1

6 0 00

1

مرقد الريح

تحملني ذكرياتي التائهة و التي افر معها الى الضباب و انا الامس هذه الشجرة العتيقة الى ابعد نقطة بداخلي ، حيث يتربع الماضي متشبثا بمخالبه بكل أجزائي، مبحرا في الشرود، يتسول الوقت مني لحظة، فلا اهديها إلا لهذا الشعور الأزلي. و لكني اعاود الكرة الامس هذه الشجرة الكبيرة المنصوبة هنا، كتذكار ابدي لعالم يشتاق لبذرة فلا يرى سوى التراب ، احضنها بقوة ،اجعلها تتحمل جسمي الهالك، المتشابك مع نفسه الذي يبدو انه قد حمل مع الريح الى هنا ،الى هذه المدينة البيضاء المرصوفة على رصيف الميناء الحاضن للبحر الابيض المتوسط ، بعجالة تنطفئ حاناتها على جمرة لهيبي ، و تسافر في هوائها الملائكي ،و تراقص فيها الشيطان البريء الذي طالما قاده وجودنا البشري الى الجنون، و كما قاطعنا حياة الشيطان تقاطعني بلا خجل هذه الشجرة المنصوبة هنا، تكحل عيني بدمع بائس ، تناشدني في ان احضنها بقوة و ان ابكي .

هنا بحديقة التجارب بالحامة، يستوقفني منظر الطفل الصغير يأكل غزل البنات لحية بابا ، يذكرني بطفولتي التي مر عليها قطار الزمن ، و يا ليتني انبش الغبار عنها فألبسها كما خلعت مني، و كذلك تلك الفتاة التي تلعب على دراجتها الوردية، دراجتي و انا صغير كانت وردية كذلك، و لكنها كانت اجمل و كانت عليها سلة اضع فيها دبدوبي الصغير ، اردت بقوة ان اسرقها منها، و لكن جسمي كان اكبر من الجلوس عليها، فتنكرت لها و تشبثت بدراجتي المطوية في خزانة الذاكرة، كما طوت امي اخر مرة قميصي الابيض قبل ان تموت.

مررنا من هنا من هذه البقعة الخضراء ،كجوهرة غابية تزين رقبة العروس الفاتنة في زيها الابيض، العروس التي تطفو فوق بركة من الماء، و لا يجعلها تطفو كذلك سوى تلك الذاكرة الرائعة التي نسجناها معا انا و هي.

الجي المدينة التي عاهد بها الله انبيائه، و حذر منها شيطانه و الكفار، انها التلاقي بين الجنة و النار، و هي كذلك المدينة التي تشققت فوق تربتها السماء، و انبتت ياسمينا يتدلى من الجدران، يحكي مع اقواسها الف حكاية و حكاية ،ينافس رائحة الحبق الذي بدوره يضع على رؤوسنا اكاليل الغار.

لكل نبتة محبسها، و لكل فينا منبت، انه التراب الذي صنعنا منه لنعود اليه. انها الذكريات الخالدة التي نضعها في قلب كتاب مقدس، و نتركها للوحوش.لتحرسها الذكريات الخالدة لا تستحق منا مجلدات لنكتبها، و لا تحتاج لكتب التاريخ، فهي ليست موقف رسمي،و لا حرب لتبقى، و لكني اعني بالذكريات الخالدة تلك المشاهد التي تتبعنا للقبور، فتشربها التربة من جثتنا لتسقي بها الزهور لتعود حية مع كل فراشة، مع كل نحلة، مع كل طير، مع كل شجرة ،كهذه التي امامي الان،تذكرني بتعاستي، وحدتي، و رغما عنها تذكرني بأغلى لحظات حياتي مع حبيبي الضائع في رقم تسلسلي لا اعرف عدده بالضبط ،في عالم من الاموات الطهر يعيشون في مكان ما بين السماء و الارض، يقال:ان عددهم مليون و نصف المليون شهيد، و لكني لا اتذكر رقمه لكي اناديه؛ يكفيني احساسي و اسمه البشري لأفعل ذلك. انه يعيش بداخلي كحوت كبير ،كحب اكبر ،و كشمس لا تضيء سوى على نقطة واحدة من كوكب وجداني انه هو، هو وحده يستحق ان يكون في بقعة الضوء في حياتي الى الابد دون منافسة من احد، انه هو من يستحق ان يعبد و لأجله احضن هذه الشجرة بقوة، و بكل شغف.

