الجزء الرابع

7 0 00

الجزء الرابع

- ماذا؟ اعتقدت أنها لم تسمعها جيدا ...قالت ببراءة : لكنك لستِ متزوجة ؟ أم انك كذلك !!..تحدثي كيف حدث هذا ..؟؟

بدأت تتكلم دون أن ترفع رأسها : لم أكن أعلم أن عزيز بهذه الحقارة الويل له ، كان لطيفا هادئا ، استدرجني حتى وثقتُ به ورافقته إلى أماكن كثيرة دون حتى أن يلمسني ، أحببته ..رفعت رأسها بعيون دامعة : أتصدقين أنني أحببته ..مع أنه لم يكن أفضلهم ولكنه كان مميزا بالنسبه لي .. صاحت وضربت بقبضتها على الأرض : ذئبٌ خبيث .

هزتها بعنف : أكملي هيا ، أكملي.

- أكمل ماذا ؟ لقد اغتصبني ..استدرجني أقسم أنه استدرجني .. اعتقدت عندما غافلني من خلف ظهري أنه يحضر لي مُفاجأة ،همس في أذني : إهدأي لن أؤذيك ، ضحكت بدلع ( يال سذاجتي ) ، بعد أن أمسك بيدّي من خلف ظهري بقوة شعرت بالخوف ، طلبت منه أن يكف عن مزاحه الثقيل ، ثم قيدني ..حاولت الهروب ولكن إلى أين!.

أخذ يضحك بصوتِ عالٍ ، أمسكت بكتف وفاء وقالت بهستيريا : صحتُ بأعلى صوتي كنا في منطقةٍ خالية بعيدة لم يكن ليسمعني أحد ، ضربني على وجهي ووضع لاصقا على فمي .. شعرتُ بالاختناق وأخذ يصيح بقسوة : تريدين أن تعيشي بحريه وعلاقة دون زواج سأوفرها لكِ الآن ، لماذا لم توافقي على الزواج مني ، تريدين أن ترضي غرورك بإذلالي أليس كذلك ! تظنين أنني مثل غيري تستطيعين أن تستغلي عواطفي وتتخلي عني عندما تملين مني ! سأريكِ الآن كيف ستكون الحرية !

- حاولت المقاومة والإعتراض أخبرته أنني أحبه ولكنه لم يتوقف لم يصدقني .

زاد نحيبها وأخذت تضرب بكفيها على رأسها وتشد شعرها أمسكت وفاء بيديها بعنف .

نظرت إليها كمن أصابه المس : مر شريط رفقتي للرجال من أمام عيني كابوس تمثل به يجثم فوق صدري ، رأيت وجهه يقترب مني ضاحكاً شامتاَ مقهقهاً وأخذت يده تعبث بي وفي ثوان وجدت نفسي عارية ..عارية رددت ساهمة ثم صمتت .

جذبت روب نومها حول جسدها بقوة : زادت مقاومتي له ، أخذت أنتفض كالدجاجة قبل ذبحها، شعرت بهجومه الوحشي على جسدي الذي استكان، فبت هادئة، مشلولة ثم ..ثم غبتُ عن الوعي .

عادت للبكاء والنحيب واسترسلت:

أفقتُ في سيارته .. رأيته يبكي ويضرب المقود بعنف ، خفت أن يشعر باستيقاظي فيكرر فعلته ولكنه نظر ناحيتي فجأة ، ارتعبت والتصقتُ بالباب ، رجوته أن يتركني وشأني وأنني لن أخبر أحدا عما فعله بي . لكنه ركن السيارة وأمسك يدّي وأخذ يرجوني أن أسامحه وأنه لم يكن يقصد إيذائي ، كرر أنه يحبني ولن يتخلى عني و كل الذي أراده هو أن يجد طريقة يضمن من خلالها أن أكون زوجة له .

كيف اعتقد أن أسلوبه الخسيس الحقير ، سيمكنه من الزواج مني لقد أكل السوس عقله حتى بات لا يفكر .

