الجزء الأول
- حضور غداء للتعارف بين العملاء ..لن يضيرك شيء .. لا أعذار هذه المرة يجب أن تحضري شخصيا ، كانت كلمات فداء الأخيرة من الاصرار ما جعل وفاء غير قادرة على اختلاق أي عذر جديد .
لم تتخيل أن تكون قاعة الإجتماع بهذه الفخامة ، تضيؤها ثريا فاخرة تتدلى من وسط سقف قبة زينت أطرافها تماثيل صغيرة من رخام أبيض توصف كيوبيد الحب وجه فتاة حسناء وحول الثريا مجموعة من الرسوم الهندسية الشرقية وقطع مزخرفة من الزجاج الملون الذي عكس الأضواء المنبعثة من الثريا كأنها وهج لنار تتراقص حول الحضور لتشيع بينهم الدفئ والألفة مما ساعدها على تخطي أولى مراحل التأقلم مع جو الحفل ..
عندما رأتها فداء من بعيد أقبلت اليها مسرعة وصافحتها وهمست في أذنها بكلام ذي مغزى : قد يحمل لكِ هذا الإجتماع مفاجأة تغير حياتك ...فارسمي على وجهك ابتسامة متفائلة حتى لو كانت إدعاء .
تركتها وذهبت لمتابعة الترحيب بوفود العملاء إلى قاعة الطعام.. ببعض كلمات نطقتها .. وقليل من الترحيب الحار بالضيوف .. الكثير .. الكثير من المراسم التي ترافق التعارف للمرة الأولى .. ومحاولة للإندماج المريح الذي عكسه جو المحبة بينهم لم تلبث أن فقدت شعورها بالضيق فأخذت تتصرف وكأنها تعرف الجميع منذ زمن بعيد ..
هكذا عودت نفسها لتتعدى شعورها بالخجل .. تُلبس نفسها قوة الشخصية والثبات في مناسبات كثيرة تحضرها ..رغم داخلها المشبع بالحزن والإنكسار إلا أنها كانت تُــقنِع من يسقط نظره على مظهرها الخارجي وأسلوبها ... أنها امرأة قاسية ذات شخصية حديدية يصعب التعامل معها والتأثير فيها وفي نجاحها وتقدمها بعملها حتى نعتها البعض بالغرور... كانت تضحك حينها في سرها وتترك المتحدث بكل هدوء وتنسحب ..
فقط فداء صديقتها العزيزة من اكتشف بساطتها القريبة من السذاجة المقيمة في داخلها.
جاء هو وسط أفكارها ليشتتها وكأنها ذرة انشطرت للتو .. ببضع خطوات والتفاتة .. وعطر سحق خطوط تركيزها على كلام لم تعد تدرك أهو لها أم يأتيها من عالم اللاواقع ..!
جمود نظرته وانسحابه من أمامها دفعها لتفقد ملابسها وتلمُّس شعرها، لم يكن أحدهم ليمر قربها دون ضوضاء تعكس حضورها على خطواته اختار أن يقف قبالتها ، لا ليس اختيارا .. بل خطوة غير مقصودة دفعتها للجلوس على أول طاولة مرت بها تضم عملاء تعرفهم من قبل وحدث لها ان تعاقدت معهم في أكثر من مشروع لشركتها ..إستفسار عميل عن المشاريع القادمة لم يساعدها لتخطي وجودهما في نفس المكان .
كنسمات الربيع المتسللة من النافذة أتى ليغيب .. إختفاؤه من المكان الذي كان يقف فيه دفع توترها ليزداد .. ليصيح كمكالمة هاتفية مشوشة الكلمات حادة الصفير .
أخذ من انتباهها الكثير لتترجم الأثر الذي تركه في نفسها ... وبقيت هي معلقة في اقتصاص أثره وانشغال عينيها في البحث عنه.
وأخيرا وقف هناك في زاوية أصبغت عليه هيئة نصب تذكاري لقائد روماني ببشرته البرونزيه وقوامه الذي ينم عن عضلات مخبئة حاول قميصه ان يسترها دون جدوى ، إنهماكه في الحديث مع فداء أخذ في التسلل إلى عقلها ليتنقل من منفى إلى دولة إلى وطن والنتائج جميعها تشير إلى أن رجولته بدأت بإجتياحها ، خوفا من أن تستسلم أدارت وجهها لتتابع بصمت ما كان يدور حولها .
جفلت وهي ترى نفسها تتزلج على مدرج جديد للأفكار تدور حول شخص غريب يتقن فن الإنزلاق من بين الحضور بسهولة يدور ويدور حول الجميع .. ليتابع فيما بعد ما أسمته إستعراضا غير مقصود للفت الأنظار إليه دون بذل أدنى جهد منه ..
