٢
وكان ظاهر القصر يدل على قِدَمه، وهو محاط بسور تدل آثاره أنه من عهد الصليبيين، ومزدان من الداخل بأجمل التصاوير التاريخية، وقد جاء إليه فيليبون مع امرأته في أواخر أبريل عام ١٨٣٦، ومعهما ولدهما الذي كان يُدعَى أرمان باسم أبيه القتيل، فكان قد حصل على لقب كونت عندما خمدت نار الثورة، فكان يعيش عيشة العزلة والانفراد مع تلك المرأة التعيسة التي أصبحت بعدما علمت بوفاة زوجها أرمان، شاحبةَ اللون ساهية الطرف نحيلة الأعضاء، بعد أن كانت من أجمل نساء عصرها كما شهد لها بذلك كلُّ مَن كان يراها في بلاط نابليون العظيم.
فبينما كانت يومًا منذ أربعة أعوام جالسة في منزلها تنتظر عودة زوجها بملء الجزع، وتتسلى على فراقه المؤلم بمداعبة ولدها الصغير، دخل عليها فيليبون وهو بملابس الحداد.
ولا بد لنا أن نذكر أن هيلانة كانت تكره هذا الرجل كرهًا شديدًا، وتؤنِّب زوجها لموالاته وتحذره منه، غير أن أرمان كان طاهر القلب صافي السريرة، فلم يُعِر امرأته أذنًا صاغية ولم يرعها سمعًا، واستمر على مودة صديقه، فكان ذلك يزيد هيلانة نفورًا من هذا الرجل وبغضًا له، حتى إنها كانت تتشاغل عندما يزورهم أو تتمارض كي لا تجتمع به ولا تراه.
فلما رأته داخلًا عليها بملابس الحداد، وهيئته تنذر بالمصاب، وقفت منذعرةً، وقد ارتعدت فرائصها من الخوف، فدنا منها وأخذ يدها بين يديه وهو يتكلَّف البكاء، وقال: لا حيلة لنا يا سيدتي بقضاء الله، فلقد فجعتِ بزوجك، وفجعتُ بخير صديق لي، فَلْنستوف البكاء إذ نحن في المصاب سواء.
ولم يمر على ذلك بضعة أيام حتى علمت الأرملة بوصية زوجها القائلة بوجوب زواجها بعده بفيليبون، غير أن كره الأرملة لفيليبون كان شديدًا، فعصت في بادئ الأمر إرادة زوجها ورفضت الزواج بصديقه الخائن.
أما القائد، فإنه أظهر انذهاله لوصية صديقه، وأنه غير أهل لها، وكان واسع الصدر كثير الصبر شديد اللين، فتوسَّل إلى الأرملة أن تقبله كصديق لها ولطفها فقَبِلته، وبقي بقربها ثلاثة أعوام يتظاهر بالحشمة والوقار، ثم جعل يستعطفها بملء التودد والحنان إلى أن أخذت تراجِع نفسها في سابق حكمها عليه، وكانت قد سمت رتبته في البلاط الإمبراطوري، وأملت لولدها خيرًا بواسطته لما رأت من علو منزلته واستحالة أخلاقه، فرضيت عنه بعض الرضى، وركنت إليه بعض الركون، فاغتنم تلك الفرصة، وجعل يزيد من تذﻟﻠﻪ وتصببه، وما زال بها إلى أن رضيت به بعلًا وأُشهِر قرانهما.
ولكنها لم تلبث بعد ذلك القران التعيس أن عادت إلى سابق كرهها له ونفورها منه؛ لما رأته من شراسته وقسوته التي كانت كامنة في صدره كمون النار، ولما كان يُظهِر في الانتقام من تلك الأرملة الضعيفة، فرجعت إلى عزلتها فرارًا من ذلك المفترس الذي كان يبسم لها أمام الناس ابتسام الحب والاحترام، ويبلوها بأشد العذاب عند اختلائهما.
وكان لا يشغل باله إلا بما يستطيع أن يسيء به إلى تلك المرأة التي لم تحبه غير يوم واحد، ولا يهتم إلا بما يسهِّل له سُبُل الانتقام منها، وهي لم تسئ إليه قطُّ بحياتها إلى أن علم يومًا أنها علقت بولد منه، فوجد ضالته المنشودة، وأملت عليه قريحته الجهنمية هذا التصور الفظيع: «إذا مات ابنها فإن ابني يرث جميع هذه الثروة العظيمة وحده، ولا أسهل من إعدام طفل لم يبلغ أربعة أعوام.» ومن ذلك الحين أخذ يترقب الفرص للوصول إلى هذه الغاية الهائلة.
ولقد سبق لنا القول أن قصر كرلوفان كان قائمًا على شاطئ البحر، وكان به سطح يحيط به رواق ضيق كان يلعب عليه أرمان عندما تتحول عنه أشعة الشمس.
وكانت أمه كثيرة الخشوع شديدة الرغبة في الصلاة؛ إذ كانت تجد بها خير تعزية على أحزانها، فتركته يومًا يلعب وحده على السطح، وولجت غرفتها فجثت أمام صليب من العاج، واستغرقت في صلاتها فلم تفرغ منها إلا وقد غربت الشمس وسار الظلام، فانتبهت مرعوبة لهدير الأمواج، وأول ما خطر على بالها ولدها الذي لم تَرَه بقربها.
وكان الجو قد أقتم، وثارت الرياح، وأدلهمَّتِ السماء، فلعلعت الرعود واندفع السيل كأفواه القرب، فهاجت الأنواء حتى كاد صوت الأمواج يزيد على قصف الرعود؛ فخرجت تبحث عن ولدها وهي تضطرب كالعصفور بلَّلَه القطر، فلم تكد تبلغ الباب حتى لقت زوجها داخلًا بملابس الصيد وعليه ملامح الرعب، فارتاعت لرؤياه، وانقبضت نفسها لمنظره، فلم تستطع كتمان اضطرابها وسألته عن ولدها سؤال قلق وارتياب، فأجابها ببرود: إني عجبت لبعده عنك، ولو لم تسبقيني بالسؤال عنه لَكنتُ سبقتك إليه.
فاختلج فؤاد تلك الأم التعيسة، وفتحت نافذة الغرفة تطل على السطح، ونادت بصوت متقطع: أرمان. فلم تسمع لصوتها صدى، ولم تجبها غير الرياح الثائرة.
وكان على الطاولة في الغرفة مصباح ضعيف يضيء بأشعته المضطربة جوانب الغرفة، فنظرت إلى فيليبون، وإذا بعلائم الخوف مرتسمة على وجهه، وعيناه تضطربان اضطراب الأثيم الخائف، فأحست بالخيانة وصرخت به تقول: ولدي، قُلْ لي ما صنعت بولدي.
أما فيليبون فإنه تجلَّد جهد الطاقة، وقال: إني لم أَرَ ولدكِ، ولم أدخل القصر إلا الآن.
فلم يزدها جوابه غير ريبة، وخرجت من الغرفة هائجةً تصيح: أرمان أرمان. ولكن صوتها لم يسمعه غير ذلك البحر الهائج.