لم تجد وفاء الشجاعة لتقف نظرت إلى غادة بغضب يا إلهي هل هذه هي لا غيرها غادة من تحدثت بعنجهية عن ضرورة تغيير الرجال كما الثياب كل موقف يستوجب رجلا بشكل مختلف وصفات لا تشبه الآخر وعقلية محددة حسب المناسبة فالعمل يحتاج لرجل عملي طموح قادر على منحها ترقية وراتبا إضافيا أما الغداء فلرجل يصطحبها إلى مطعم فاخر ، ثم محل للملابس باهظة الثمن لا يبيع إلا ماركات غاليه ، المساء للسهرات والرقص لهذا فرجل مرح يتقن فن الرقص كل ما تحتاج إليه ، غادة تلك رحلت وتركت خلفها هذه المرأة المنكسرة الهشة الخائفة .

تحاملت على قدميها ووقفت ثم قالت تقلد غادة بسخرية : إنطلقي ..حيث لا حدود للحرية إلا في عقلك ، هل رأيتِ الآن طريق الإنحلال إلى أين قادكِ .. أين وصلتِ ؟

سأقول لكِ انا إلى أين ، إلى طريق الرخص والهلاك أصبحتِ سلعةً بأيديهم .. الويل لك .

صمتت ثم أردفت كأنها تذكرت شيئا : أهلك .. سيقتلك اخوانك ووالدك لن يقبل أن تلطخي سمعة وشرف العائلة بالطين وقد يرأفون بك فيسجنونك مدى الحياة .

- لا لن يفعلوا إذا أخبرتهم بأنه اغتصبني سيقتلونه هو أتعتقدين أنني كنت سأوافقه على فعلته ؟...

- ذهبتِ معه بملء إرادتك ، ولم تكن لمرة واحدة بل عدة مرات مكنته من استغلالك حتى نفذ مخططه دون صعوبة في استدراجك .

- ألم تفهمي بعد هل أقول ما يصعب فهمه .. لقد اغـ تـ صـ بـ نـ ي ..اللعنة عليه . . لن يقتولني أنا متاكدة من حبهم لي ..كان وجه وفاء جامدا مصفرا لا حياة فيه ..

- أردفت : بلى سيفعلون ، ركضت ناحية وفاء ، أخذت تهزها وترجوها : هل سأموت ؟ سيقتولنني نعم سيفعلون .. لا أريد أن أموت أرجوك ساعديني .

- الآن أساعدك ..ألم أنصحكِ قبلا ، انتِ الملامةُ الوحيدة على ما حدث لكِ ولو سألتِ أي شخص كان يراقب تصرفاتك ومجونك سيخبرك أن إغتصابه لكِ كان لأنكِ رغبتِ بأن يفعل بك هذا .

أبعدت يدي غادة عنها بقرف وهمست : لو لم ترافقيه لما حدث ما حدث .

- وكأنكِ تلومينني ، قالت مستهجنة .

- صرخت بوجهها : كيف لا ألومك ؟ بلى أنتِ المُلامة ..المرأة هي من تقرر كيف يتصرف معها الرجال وإلى أي درجة تسمح لهم بالإقتراب منها ..أنتِ جعلتِ من حياتك سوقا لكل رجل مر منه ، ما يعجبه منك ينتقيه ويحمله !!

شعرت غادة بدوخة فجلست على الأرض، قالت بخوف وهي تمسك ببنطال وفاء تشده إلى أسفل : أرشديني ارجوك ،ساعديني لا اريد أن أموت ، سأتخلص من الطفل وكأنها وجدت الحل : نعم سأقوم بقتله ولن يعلم أهلي بما حصل .

- تعلمين أن في معظم عمليات الإجهاض تموت الأم مع الجنين وخاصة أنها تتم في عيادات غير مرخصة ،حاولت وفاء أن تكون مقنعة ، نظرت إليها بشفقة حتى لو أخطأت غادة لا يمكنها أن تتخلى عنها في هذه المصيبة .

جلست إلى جانبها ، شعرت أن الحديث الذي تحضر له لتخبرها به سيثير إشمئزازها وقرفها ولكنه الحل الوحيد لتبقى على قيد الحياة : يجب أن تتزوجي به .

