كوكب الجريمة !
رواية
تأليف
سلوى ابراهيم
تحرير ومراجعة لغوية
نادر محمد
مقدمة:
اسرة تتألف من ثلاثة ابناء وشقيقتهم يعيشون في كنف امهم الحنونة وابيهم رجل الاعمال المعروف وفير المال في مدينة الرياض في السعودية.
بين ليلة وضحاها تتعرض هذه الاسرة السعيدة التي لا ينقصها شيء لمصائب تتراكم بسرعة البرق.
الابن البكر عبد الحميد يتوجه للدراسة في دولة الامارات ويعيش هناك مع كوكب ذات الاصول الروسية من جانب امها، وفي الرياض تقع جريمة قتل تروح ضحيتها شقيقته الوحيدة مروة. وبينما تتحدث الصحف عن تعرض مروة للاغتصاب قبل قتلها، يتولى المحقق الاول في المملكة ملف القضية ويوجه تهمة القتل تباعا لاشقاء المغدورة ولكوكب.
يتخبط الجميع وسط شبكة كثيفة من الادلة التي تدين بشكل قاطع كل واحد منهم على انفراد بانه القاتل الفعلي للشقيقة البريئة، الى ان تظهر الحقيقة الوحيدة التي لم يكن يتوقعها احد ويتم الكشف عن القاتل الحقيقي بفضل ذكاء اصغر الاشقاء الذي يعتبره الجميع نكرة لا فائدة منه.
الفصل الاول
لم يخطر ببالي ابدا ان اتعرض لكل هذه الاحداث، كل هذا التعب والعناء كل هذا المجهود، كل هذا الحب. الهي كم كنت غبيا وكم كنت ساذجا.
انا عبد الحميد الشاب الوسيم، ابن الحسب والنسب. انا من ضحى من اجلي أشهر رجل اعمال في السعودية، الا انني خذلته! ... خذلته، ها انا اروي لكم قصتي وشعور بالألم لا يفارقني.
ترعرعت في بيت يخلو من مصائب الزمن ونكبات القدر اذ كانت حياتنا تنعم بالهدؤ وراحة البال. كنا عائلة مؤلفة من ست افراد: ابي وامي انا واخوتي كمال وخليفة واختي الوحيدة المدللة مروة. يعتبر ابي من كبار رجال الاعمال في السعودية، اذ يدير الكثير من الشركات التجارية، التي تدر عليه كثيرا من المال وبفضله اصبحنا من ميسوري الحال.
كان ابي، رغم انشغاله باعماله، حريصا على الاعتناء بنا فتلقينا افضل تربية، وكان من خلال حرصه علينا يبعث فينا هيبته المفرطة، فقد كان غضبه شديدا وعقابه اشد. وكانت امي ربة البيت سيدة البيت الطيبة التي تقف الى جانب زوجها وتسانده في كل ما يقول او يفعل.
انهيت دراستي الثانوية قبل ثلاث سنوات، وكان والدي في غاية الاعتزاز بي. اذكر يوم تخرجي كيف كان فرح العالم كله يتجمع في وجهه وكأنه هو الذي نجح ونال ارفع شهادة، فدعا الاقرباء والاصدقاء للاحتفال بنجاحي، واهداني سيارة فخمة من احدث الموديلات. كان لنجاحي بصيص امل بالنسبة له بأن هناك من ابنائه من يشاطره عبء اعماله، فقد رسم لي ابي ان ابقى الى جواره في شركاته وان ادير كل اعماله، بصفتي ابنه البكر.
وها انا الان اقبع وسط اربعة جدران، ورائحة نتنة، في غرفة مظلمة يتسرب اليها الضوء عبر نافذة صغيرة، استعرض في ذهني شريط كل الاحداث التي عشتها! من تسبب في هذا ؟ هل هو ابي ؟ هل هي امي ؟ ام هي زوجتي الاماراتية ؟
اذكر يوم تزوجت كوكب، الفتاة الاماراتية التي احببتها ايام الدراسة في الجامعة الامريكية في دبي فتاة احلام كل شاب، فائقة الذكاء والجمال.
كوكب من بيت ذي اصول عريقة ومعروفة، أمها روسية ووالدها اماراتي متزوج من امرأتين، الاولى اماراتية والثانية روسية وكان قد تعرف على زوجته الروسية اثناء عمله في روسيا.
