب زوجة اخي، التي اصبحت الآن طليقته ، وانا لا ادري بتاتا ماذا يحدث ومن اين أبدأ . فالقضية متعبة واصبحت خيوطها متشابكة. من يكون قاتل اختي ؟ من يكون ؟ من يكون ...