إنتفضت غادة ولوت شفتيها ، هزت رأسها بعنف : لا لا لن يحدث هذا ، كيف يمكنك أن تكوني بهذه القسوة وتقدمي لي مثل هذه النصيحة القاتلة ،أفضل الموت على الزواج منه ، كشرت بقرف: أنا أكرهه أتفهمين لا أطيقه أتمنى لو أستطيع قتله الآن كما قتلني .

- نصحتها وفاء مواسية : للأسف هذا هو الحل الوحيد .

لا تعلم كيف انقضى الوقت ووجدت نفسها في غرفتها بعد أن غفت غادة وهي تتمتم : لا يمكن أن أتزوج منه سيقتلني كل يوم لن أستطيع الإعتراض ، سأموت ، لا أريد أن أموت ، هو من يجب أن يقتل ولست أنا .

تفقدت هاتفها وإذ بخمس مكالمات لم يرد عليها من والدتها و اياد ، والعديد من الرسائل غير المقرؤه منه ، طلبت والدتها وطمأنتها : غادة في مأزق ولم أستطع أن أتركها لوحدها أمي .

- ما بالها ؟ قالت والدتها بقلق .

- من غير الممكن أن تخبر والدتها بالحقيقة فلا يوجد أم أو أي شخص يقبل على ابنته أن تعيش في بيت مع فتاة دون أخلاق : لا شيء يدعو للقلق مجرد إرهاق عمل فقط .

- ساعديها لترتاح قليلا يا ابنتي .

- سأفعل بالتأكيد ، تصبحين على خير .

- وأنتِ من أهله ، حماك الله من كُل مكروه .

فتحت رسائله بدا قلقا ثم مُرتابا وفي آخر رسائله خائفا ، هل هذا ما فعله عزيز بغادة أوهمها بإهتمامه حتى استدرجها ؟ أبعدت الظنون التي بدأت تغزو تفكيرها : لا ، لا يمكنني أن أشبه اياد بعزيز ، اياد شخص نبيل ، ترده مبادؤه عن مثل هذا الفعل المُخزي ، قالت تحدث نفسها .

- ألو..اياد.

- أين كنتِ بربك .

- غادة زميلتي في السكن واقعة في مشكلة كبيرة جدا ولا أعرف ماذا أفعل لأجلها !

- كل مشكلة ولها حل مهما كانت صعبة ، قال بعد أن أخذ نفسا عميقا ، قد أستطيع تقديم المُساعدة .

- أخشى أنك لن تستطيع ، ولا حتى أنا ، لا أحد إلا هي ، حملُها سيكشف الأمر إن لم توافق .

- مُنذ متى والحمْلُ مُشكلة ، أليس هذا ما تسعى إليه أي أم على هذه الأرض !

- ولكنها غير متزوجة ، نطقتها بشكل متقطع ،خائفةً من ردة فعله.

صمتُه الطويل أخافها هل سيظن أنني سيئة الخلق الآن ، فيتركني !

تعجلت بقول : لقد اغتصبها . من المؤكد أن هذا سيشكل فارقا إن قرر أن ينسحب بسبب غلطة غادة !

- وكيف حدث هذا ؟ سألها .

- لقد صدقته وكانت تخرج معه دون خوف ، طلب منها أن توافق على الزواج منه ،لكنها رفضت ، فقام باستغلال خروجهما في احد المرات واغتصبها .

- الويل لهما ، كان بإمكانها أن تتوقف عن رؤيته بعد أن رفضته زوجاً ، وكان بإمكانه أن يكرر طلبه للزواج منها اكثر من مرة .

- ولكنها لم تستطع ان تتركه وتبتعد عنه ،فقد كانت تحبه .

- لا أفهم ، تحبه ولا تريد الزواج منه! قالها بسخرية .

- قصتها طويلة سأحدثك بها لاحقا ، نصحتها أن تتزوج منه لأنها إن لم تفعل سيقتلها إخوانها ووالدها .