لم تكن كوكب ترتدي الحجاب كما ارادت امي، لكن اجمل ما فيها انها تعرف حدودها وتحافظ على عادات مجتمعنا مع ان اسلوبها في اتباع الموضة كان على غير المعتاد بالنسبة لفتاة اماراتية. ورغم هذا كنت اتقبل انا ذلك، فأنا معجب بها جدا ومهما بدر منها او صدر عنها كنت اراه جميلا.
حرص والداي على تربيتي وفق تعاليم الدين الاسلامي والعادات الاجتماعية المحافظة، فكنت لا اغفل صلاة او يوم صيام خلال شهر رمضان الكريم، الى ان بدأت دراستي في دبي فتكاسلت عن اداء الصلاة دون ان اقرر هذا، بل لأن الدراسة تستهلك كل وقتي اضافة الى الاجواء الجديدة التي لم اعتدها من قبل. واعترف ان كوكب كانت سببا آخر لتقاعسي عن الصلاة رغم انها لم تطلب مني ذلك ولو حتى بالتلميح.
كنت دائما الشاب الذكي الذي يقيس خطواته جيدا فتوقع لي الجميع مستقبلا باهرا، بينما لم اكن اتصور على الاطلاق ان ارتباطي بعقد زواج سيكون من فتاة نصف اصولها روسية، ولم اكن اتخيل ان لهذا الزواج سيكون الاثر الكبير على امي التي لطالما تمنت ان تزوجني من فتاة مؤمنة ابنة لعائلة معروفة!
لم اكن اتصور ان اصراري على موقفي بالزواج من كوكب سيجلب لي المشاكل التي كنت في غنى عنها اثناء دراستي الجامعية، يا إلهي... ماذا فعلت يا عبد الحميد ماذا فعلت ؟
اقبع الآن في هذا السجن، يعتصرني الالم والغضب، تتدحرج دموعي بصمت وبلا استئذان. من كان سبب مأساتي ؟
حكايتي بدأت يوم زواجي من كوكب، ولعله من الصواب القول ان مشاكلي بدأت آنذاك.
مع بداية العام الثاني لدراستي الجامعية، قررت الارتباط رسميا بكوكب وصممت على ذلك وكأنه مشروع حياتي برمتها. تحدثت مع والدي هاتفيا من دبي، وابلغته بأني تعرفت الى فتاة اماراتية تدرس معي في الجامعة وارغب في الزواج منها كي استطيع التركيز في دراستي والارتياح نفسيا. تقبل والدي الفكرة في البداية شرط ان يكون ذلك عاملا مساعدا على انجاز مهمتي الجامعية بنجاح وان لا يكون عائقا يشتت اهتماماتي!
اما امي فكانت في حيرة من امرها، ولم تكن واثقة من اختياري. فحلم امي يتلخص بعروس مميزة لابنها عبد الحميد، وها هو عبد الحميد يختار عروسه بنفسه، ناهيك عن انها عروس ليست سعودية وانما من دبي. ومع ذلك تمكنت شقيقتي مروة من اقناع امي برؤية العروس علها تغير موقفها.
ابلغت كوكب بان امي وابي ابديا موافقتهما المبدئية على زواجنا وانهما يرغبان بالتعرف عليها والتحدث مع ولي امرها. سعدت كوكب بهذه البشرى وبقيت حالمة متأملة الى ان جاء يوم اللقاء الموعود بين افراد الاسرتين.
طبع هذا اليوم في ذاكرتي الى الابد بصورة لا يمكنني استئصاله. فوالدتي اصيبت بالدهشة حين اجتمعت بام العروس الروسية "انستسيا"، التي تتحدث العربية بصعوبة بالغة، مع انها تعيش في دبي منذ 20 عاما!
كانت اولى كلماتها بعد اللقاء عبارة عن رشاش من الكلمات السريعة بنبرة ملؤها الاحتجاج وعدم الرضا، إذ قالت: ما هذه العروس الروسية ؟ أهذه هي حماتك ؟ ماذا حدث لك يا عبد الحميد ؟ هل تريدني ان اموت قهرا يا بني؟
بدأت امي تتذمر على مسمعينا انا وابي منذ ان خرجنا من بيت العروس الى ان وصلنا بيتي الخاص الذي كان ابي قد اشتراه لي مع بداية دراستي في دبي!