اصوات كثيرة بهذه الحديقة تقطع شرودي، و لكن بدورها تذكرني بكل الثواني الاروع في حياتي، و انا بدوري ممتن لصوت تلك المرأة التي تنادي طفلها و هي تجري ورائه، تحاول التقاطه قبل ان يسقط في بركة البط و السمك الياباني، و تغازلني بكل لطف مريم العذراء، القدم السوداء التي لم ترحل بعد عن هذه الارض، و قررت المكوث فيها، لتهب سكانها صلوات المنسيين لعلهم يشتاقون لإخوانهم الفارين ، فيحضنهم الربيع ثانية في محبس واحد كورود ذابلة يعيدها الله ثانية الى الحياة.

مازال هذا الملمس يطري جلدي، و يرمم الشقوق الماكثة على وجهي، و كأنه ماء انصب ليروي ارضا متعطشة من سنين، او هذا الذي اشعر به و كأنه الماء المقدس الذي يعيد البشر للحياة بعد موتهم . لا اشعر بالعطش هنا بل اشعر بشهوة كبيرة لأشرب ماء ذاكرتي بلا هوادة، اتركه ينهمر على جسمي كشلال بين عرش الله و الملائكة المنيرة،لينصب في عيني في دمعة او دمعتين لأتذكره.يا الله، كم اشتقت له !

تلك الشجرة اللعينة لا تريد ان تقول شيئا، و لكنها لازالت تحمل حروف اسمنا في قلب منحوت عليها، و بمجرد ان المسه يتفتت كياني، و تلاحقني النجوم الى وكر الخفافيش في مخيلتي ،فانفض عنها الغبار، و اترك الشموس تغرد بصمت داخلها ،محدثة النور العظيم. و بين تلك اللعنة البادية على الشجرة تلك و بين انا الملعون بالفراق، اعشق تلك الشجرة اكثر من ذاتي، و اتمنى ان اكون حرفا عليها لأعيش الذكرى،و كأني هي و كما هي الان امامي ،كشقوق امواج عاتية على الحور العتيق المنبثق من سكرات موت فضفاضة ،لا تريدني ان اموت، و لكنها تريدني شقا على جذع شجرة ،كما اريدني الان ،و لكنها ما تلبث ان تفعل ذلك إلا و منحتني بعض الوقت لاشتاق اكثر، و لأتعذب اكثر دون رحمة او شفقة.

فعندما نسلب الخوف من الموت و نتمناه لأخذنا، يبتسم هو لنا. و يقرر ان يعطينا خوفا اخر من الحياة ، فتنقلب الادوار في مسرح غير قادر بان يفتح ستاره ثانية.

تشدني رائحة هذه المدينة العبقة بازدواجية الثقافة بين باب للشرق، و باب للغرب. تأسرني في ملامسها الحريرية، و صوت ابنائها المخملي. احمل في مخيلتي عنها الكثير من الحياة، و القليل من الصبر، اريد منها ان تفرغ للحظة من كل سكانها لأتمكن من الاختلاء بها لوحدنا، أنا و هي في سرير واحد، انا و مدينة الظلال البيضاء.