- حدثيني الآن بقصتها لا أريد أي تأجيل يخص هذا الموضوع ، أريد أن أعرف مع من تعيشين ، اعتقدتك آمنة في ذاك المنزل ، ولا أعلم كيف تفكرين !! الغريب أنكِ تسعين لمساعدتها ، انطلقت كلماته غاضبة فلم تستطع مقاطعته ، ولا تدري ماذا ترد أو كيف تتصرف ، شعرت أنها المتهمة : هيا حدثيني الآن عن هذه الــ ، ماذا تدعى ؟

- غادة ، قالتها بخوف .

- إذا ..

كانت تتجرع ريقها وهي تتحدث له عنها يحرجها ذكر إنحلال غادة وجموع الرجال الذين خرجت برفقتهم ، كانت تسرع كأنها تهرول عند حديثها عن مبدئها في تعاملها مع الرجال كالملابس خشيت أن يجرحه تشبيه غادة لهم بأنهم كالثياب فاختصرت عباراتها بهذا الخصوص ، تطرقت لسهراتها ولمجونها لسمعتها السيئة في الحي والعمارة ، ثم صمتت .

- أكملي ..أهذا كل شيء ، ألم تنسي أن تخبريني أنها تنتظر كل ليلة على ناصية الشارع لتقلها سيارة أحدهم !!

- ما بالك ،ولماذا تتحدث عنها بهذه الطريقة لا أنكر أنها تعيش بحرية غير مسؤوله ولكنها ليست منحلة إلى درجة بيع جسدها لغريب !

- وهل تبيع جسدها لرجل تعرفه !! ألا تكبرين ولو قليلا ، الا تتحررين من براءتك ، أنت تعيشين في حياةِ بائدة ، مجتمع المدينة الفاضلة لم يعد موجودا ، لم يكن موجودا أصلا .

كل الذي حدثتني عنه الآن وأعلم انكِ اختصرتِ الكثير من المشاهد المخزية والأفكار المنحطة التي تنشرها هذه الغادة وتحاول إقناعك بها ، وما زلتِ تدافعين عنها ، أي طفلة أنتِ ؟ لو لم أعرفكِ منذ مدة وسمعت أنكِ تعيشين في منزل مع بائعة هوى كانت أخذتني بأخلاقك الظنون .

لحظات صمت أثقلت لسانها ، شعرت بحرج غريب لم يتحدث إليها أحد من قبل بهذه الحدية وبهذه الطريقة المؤنبة حتى هو هذا الإنسان الساخط حاليا ، اللطيف الهادئ في أغلب الأوقات ، فاض بالغضب وسدّ عليها منافذ الكلام ، كيف تكون بهذه السذاجة وهذا الغباء في تقديرها للأمور !! وهل حقيقة أنّ غادة بهذا القدر من السوء أم أنه يحاول إخافتها لتبتعد عن التدخل وتقديم يد المساعدة لها !!

دفعها حرجها لتقول بغضب عندما حاول أن يسترسل في حديثه : توقف عن تأنيبي ، مُنذ متى أصبحت المساعدة تفسر ضعفا وسوء تقدير ، وحتى لو كانت غادة سيئة الخُلق إلا أنها إنسانة قبل أن تكون صديقة طلبت مني الوقوف إلى جانبها في محنتها ، أأتركها !! لا ..لن أفعل .

بإستعجال أنهى المكالمة : إفعلي ما يحلو لك .

سيعاود الإتصال ، لن يستطيع الإبتعاد بعض دقائق فقط ، حدثت نفسها ووضعت الهاتف على الصامت ،أغمضت عينيها لتنام ، ثم عادت وأمسكت بالهاتف وضبطته على الرنين : لن أجيبه إن اتصل ، أغلق التعبُ أجفانها ونامت على أمل أن يوقظها صوت شوقه صباحا .

أيامٌ ثقيلة مرت دون اتصال منه ، كلما فُتح باب مكتبها أو مرت سيارة تسير ببطء على مقربة منها اعتقدت أنه لن يقو على البعد أكثر ، شاهدت انعكاس وجهها في شاشة الهاتف أكثر مما شاهدته في المرآة .

لم تستطع أن تتحمل بعده عنها أكثر ..