لا يا امي انا احبك كثيرا لكن كوكب فتاة رائعة، وهي بنت من عائلة معروفة ومحترمة ووالدها شخصية معروفة، انا على ثقة انك حين تتعرفي اليها اكثر ستحبينها اكثر- كانت اجابتي محاولة فاشلة لاقناع امي.
لا يا بني اذا تزوجت هذه الفتاة فلن اكون راضية، وهذا جوابي النهائي.
نعم كانت هذه اجابتها النهائية فعلا بينما لم يتخذ والدي موقفا مساندا لامي كليا، لكن تستحيل عليه الموافقة رسميا على زواجي دون موافقة امي. لهذا ابرم معي اتفاقا جانبيا ويا له من اتفاق!!
اتفقت مع والدي على انه سيقنع والدتي بأن اتزوج من كوكب شرط ان انهي السنة الثانية من دراستي في الجامعة الامريكية بنجاح، واذا فشل في اقناعها واصرت على موقفها فسيزوجني كوكب دون علم امي، على ان اسكن مع زوجتي في بيتي في دبي.
شعرت بالارتياح بعد هذا التفاهم مع ابي ولم اتمالك نفسي من شدة فرحتي فطرت الى كوكب ازف لها البشرى. تحدثنا طويلا حول مشروع المستقبل، وحلمنا سويا في عش الزوجية والاسرة الواحدة التي ننوي انشاءها لدرجة ان احلامنا سيطرت علينا فأقترحت كوكب انه لا ضير لو تزوجنا في الحال دون الانتظار حتى نهاية السنة الدراسية الثانية لأن النجاح مضمون، على ان يبقى الامر سرا نخفيه عن ابي بينما ستتولى كوكب مهمة اقناع والدتها بمرافقتنا ومساعدتنا في كل مراسم العقد والزواج وهي لن تمانع ذلك، بل ستسهم بدورها في اقناع والد كوكب.
اذن لا بأس، فنجاحي لا شك فيه لانني مثابر ولا اتهاون في كل ما يتعلق بدراستي. وكانت خلاصة ما توصلت اليه مع كوكب من "مؤامرة" انه مع نهاية العام الدراسي الثاني بالنجاح الذي كان كلانا يتوقعه، سوف نعد تمثيلية صغيرة امام ابي وكأننا نتزوج حينذاك او في اسوأ الحالات سنصارحه باننا تزوجنا وها نحن سعداء وبأنني ناجح في دراستي وكل شيء على ما يرام.
واخيرا تزوجت... تزوجت جميلة الجميلات، فتاة الفتيات، ذات الانوثة الطاغية، ذات القوام الرشيق، فتاة احلام كل شاب، كوكب.
اما الآن فلا يمكنني ان اصف مدى تعاستي وشقائي، السجن يزيد من معاناتي، وغصة ألم في حلقي تقتلني، ودموعي تفضحني، ولا تخفف عني آلامي لدرجة تجعلني اتلوى من شدتها.
عشقت كوكب بجنون، تزوجتها بموافقة والديها، لم نقم احتفالا كبيرا، بل قررنا ارجاء الفرح حتى يتم الزواج المبارك من ابي وربما امي، وانتقلت زوجتي كوكب لتعيش معي في بيتي وكنا نتوجه صباحا معا الى الجامعة اذ ندرس سويا ادارة اعمال، وكانت حياتنا كلها هناءً وحبا غامرا وكأنه حلما جميلا لا ينتهي.
مرت السنتان بسرعة وفعلا تحقق المطلوب ونجحت في دراستي بتفوق والى جانبي كوكب، تحدثت مع ابي فورا، وذكرته بالوعد الذي قطعه لي، فبارك لي نجاحي وطلب مني التريث بعض الوقت. استفسرت عن السبب فأجاب انه يشعر بالارهاق الشديد، لذا عليه ان يلتقط انفاسه من العمل مدة اسبوع او اثنين وسيتحدث معي بعد ذلك حول اعداد كل شيء.