خطواتي المباغتة للأرض، بعد مجهود كبير لرفعها و جعلها تلامسها مرة اخرى ،كان يجعل الوقت يمر ببطء شديد، و انا هنا بحديقة التجارب، اشتم رائحة الماضي من زهور ارادت ان تتفتح للأبد في صنوان الذاكرة المغتربة في الزمن، لا يريد شعاعها ان يفلت اصابعه مني، ولا تريد يدي ان تمتد لأخذها، فهي هناك و الاكيد لا تسقط في حين ذراعي لازالت تحضن حبيبها بكل تمرد غرامي في احلامي، التي رافقتني طيلة حياتي دون ان تأذن لي بان اترك حضنه الدافئ هناك, فاذا عشقت شهيدا سيعيش حبك معه حيث يعيش الابد, و من المستحيل ان ننسى من عشقناه و مات شهيدا للحب و الحياة ,متمردا على الكراهية, محاربا للإقصاء, مجدفا بكل عمق في اغمرار عيون الشمس بالدموع الباكية, على ليل لم يتمكن شعاعها من قنصه, و مرافقة الالهة المتعددة الى دفء الحنان فيه.

هذه المدينة كثيرة الصراخ, و لكني اعيش فيها هدوئي التام. متفرغ لأجلها تذكرني بحصاني الاصفر الذي ربطته مرة, و ربطت نفسي فيه برباط حذائي في الشفق البرتقالي, في الركن الخامس لحلمي ,و فر مني الى عالم الطيور يختب ساعات و ساعات اخرى, يطير لملاقاة النجوم مارا على كل البحار و المحيطات, هناك بصهيل يهز اركان الكون و يسحلني ورائه، يجعلني حزين لفراره و سعيد بتمسكي به لأخر لحظة في اقصى الكون البعيد.

اسمي جان بيار، عمري اليوم سبعة و سبعون سنة، و ما زلت تتذكرني جيدا هذه الارض. تحضنني الجاذبية اليها على غرار العادة، مازلت اقف على قدماي و احلق في سمائها ،كما كانت تراقصني نفحات شبابي الذي تركته هنا يوما ما، يعيش كل لحظة ربوع شبابه دون كلل او ملل، و صار يصطحبني من يدي الى مرقد الريح الغافية في تأمل فلسفي لحب خرج من جذور الارض كعاصفة هوجاء، تحمل الربيع بين احضانها العنيفة لعالم استوطنه الهدوء الجاف و التصحر الشعوري، و بات فيه الخوف اعتى من العواصف.

يشكل ذلك البناء الكبير هناك فوق تلة العاصمة نقطة استفهام كبيرة في ذهني، فهو لم يكن منصوبا هناك ابدا،فهو بناء جديد، يبدو من بعض الجهات جميلا نوعا ما، و بينما من اغلب الزوايا كان يبدو قبيحا جدا، طويل للغاية، و لونه غير مندمج نهائيا مع لون المدينة، كان يبدو مستفحلا فيها كورم سرطاني خبيث يقطع بياضها بتمرده على السماء، لم يعجبني كثيرا وجوده هناك ،شعرت و كأنه قبعة طويلة فوق راسي و انا الذي اكره القبعات، سالت عنه فقيل انه مقام تذكاري للشهداء، يسمى عنوة مقام شهيد ،اي شهيد لا اعرف، و لكنه حتما ليس حبيبي.

كان الاجدر بهم ان يرفعوا القبعة للأبطال، لا ان ينصبوا لهم قبعة فوق تلال المجد المخضب بدمائهم الزكية و ان يمزقوا جمالية المكان بحضور بشع لنصب شاهق يتكبر على كل ما هو جميل في المدينة بقبحه، قيل انه تاج فوق رؤوسهم و لكني اراه تكريسا للتسلط و الاستبداد.