- إشتقتُ لك .. أأرسلها كما هي أم أتبعها بأنه قاس وعنيد ، لن يجيب ..لا سيفعل ، اختارت زر الإرسال ،وضعت يدها على عينيها ، وأرسلتها .

مرت دقائق ثم ساعات ولكنها لم تتلق ردا : لن يخذلني أفهم أنه غاضب ولكنني لم أرتكب إثما عظيما لأعاقب منه بهذه القسوة

كانت الشقة خالية عندما دخلت ، لم تلتقِ بغادة منذ ذلك اليوم وكأنه أعلن يومها قطيعة بينهما التزمت هي غرفتها في سعيها ليكون راضيا عنها رغم أنه لا يراها ولا يعلم ما تفعل إلا أنها ألزمت نفسها التصرف بمسؤولية ، أما غادة فتحاشتها كأنها لامت نفسها للإفصاح عما حدث معها ، فالتزمت غرفتها كانت تصحو في بعض الليالي على صوت استفراغها وأنينٍها الخافت وعندما تهم بالنهوض تتذكر غضبه فتلزم غرفتها تروح وتجيء ، تضع أذنها على الباب تسترق السمع تخشى أن يصيب غادة مكروه ، وعندما يخيم الصمت تخرج على رؤوس أصابعها لتراقبها نائمة كالطفل الصغير .

" عزيزتي وفاء ، أعلم أنكِ من القرف مني لدرجة أنكِ تمسكين رسالتي الآن برؤوس أصابعك ، ولا ألومك أبدا فأنا من وضعتُ نفسي في مصاف بائعات الهوى والغواني ، وأستحق أي رد فعل يصدر منك مع أنكِ كنتِ لطيفة جدا معي .

لقد فكرتُ ويجب أن أدفع ثمن غلطتي .

لا أعلم كيف يمكن أن أتحمل وجود عزيز في حياتي والمسمى زواج ، شعور يثير غثياني وأتمنى لو أنني تعرضت لحادث دهس قبل أن أعرفه وأضع حياتي تحت رحمة قرار قد يوافق أو لا يوافق عليه .

أبكي بحرقة الآن وأنا اكتب لكِ ، أبكي على عمري برفقته منذ عرفته وما سيفنى في مشواري معه ، أتمنى لو أستطيع قتل هذا الطفل لأنهي مأساتي ، أتمنى لو أقتله مع طفلي أيضا .

ولكن ماذا يفيد التمني إلا جلب المزيد من الإختناق والقهر والحنق على نفسي لأنني سمحت لهذا التافه باستغلالي ..شعور الذل والمهانة يطاردني اللعنة عليه وعلي وعلى ما آلت إليه حياتي .

سأترك لك الشقة تصرفي بها كيفما شئتِ وأرجو أن تختاري رفيقة سكن تعلم جيدا أنه لا يمكن أن تأمن جانب أقرب الرجال إليها حتى وإن ادعى صداقتها وإذا حاولت أن تتغير قصي عليها قصة فتاة تائهة ظنت أن الحرية مجون وخلاعة إلى أن قادت نفسها للأسر بملء إرادتها .

سأتزوج من عزيز هذا ما اتفقنا عليه ، لهذا أنا متوجهة إلى أهلي وسيلحق بي غدا ، كل ما أحتاج إليه دعواتكِ لي بأن يتم الموضوع دون أن يعلم أي شخص بالفضيحة التي تنمو في رحمي .

لن أرتدي الأبيض ولن يفرح بزفاف كبقية أبناء جيله ، كما أنني لن أسمح له بلمسي بعد أن أصبح زوجته ، سأجعله يدفع ثمن ما فعل ..أقسم لكِ بذلك ".

- ياااه يا غادة كأنكِ كبرتِ فجأة . وضعت رسالتها جانبا .. ألقت نظرة على الشقة الواسعة لها وحدها ، كيف ستتدبر إيجارها ؟.

كل الأيام دونه تشبه بعضها تشرق الشمس ،تذهب إلى العمل وفي المساء تعود للشقة الفارغة وحيدة .