لم يزعجني ذلك ابدا، حبي لكوكب جعلني انسى الدنيا وما فيها ولا اشتاق لاحد غيرها، لم اسافر لزيارة اهلي ولم افكر حتى بزيارتهم فقد كانت كوكب تكفيني لتسد مكان الام والاب والاخ والاخت والاهل جميعهم، بقيت الى جوارها في دبي خلال العطلة الصيفية ورغم ذلك كنت دائم الاشتياق اليها. كنت اغار عليها كثيرا، لباسها اللافت وجمالها الساحر جعلها عنوانا للمعاكسات الدائمة التي كانت تغضبني باستمرار، وتثير بعض النقاشات الحادة بيني وبينها سواء وقع ذلك في الجامعة او في اماكن عامة اخرى كنا نتردد عليها.
وبينما كنت انتظر بفارغ الصبر مكالمة هاتفية من ابي يبلغني خلالها بأنه مستعد للبدء بإلاعداد لمراسم الزواج، اتصل بي شقيقي كمال، الذي لم يسبق ان حادثني منذ فترة طويلة. وبصوت فيه نبرة حزن قال ان ابي نقل الى المستشفى وحالته حرجة يترنح بين الحياة والموت وأن علي الحضور فورا لان ابي طلب رؤيتي.
كان لهذا الخبر وقع الصاعقة علي وزلزلني بقوة وكأنه يوقظني من سبات عميق. هذه المكالمة الهاتفية عصفت بكياني ونفضتني حتى صرت لا اشبه نفسي، وايقظت بي الروابط الاسرية التي غفلت عنها وانا هائم بعشق كوكب. لجأت في بادئ الامر الى الصلاة، نعم لقد قمت وأديت ركعتين لله تعالى طلبا للمغفرة لابتعادي عنه والرحمة لوالدي.
فوجئت كوكب من سلوكي وغمرتني بنظرات كلها استفسار فابلغتها بأن ابي يرقد في المستشفى وبأن علي السفر فورا. لم تظهر على وجهها ملامح الحزن او التأثر لما سمعت مني، بل ابدت بعض الانزعاج لسفري لانني كنت قد وعدتها برحلة استجمام مع بعض الاصدقاء وسفري الفجائي يعني الغاء هذه الرحلة.
انطلقت بسيارتي نحو المطار وفي صدري شيء من الغضب لان كوكب لم تستفسر عن صحة والدي، ولم تطلب مرافقتي الى المستشفى لتطمئن على والدي ولم تفعل شيئا يمليه عليها الذوق السليم للاهتمام بوالد زوجها. نعم، طالما كانت جافة وباردة مثل امها "انستسيا" تماما، لكني لم اتصور ان يصل بها ذلك الى هذه الدرجة.
لا بأس، فما كان يهمني في تلك اللحظة هو حال ابي وليس كوكب او حتى امها "انستسيا" وطباعهما.
عند وصولي مدينة الرياض لم يكن احد ينتظرني في المطار، فطلبت الى سائق سيارة اجرة، ان يقلني الى المستشفى مباشرة، فأنا كنت على علم بالمستشفى الذي يرقد فيه والدي.
يزداد حزني على حالي في سجني. فلحظة دخولي المستشفى لم تكن في تصوري ولا في كوابيس احلامي، انها من اللحظات الغريبة التي لا افهم منها شيئا. انتظرني عند مدخل المستشفى اخي كمال واخبرني بأن ابي بخير، وانه ينتظرني في البيت. لم افهم ما معنى ذلك لكن احساسا بعدم الارتياح سيطر علي يوحي لي بأن الامر ينطوي على سر دفين لا اعلمه.
سألني كمال في الطريق ان كنت اطالع الصحف الاماراتية؟ وهل قرأت قصة الفتاة السعودية التي تم اغتصابها من قبل ثلاثة شبان ؟ ولما لم يسمع مني الاجابة، اخذ يسرد علي الواقعة بصورة مغلفة بكثير من الغرابة. فهو شقيقي واعرفه تماما ولكني ألاحظ ان طريقته في سرد ما حدث ليست كعادته، فهو بطبعه صريح جدا معي، وكان يعتبرني صديقا مقربا اليه قبل ان اكون شقيقه الاكبر. اجبته بانني لست على علم بهذه القصة وان ما يهمني الآن هو ابي وحالته الصحية، وبأنني اريد ان اطمئن عليه قبل كل شيء.