كان يكفيهم ان يزرعوا الورود في عقول ابناء هذه الارض العظيمة ؛،عوض ان يتلوها ليل نهار فوق شعاب القبور.كان يكفيهم لمرة واحدة ان يخفتوا صوت الكره للحظة، و ان يترك شعاع الحب يمجد الشهداء بنفسه بين افراد الشعب، عوض ان ينشدوا وفائهم لشهداء يخدعونهم كل يوم بتجبرهم، و تسلطهم عليهم باسم الثورة احيانا، احيانا اخرى باسم االدين.

على هذه الارض من يستحق الحياة كبشر، فهم ليسوا فئران تجارب للأفكار العنصرية و المتطرفة التي وجهت كطعنات مباشرة في جثث الشهداء، على مدار كل تلك السنين التي غادرت فيها اقدامي هذه الارض الطاهرة،بينما قلبي كان ليزال يخفق فيها. فمن حق الجزائر ان تصبح حديقة لكل الورود ،و النباتات، و الاشجار ،و الهواء النقي .من حقها ان تحمل كل مواطنيها و ابنائها و ان تحضنهم بقوة ،كأم تشتاق دائما لأبنائها فصدرها الكبير يكفي الجميع بحنانه،فلما نحرم بعضهم منه ؟! كل ابن لهذه الارض يستحق حنانها بالتأكيد، فمن نبتت قصباته الهوائية في عسل هذه الجبال الوعرة، المصارعة للعمارات المزخرفة لبد ان يعرف صدره هواء الحرية ،و الحب و لبد ان يعيش كالنسمة اللطيفة دون ان يسأله احد اين يمضي، و فوق اي صدر يغفو، و على اي شفاه ينام .

على قدر ما كنت سعيدا بالعودة لوطني من جديد على قدر ما كنت تعيسا ،و انا اطلب التأشيرة من السفارة الجزائرية شعرت و كأنني اطلبها لأحضن امي ثانية .لم اكن متسامحا مع الامر ابدا بالرغم من اني كنت سعيدا جدا و انا امسك بها، شعرت و كأن هناك شخص ما يحبس هواء العالم في قارورات بلاستيكية و يبيعه لنا، و من فرط الحاجة نشتريه بسعادة.

اردت ان المس ذكرياتي ثانية بجسدي و هو يصلي صلاة زهر اللوز على تراب هذه الارض التي لطالما سقيتها بداخلي و انا بعيد عنها بماء الاشتياق، و لهيب الانبثاق بين كل زفير و شهيق لانبعث مجددا في عشي الاول.

و كأي طير مهاجر يسعى للعودة لموطنه الاول، ركبت السفينة كما رحلت من خلالها الى فرنسا فيما مضى قبل ثلاث و خمسين سنة . لم اتشجع على ركوب الطائرة ،فالبحر ايضا له ذكرياته و احلامه، و ركوبي له على متن هذه السفينة التي تسمى طارق بن زياد، مع ابناء وطني المغترب في ارضه كان يعيد لي حلقة هامة من مسلسل حياتي ليعرضها في كل خلية بداخلي.

لقد مررت في دربي البحري هذا بنفس المواقف التي مررت بها و انا ابحر بالجهة المعاكسة، و انا في ريعان شبابي فهاهي نفس الامواج التي ودعتنا قبل ثلاثة و خمسين حولا ترحب بنا اليوم، و تفتح لنا حضنها لترمينا على الصدر الحنون للضفة الاخرى.نفس طيور النورس في اجساد اخرى، نفس الشمس تذرف نورها الدافئ، نفس السفينة في مركب اخر، نفس البحر هو الاخر، الا الموت الماضي كان حياة في اللحظة الجديدة على متن السفينة تلك و انا عائد الى منبتي الاول و خليتي الاصلية.