تخاطب الجدران تستغيث الباب أن يحمل لها وجهه ، أو رنين هاتف يهزها بصوته : لم يؤنسها صوت التلفاز ، وحتى باقي الأصوات التي تصلها من شقق الجيران ، تخيلت أنها تقدمت في العمر ، تجلس وحيدة لا أحد يعيدها وقد تموت ولا تدلهم إلا رائحة جسدها المتحلل .

أمسكت الهاتف وطلبته ، هاتفه خارج التغطية : لو أنه أحبني فعلا لما ابتعد كل هذا الوقت وحاول أن يناقشني على الأقل لنصل إلى حل يرضي الطرفين ، لماذا يُــسخّرون كل ثانية لهم معنا في حماية كيانهم من التجاوب لمشاعرنا تجاههم وعندما نرغب بهم كثيرا يركبون أسرع وسيلة نقل ويرحلون؟

كانت في غرفتها عندما رن الهاتف تعثرت في هرولتها تناولته ودون أن تنظر الى الرقم :ألو اياد ..

نبرةُ حزينة ليست بغريبة على سمعِها وكأن الماضي يتسلل إلى حاضرها ليقول ساخرا : اياد مَن هل نسيتني ..نسيتي حازم !

سبب سقوطها في الهاوية عاد يحلق من جديد على مقربةٍ منها ، يوهمها بأنه يبتعد ليباغتها بالهجوم .

- ماذا تريد حازم ؟ كانت نبرتها هادئة على غير ما توقعت ، وكأن مرضه يربت على كتفها لتترفق به .

- لا أريد إلا أن تسامحينني فقط ، لم يعد مرضي خافيا على أحد وأعلم أنكِ تحملين في قلبك تجاهي الغضب والبغض ، أستحق ذلك ولا ألومك ، ولكنني أطلب منك السماح ، لم أطلبه من غيرك وكلي يقين بأنني لم أؤذِ إلا أنتِ ..أحببتُك وهي الحقيقة الوحيدة في حياتي وسأغادرها الآن وما زلتِ أنظف من عرفت وأنقى من التقيت .

ضعفه غطى جروحها ، نبرةُ الإنكسار في صوته سحقت رغبتها في الإنتقام ،كل نواياها في رد الصاع صاعين عندما يتصل أو تلتقيه تحول إلى رغبة قوية في الوقوف إلى جانبه في مرضه وتشجيعه على أن يكون قويا وأن لا يستسلم ، هذا الحازم بدا متهالكا بائسا لا حول له ولا قوة على التجبر والبطش وسوء المعاملة ، جل ما يريده منها الغفران ، تمنت لو رددت على سمعه كلمات قالها ذات فرقة " الله الي يسامح أنا ما عندي سماح " : لم ترتكب في حقي ما أسامحك على فعله ، ما حدث قسمة ونصيب ، افتعلت ضحكة : ما بالك فقدت روح البهجة إضحك لا تفقد الأمل ستشفى .

- طيبتك تقتلني أكثر من مرضي ،كيف هُيء لي أن تصاريف الزمان ستسلبكِ ملائكيتك ! وددتُ لو أنني لم أتصل ، حاولت أن أقنع نفسي أنه لم يمر طيفك في حياتي ولم تكوني مميزة وكل هذا في خيالي المريض فقط، أرجوكِ سامحيني ، قطع الإتصال صوت بُكائه .

ودت لو قالت له أنها سعت لتتغير وتصبح دون مشاعر ،أن تخبره أنه كان السبب في انسلاخها عن ذاتها لسنوات وأن ما حاول والدها تعليمها إياه حول وقوفها بقوة في وجه أي طارىء يحدث على حياتها لم ينجح في إمداد أقدامها بالعزيمة لتواجه غدره وخيانته ..ودت لو تخبره أنها عادت لتؤمن بالحب وأن إياد خلصها من شعور الهزيمة التي رافقها بعد الذي فعله وأنها الآن عاشقة ..كانت تود لو تخبره كل هذا ولكن ...اين هو إياد الآن ؟

أيام مرت عليها كعجوز بطيء الخطى تمسكه من يده تشده .. تدفعه من الخلف .. ويبقى صامدا كأنه يريد بخطواته الثقيلة إقناعها بحشو ذاكرتها ترابا .