فجآة صرخ كمال في وجهي قائلا: "انت انسان اناني من الدرحة الاولى لا يهمك سوى نفسك ومصلحتك، منذ ان سافرت للدراسة في دبي لم تكلف نفسك عناء الاتصال باختك او بامك او باخوتك ولو مرة واحدة، انظر الى ما حدث لنا وانت غائب".
صدمني رد فعل كمال وصراخه بوجهي، فلم يسبق له ان تصرف بهذه الطريقة معي. سالته عما حدث؟
فاجابني بهدوء تام ان هذه القصة التي رواها لي ما هي الا مأسىة تعرضت لها لشقيقتي مروة، التي اغتصبها ثلاثة شبان اجانب يعملون في احد مصانع ابي، ثم قتلوها بعد فعلتهم القذرة وان هذا وقع منذ اسبوعين، وان اهلي قرروا ابلاغي بالخبر بعد ان نشرته احدى الصحف الاماراتية في صفحة الحوادث، وكشفت هذه الصحيفة عن ان الفتاة الضحية هي ابنة احد رجال الاعمال المعروفين في السعودية، وخشية ان اجمع بنفسي خيوط ما وقع واتوصل الى الحقيقة المرة بأن المقصودة في الخبر هي شقيقتي، قرر اهلي اختلاق قصة مرض ابي، كي اعود بسرعة الى الرياض.
يا الهي .... لم اصدم من قبل كما صدمت بفاجعة وفاة اختي الصغيرة، رباه كم آلمني رحيلك يا اختي، خبر رحيلك سحقني يا صغيرتي يا حبيبتي ايتها الدلال والحنان، إلهي كم اشتاقك منذ الآن يا مروة.
كانت مروة على قدر كبير من الجمال، فهي ورثت العينين العسليتين عن امي ومنحها هذا اللون براءة الاطفال في نظراتها وكانت وجنتاها دائمة الاحمرار خجلا. كان تمزج مرحها بهدوئها مما يضفي على شخصيتها ملامح خاصة بها. كانت الاخت الحنون والصديقة الوفية التي تبادر الى اعداد المفاجآت، وكانت رزنامة كل المناسبات العائلية تنبهنا اليها. لم تنس يوما مناسبة تخص احدنا لا سيما مواعيد مناسبات تخصني. كانت تربطني بمروة الصغيرة علاقة مميزة، كنت بالنسبة لها الاخ الاكبر وولي امرها الاصغر، احن اليها واحميها، كان خوفي عليها واهتمامي بها يجعلاني اذهب يوميا لاحضارها من المدرسة، كانت تشبك يدها بيدي ونسير نحو البيت. وكانت تحب الحلوى وخصوصا تلك ذات مذاق العسل فكنت اشتري لها قطعة منها واقدمها لها قائلا: تفضلي يا احلى من العسل. اه اين انت الآن يا عسل....اين انت !!!
يا لاسفي عليك وعلى نفسي، فانشغالي بتحقيق طموحاتي وعشقي لكوكب انساني اهلي، اه يا اختاه كم اشعر بالاسف على غيابي وابتعادي عنك دون ان احميك من اولئك الاوغاد.
تملكتني ثورة وهيجان ورغبة شديدة لمعرفة من اقترف هذه الجريمة، رغبة لمعرفة كل التفاصيل الدقيقة لما حدث كي تكتمل الصورة امامي وانتقم لاختي من هؤلاء الاوغاد، ولكن كمال يتكتم على الموضوع مشيرا الى ان الشرطة تحقق في القضية وانها ستعثر قريبا على القتلة.
لم افهم معنى كلمة قريبا وكيف لم يتم القاء القبض عليهم لغاية الان، ثم كيف تم اغتصاب اختي داخل مصنع ابي؟ لا بد انها كانت تزور المصنع برفقة ابي ؟ إذ لا يمكنها السفر بمفردها ابدا في السعودية !!
بذلت اقصى ما املك من جهد للمحافظة على هدوئي الى ان نصل بيتنا الذي كان ذات يوم واحة لراحة البال والهناء، واخاله الآن يدمي ألما وجدرانه موشحة بالحزن العميق، كئيبا مظلما يطغى عليه لون الموت.