و في كل قلم يخط نقطة على هذا البحر الابيض ،تبدو لي مدينتي الجي كسراب فوق رماله السائلة، كل لحظة هي تخلق و تعود مجددا لفانوسها، و قد حقق حلمي ذلك الجني المارد في ان اربض على حجرها، و استلهم من ضجيجها صرخة حب، تشبه صرخة الولادة، بل هي الولادة ان المس مدينتي و مسقط راسي من جديد، و كلما كانت تقترب السفينة اكثر من ميناء المدينة كانت روحي تحاول الفرار مني لتلمسها من شدة الاشتياق، ارادت ان تكسر جسدي و ان تطير مع النورس الى هناك، و لكني حبستها بداخلي، لأني كما اردت لروحي ان تحلق بين المباني العتيقة هناك اردت لهذا الجسد المتعب ان يستعيد قمر لياليه البيضاء، اردت ان اتعرى تماما عند اول لقاء بيني و بين اول مرأة في الجزائر، و ان اتنكر لجسد الشيخ هذا، و اتخيله و كأنه واقع امامي ذلك الجسد المفتول في شبابي حين كنت اجمل شاب في المدينة على اقل تقدير.

يريحني الامر كثيرا ان اتذكر اني في الجزائر بين نفس العمارات التي كانت شاهدة على حبي ،و على اول لمسة مني على اليد التي كنت اتمنى الوفاة عليها، و هي تحضنني،فبين تلك الازقة الحزينة لفراق احبتها كانت اول قبلي ،و على ضوء تلك القناديل الفردوسية كان عناقنا يروض الرومانسية، فتنبت خمر السلام يجهد الارق فلا ينام، يسمع الطيور الشادية انينه فتصمت، و تلهم، و يذرف رماد الحياة على الموتى، فتبعث في الاثير تبارك الاسير في حضن الحب، على ايقاع ذلك الجسد الذي كنت اسميه الشوكولاطة، و انا اذوب فيه ،و اقطف وجودي منه، و اكتب ذكرياتي عنه في صفحات الروح بكل وضوح ،كنت متأكدا كما انا متأكد اليوم اني لن انسى ابدا تلك الايام، و لن اودعها فهوائها، و رطوبة لياليها الماكثة على ارصفتي الداخلية كما يمكث المتشردين على اهبة الشوارع الباردة لن تسمح لحرارتي الافلة ابدا ،ان تفعل ذلك.

اشتقت لمدينتي، لبيتي، هذا الذي يغني مع نسائم البحر، و انا غاص بين هذه الاشجار، في الحديقة المتجذرة في تاريخي، امد فيها جذورا،ابحر فيها قرونا، و انا واقف جاس في مكاني،بيني و بين احلامي خط صغير، بين نوتة ساحرة و نوتة تليها في سلفاج الحياة، هي الان مدينة جديدة غير تلك التي استوطنتني، و لكنها لزالت هي نفس الهتي التي عشقتني تغير بعض تغنجها، و تبقي على الاخر لانتظاري، فكما كنت اظنني وحدي اشتاق لها فوجئت باشتياقها لي، و هي تفرش لي الارض مدادا لخواطر لا اريد ان ابقيها حبيسة خيالي، و لا اريد ان اكتبها على الورق، بل اريد ان اشعها حبا في تلك الابعاد الخيالية لمدينة لم يحمل احد المنديل ليمسح دمعتها بعد، و لكنها اقدم من الكون الذي نعيش فيه، فهي تعيش فينا اكثر من اي روح تسكننا، و اعتى من اي موج يرتطم بموانئنا العاطفية، اقدم من الالهات التي تعبد، فهي ليست بقدم الزمان تعتق، و لكن بجذور المكان التي تلامس قلب الكوكب و تقرا كأبيات جديدة على جثة شاعر لم يقلها، و لكنه شعر بها في اخر لحظات حياته، فتمردت على الفواصل الموتية، و راحت تردد نفسها كالصدأ في جدران بيته، مودعة لجسده الفارغ، مرحبة بروحه المحلقة في برزخ الشعراء، وأصلي كل يوم لأي اله كان بان اموت هنا فيها ،لأنام سعيدا في قبري ، و ان ادفن على ترابها الجافي، و انا امارس فيها عهري الروحي، و انا عاري تماما في قبري الرخامي، ابتسم و امد يدي لتلمس رفات رفيقي ،ويرحب بجثماني هيكله العظمي،و اتجرع لأول مرة بعد اكثر من نصف القرن الحياة .

