٤

7 0 00

٤

أما ذلك الرجل الذي ظهر على باب الغرفة وراع منظره فيليبون، فقد كان يناهز الأربعين من العمر مرتديًا برداء أزرق طويل، عليه إشارة حمراء كما كانت تلبس الجنود في ذلك العصر، وكان عالي القامة عليه ملامح الشهامة، وقد اصفرَّ وجهه من الغيظ عندما أبصر بفيليبون، فرماه بنظرة احتقار خرجت من عينيه كالسهم المارق إلى فؤاده، ثم تقدَّمَ إليه وصرخ به يقول: أيها القاتل.

فانذعر فيليبون، وقال بصوت متقطع: مَن الذي أرى … بستيان؟ أَدَنَا يومُ النشور؟ أَبُعِثَ مَن في القبور؟

فقطع بستيان عليه الكلام، وقال: نعم، أنا هو بستيان، أنا هو ذلك الرجل الذي ظننت أنكَ قتلته وهو لا يزال حيًّا يُرزَق، نعم أنا هو ذلك الجندي الأمين الذي أطلقتَ عليه غدارتك، فأغمي عليه لفرط ما نزف من دمائه، ثم أفاق فوجد نفسه قرب مولاه القتيل، نعم أنا ذلك الخادم المطيع الذي مكث في أسر الروسيين أربعة أعوام، فعاد الآن يسألك عن دم مولاه الذي هدرته غدرًا وعدوانًا.

ثم نظر إلى الكونتسة وقال: سيدتي، إن هذا هو الذي قتل الولد كما قتل أباه.

ولقد تعجز الأقلام وينحبس اللسان عن وصف ما كان من الكونتسة بعد أن تبيَّنَتْ لها تلك الخيانة، وعلمت بمقتل زوجها وابنها، فزأرت كاللبوة التي فقدت أشبالها، وانقضت على فيليبون انقضاض الكواسر، تحاول تمزيقه بأظافرها وهي تصيح به: أيها القاتل، إن النطع ينتظرك، وسأقودك إلى الجلاد بيدي.

فكان فيليبون يهرب من وجهها، وقد شعر بدنوِّ الأجل، وهي تجدُّ في أثره، فبينما هي هاجمة عليه إذ وقفت متكئة على كرسي وصاحت صيحة ألم أضلت صوابها.

ذلك أن المخاض فاجأها، وأحست بابن ذلك الرجل يتحرَّك بأحشائها، فسقطت على الأرض واهية القوى بغير حراك، وكان مخاضها علة نجاة ذلك الرجل الذي عزمت أن تقوده إلى النطع، ذلك الخائن القاتل الذي لم ينقذه من انتقامها سوى ولده الذي كان يشفع به في أحشائها.