وجدت امي ترتدي الاسود جالسة على الارض صامتة اخرستها فاجعة مقتل ابنتها الوحيدة، ووجدت ابي مستلقيا على السرير، ادهشته رؤيتي، وشقيقي خليفة يشرب الماء وينظر في فراغ امامه وكأنه لا يرى شيئا!
لم اعرف من اين ابدأ، وماذا اقول. توجهت لاحضن امي واواسيها لكنها استقبلتني ببرودة وبصورة غريبة جدا. لم افهم تصرفهم معي بهذه الطريقة، فانا عبد الحميد الذي يحبه الجميع والذي لم يخذل والديه يوما من الايام.
كانت ليلة غريبة لا اذكر كيف مرت، وهل كان ممكنا ان تمر ؟
في الصباح جلست للتحدث مع ابي الذي فاجأني بسؤاله غاضبا جدا: هل خذلتك يوما يا عبد الحميد؟ فاجبته: بالطبع لا يا ابي. فسألني مجددا هل خذلتك يوما يا بني ؟!
اصابتني الدهشة من تكرار سؤال ابي، وكأني انا المسؤول عن مقتل اختي، فلم اكن في حالة تسمح لي بالاجابة او التفكير حتى.
فتابع ابي: لا يمكنني ان انظر الى وجهك، اغرب عن وجهي واذهب الى احضان المجرمة التي قتلت اختك، اذهب الى زوجتك كوكب !!
ما ان نطق ابي بهذه العبارة التي ظننتها وليدة غضبه الشديد على مقتل اختي، ورغم دهشتي لعلمه بزواجي من كوكب، حتى اهتز باب البيت تحت وطأة طرق شديد، وما هي الا برهة حتى دخل عدد من رجال الشرطة يسألون عني!! هل انت عبد الحميد؟ اجبت بنعم. وعندها أبلغني احدهم باني متهم بقتل اختي مروة، وان علي مرافقتهم الى مخفر الشرطة.
الآن اجلس في غرفة مظلمة بعيدا عن الناس تحوم حولي شبهة قتل اختي الوحيدة التي كنت احبها من اعماق ذاتي، اجلس في صمت رهيب احاول جاهدا تنشيط ذاكرتي كي استعيد تفاصيل ما حدث!! ماذا يحدث لك يا عبد الحميد ماذا يحدث ؟
وبينما كنت اصارع ذاكرتي، فاجأني شرطي اقتحم زنزانتي معلنا انه سيقتادني الى المحقق فيصل ليستجوبني. لفت انتباهي اسم المحقق فيصل الذي يتولى التحقيق في ملابسات هذه الجريمة، فاستفسرت من الشرطي هل من سيحقق معي هو المحقق المعروف فيصل، اجابني الشرطي بالايجاب. والمحقق فيصل معروف في السعودية بانه من افضل المحققين. وكانت اخباره المهنية تملأ عناوين الصحف كلما تمكن من الكشف عن جريمة والدفع بمرتكبيها للمثول امام العدالة، هذه الحقيقة منحتني شيئا من الارتياح لانني بريء ومع محقق جيد كفيصل لا بد ستظهر براءتي.
ادخلني الشرطي غرفة المحقق الذي بادر الى سؤالي إن كنت اريد كوبا من الماء، فقلت نعم، ثم سالني كيف اشعر؟ فأبلغته بأنني حزين على مقتل اختي، ولكني مصدوم من توجيه اصابع الشك والاتهام نحوي بمقتلها، وانني لا استطيع تفسير ان ثلاثة شبان اغتصبوها ثم قتلوها، ثم بعد ذلك اكون انا المتهم بينما انا كنت اتواجد في الامارات وقت وقوع الجريمة!!
اجابني المحقق فيصل: اسمع يا بني لقد سبق لي ان حققت مع مئات المشتبه فيهم. منهم من كان مظلوما ومنهم من كان مجرما، وانا اتمتع بنظرة ثاقبة تساعدني على التعرف على الشخص الماثل امامي، لهذا ارجوك لا تحاول التعامل معي وكأني غبي.
اجبته بأنني لا افهم شيئا مما يقول، وانني بريء ولا شك في ذلك، وانه اذا كان يملك الدليل على ادانتي فليواجهني به!
ضحك المحقق فيصل وقال دليل ؟ لدينا ادلة وادلة كثيرة.