اشتقت لبيتي المترامي الاطراف في صولجان الجزائر، في جوهرة المدينة الشاعرة، المدينة التي لو خلقت انسانا، لكانت بالتأكيد عازفة كمان، تعزف نفسها في الحان حزينة، فعلى غرار باريس المغرورة بجمالها الفتان، الجي كانت متواضعة جدا بجمالها الهادئ، الذي يشد انظار اي فنان اليها ليسقطه في غرامها، و بياضها، و كحلها الذي يرسم الطرق، و ضجيجها العاشق المحدث للحياة. الجي ليست مدينة فقط بل فتاة تتباهى بجمالها على شاطئ البحر، يأخذ الريح شعرها في اتجاه المغيب ،و يتوقف قلب العاشق الذائب على صورتها الشاعرية، و يعوي على صدره المنتهى في اشلائها المقدسة الذئب التائب المتمرد على السواد، المقبل على السلام بحب غائب.هي فتاة هجينة تحمل في جيناتها العالم باسره ،و تسبح في خلود شوارعها ،كما تخلد الفتاة الصغيرة الى النوم في حجر جدتها الدافئ، هي فتاة مدينة، و فتات ذاكرة لعينة لا تسام من ان تذكرني دائما اني انتمي لحوض الشوك هذا، المتلألئ بالورود الباهي برونقه في الوجود .

نعم اشتقت لبيتي الغافي في حضن عائلة اخرى، الاكيد انه يشتاق لي بحجم اشتياقي له، و لم اجدني إلا تائها اعود اليه ،و انا ارمي نفسي للأمام الى باب الواد، الوادي الذي لم امسسه يوما، بينما عشت فيه و انا اتخيل غديره الصافي في عيون الناس، الى بيت الطفولة كم اشتقت اليه ذلك البيت البسيط، المليء بالمعنى الصافي لكلمة وطن، بذكرياته التي امتصها دهانه، و اغتربت فيه الملائكة هربا من ديكتاتورية السماء .

توجهت اليه بسيارة التاكسي، و انا اتكلم مع السائق باللهجة الجزائرية لم يتوقع ابدا اني فرنسي الاصل، و لكنه ادرك اني لا اتكلمها بسهولة فظن اني جزائري مغترب، او كما يقولون هنا (ايميكري)، و في الحقيقة انا كذلك جثة هاجرت روحها و هي الان تعود لملاقاتها، و لكن في نظر هذا الشعب فانا لست سوى قدم سوداء،بالرغم من شدة حبي لهذا الوطن و اخلاصي له.

في الطريق الى البيت كانت عيناي تمحي الديكور المختلف للمدينة، و تنسج الصورة القديمة على واجهتها، تتذكر التفاصيل الصغيرة، هنا وسط المدينة لا رو ديزلي كانت هذه البقعة مكاني المحبب للجلوس، لأخذ فنجان قهوة تحت زخات المطر في الشتاء، و هنيهات بين العصر و الغروب في فصل الصيف المتوحش بالجمال، و لأكتب يومياتي، و استرق النظر لسراب الحب ،كل لحظة تخضب للورق الى ان صرخت الحقيقة في وجهي بقوة مليون حب، و اهدتني اياه الذي كنت اكتبه قبل ان اراه اول مرة، دقائق قبل وصولي للحي كانت تلك الطرق اقرب لذاتي من كل فرنسا، انها انا تشبهني اكثر من ذاتي، اكثر من كل ما يبدو فيما تبقى مني على قيد الحياة، كانت السيارة تتحرك فوق كل الطرق، و في الحقيقة كانت السيارة تسير فوقي، بداخلي، على اعمق نقطة من ضبابي الاسر للحب القديم، المخمر بتجويفي البعيد كل البعد عن ما قد يشعر به اي انسان اخر، فانا شعوري اكبر من الشعور البشري، فالاشتياق اصعب من الموت، فعندما نموت نفقد اشتياقنا للحياة بينما نشتاق لبعضها و نحن في الركن المزري للبعض الاخر.

وصلت الى الحي المشبع برائحة الماضي، خبز البيت الذي كان يتدلى في جو هذا المكان الروحاني كثريات الامل ،كان يقتل الاشتياق في قسمات الوجه المغتصب بالألم الروحي لروحي التعيسة، و يحييه اكثر كلما امتزجت تلك الرائحة اعمق مع شبحي السبعيني، الواقف على اطلال الوجود المكثف في نقطة من العالم. وضعت رجلي في ترابه و كان به اطفال على غير العادة يزلزلون الارض تحت قدمي ،او الارض كانت تنهز اشتياقا لي، او ربما اساسات بيتي هزتها مكرهة اياها لتعانقني، و شيء ما كانت تفرزه عيني لم اكن اعرف ان كان دمعا ام دما،او شيء بينهما، او اكثر، و طفت ابتسامتي فوق ثغري ،و تنفست بكل شهيق و كأني طفل صغير سكت لتوه من البكاء، و فتحت السماء بعيني متسلقا شرفة غرفتي، في ذلك البيت الذي بدا لي انو اهل بقارة من السكان. دقت يدي الباب، و قد عانت معي متعة التأمل في الوطن، و انتظرنا انا و هي و باقي اجزائي لقاء الذاكرة. فتحت لي فتاة صغيرة الباب كانت أظفار شعرها الطويل تغني لعيني انشودة الحياة، طلبت منها برفق ان تنادي صاحب المنزل ،اردت ان اطلب منه بلطافة ان اعانق بيتي، تسارعت دقات قلبي و انا بامتزاج مع ذلك الحائط، سال حبر البيت من قدري تدفق في يدي ،و دقت للمرة الثانية الباب. خرج شيخ طاعن في السن هو الاخر لكنه بدا اكثر شيخوخة مني،زرعت فيه عيني و قد نبضت في ذاكرتي بشيء تعرفه، صرخ قبلي " جان بيار هدا انت "، تذكرت ذاكرتي صوته اكثر من وجهه، صرخت هي على لساني " محمد هذا انت ". لقد كان في الحقيقة صديق الطفولة كان يدرس معي في نفس المدرسة. عانقني بحرارة الجزائريين و احمرت عيني خجلا من نفسي، انا الذي حرمتها هذه الاحضان الدافئة لوطني كل تلك السنين، شعرت بغبائي و حمقي كيف لي ان اترك شعبي وحيدا و انصرف عنه الى كوخ الجليد بالشمال، ما كان عليا ابدا ان اترك هذه الشمس التي رعتني و احتضر لأكثر من نصف قرن في بلد قيل لي انه بلد اجدادي مع اني لم اعرف وطنا اخر إلا هذا الذي اعيش فيه الان.

تأملني و هو يتذكر فيا شيئا اظنه نفس ما اتذكره فيه، و دعاني الى بيته ،بيتي الذي تركته من زمان ،و اقسم عليا ان ابيت فيه و انه هو ضيفي و لست ضيفه، في الحقيقة كان بإمكاني ان ادفع اي شيء لشراء ذلك البيت ثانية و لكني لما احرمه مرة ثانية من احبائه و قد جمعنا معا القدر في بيت واحد، فهذه العائلة الجزائرية تملاه حبا و ياسمينا تعتني به و هو البعيد عن اهله،فيشغلون حياة اليتيم بدفئهم و اسرارهم التي يحتفظ بها ،لم تكن سوى عائلة صديق الطفولة محمد. محمد الذي كان يبيع الخبز و القصبر و النعناع الذي كان يزرعه في بيته لمساعدة عائلته، و كان يساعدني في دروس الرياضيات التي كنت ضعيفا فيها. محمد كان صديقا مرحا يحب الحياة و يحب الفتيات، و اول من دخن في رفاق الطفولة. شدني من يدي و ادخلني وطني كان ديكوره الداخلي هو الاخر مختلف، و لكن عيني لم ترى فيه إلا ما رأته قبل ثلاث و خمسين سنة: روح امي كانت هناك بنفس لباسها الابيض ،و شعرها المربع الشكل، و خصلاته الصفراء ،و حذائها الابيض، كانت تبتسم و تتأملني و هي متكئة على باب المطبخ رفعت يدي لأناديها و لكنها اختفت. حملني صديقي محمد الى الصالون و لكنني طلبت منه ان استمتع بلمس بيتي. دخلت غرفة النوم و اذا بنفس خزانتي موضوعة هناك، تفجرت مشاعري و رحت احضنها بدون توقف لم اعرف ما اسميها، سميتها ماما و تصفحتها ككتاب قديم احفظه عن ظهر قلب، لم يكن بإمكاني التصديق اني سأجدها هنا بعد كل هذه السنين و لكن هذه المرة هبت الرياح بما اشتهته سفني المشتاقة.

قاربت على الموت و انا احضنها، و قد اشرقت شمسي من تحت غلس اشتياقها ،كان الاطفال من حولي يتأملونني باستغراب يا ترى لما يفعل ذلك، و لكنني كنت افعل ذلك بطفولة اكبر من طفولتهم. شدني صديقي من يدي و عدنا الى الصالون، استقبلت كملك دعته النبوة لإنقاذ شعبه، في الحقيقة لإنقاذ فتاته الهارب منه الى هنا منذ زمن بعيد، و لمته هذه العائلة التي كرمتني و رحبت بي بعد ان عرف الكل فيها اني صديق الجد العزيز و شيخ البيت.اخبرني صديقي بعد مدة من الانطفاء جمرة الحرقة على اريكة الصالون ،و انا اتذكر نبيذ هذا البيت المعتق " صديقي لي لك هدية من ماضيك سأحضرها لك و سأعود حالا " .انتظرته على احر من جمر احر من شمس، التهبت في مكاني وعدت طفلا من جديد، كان تنفسي متغيرا و بطيئا و احيانا تزيد سرعته ،كان اضطراب شوق يلتهب. عاد صديقي و في يده شيء يشبه الكتاب، لا هو ليس كتابا بل البوم صور يا الهي انه البوم صوري القديم قفزت في مكاني من شدة الفرح، و لكن ذلك الشعور الغريب و القوي الذي انتابني منع عني الدموع. لاقفتها من يده كما يلقف القدر الارواح و راح هو يبادلني الابتسامة، لقد حافظ صديقي لتوه على قلبي في ذلك الالبوم الذي كنت احترق دائما لأجله منذ ان غادرت لفرنسا قبل ثلاث و خمسين سنة ،عندما تذكرت في نصف الطريق اني نسيته في الجزائر لمحت كل تلك الصور بحرقة كبيرة صوري ،و امي ،و ابي ،و اصدقائي ،و حب حياتي الذي لم و لن انساه ابدا.الحب الذي نقش بداخلي كي لا اكون سوى هو اخر. في جسدي اخذني خيط الزمان الى تلك البقع الداكنة البادية على الصورة القديمة المصبوغة بالأبيض و الاسود كما الانسان ،و التي حافظت عليها من التلف كل تلك السنين في ذاكرتي قبل هذا الالبوم ، و انحدر جسدي لأول لحظة فيه و امتزج مع رائحته التي تشبه رائحة الكتب القديمة ،و امتد كياني في اللحظة،و اشتقت اكثر من اي وقت مضى الى الوقت الذي مضى.