إنتهت رحلتها الفكرية بعبور الهدوء من أمام طاولتها .. تصدت له تنهيدتها ... التي اختفت في آخر حروف كانت تحاول نطقها لرفيقتها وببعض النقاط الفاصلة بين السطور .. جلس قبالتها لترتشفت لغة حضوره..
بدأ حديثه مع رجل أعمال حول الفرص الإستثمارية المتاحة حاليا في البلد وسبل تطويرها والمشاكل التي يتعرض لها القطاع الصناعي كانت تظن أنه منهمك في التوصل إلى طريقة للتعاون مع رجل الأعمال الذي تعرف إليه للتو .. ثم غافلها بتوجيه حديثه مباشرةً إليها .. بدأ كمن يحاول أن يستحوذ على اهتمامها .
الصعوبات التي واجهها في نمو صناعته ثم تطرقه إلى التوسعة التي يطمح إليها في شركاته وكيف أنه يحاول أن يؤسس سلسلة خارج البلاد ، ليعود ويتحدث عن استعداده لتوقيع اتفاقية عمل مع شركتها لتتيح له الإستفادة من خبراتهم في التسويق والإعلان لمنتجات شركته ، صمت فجأة ونظر مباشرة في عينيها وقال :
- لم ألتقِ بك خلال زيارتي لشركتكم ! أين كنتِ تختبئين !
يا لجرأته ، كيف استطاع أن يتحدث إليها ويعبر عن ما يجول في خاطره بهذه السرعة وهذه المباشرة !
ضبابية نظرته جعلتها تتخبط بقصده من الكلام .. فهو سعيد وحانق معا .. رجل المواقف وطفل الملامح ..بريء ومحنك .. بعض دقائق بوجوده حتى أشعل في رأسها معركة لتصورات متعددة حول قصده ورغبته .. إمتهنت الصمت فانسحب تاركا لها ما بقي من تأثيره كرذاذ مطر منعش في بداية فصل الشتاء ..
أجفلت عندما وضعت فداء يدها على كتفها: إياد ...
- ماذا ؟ قالت وفاء
- ألا تذكرينة رجل الأعمال الصعب المعقد في تنفيذ أي صفقة ..
- آآآآه تذكرته ..كانت محادثتي معه على الهاتف كمن يسوق نفسه للعذاب ..مستهتر في أغلب أجوبته ولا يتحدث أكثر من دقيقتين مهما كان الموضوع مهماً .
إنطلق خيالها بجنون خلف جسد ابتلعته الأروقة وظّل صافح الأرض ثم طار ملتصقا بخطواته مباركا مسيرته ..
كان البيت خاليا ..لم تعد غادة بعد ، رفيقتها في السكن تمضي الكثير من الوقت خارجاً تتنقل من شاب لآخر ، أما هي فتعشق المنزل تجد فيه راحتها ، تطمئن عندما تتيقن أن لا عيون حولها تترصد حركاتها وتراقبها..
رمت بنفسها على كرسي قريب وفكرت كيف أن للحب نتائج عكسية يخسر فيها من يتصف بالوفاء ويستمر حتى يصل للنجاح في مسعاه كل خائن وغدار .
صديقتها غادة من الأشخاص الذين يصيبهم الملل في الحب بسرعة ..
إن صحَ تسميته حبا !! تعشق التغيير ولا تستطيع أن تمضي في علاقة أكثر من أربعة أشهر على أبعد تقدير ، تختار رجلا جديدا قبل أن تنتهي من الذي قبله .. تنصب حوله شباكها وتصيده بسهولة ومهارة .. تتخطى انكسار قلوبهم دون أن يأخذها بهم رأفة ولا رحمة تتجاهل توسلاتهم لتبقي على حبها لهم لكنها كمن يلبِس قلبه ما يناسب حضور كل رجل فيهم تقنع أي رقم منهم بأنه حبيبها الأول..
تمتهن التقلب على مزاجه حتى يخالها تقرأه دون عناء ... ترمي ما انتهى زمنه و(موديله ) – حسب تشبيهها - في سلة خاصة تتبرع بها للجمعيات الخيرية التي تقوم على انتشال النساء التعيسات اللواتي يشكين من فقر المشاعر تجاههن ...فرجل بقلب مكسور على استعداد للتخلي عن كل الأحلام التي رسمها لزوجة المستقبل ويرتبط بالمتوفر على وجه السرعة لدحض حقيقة أنه غير مرغوب فيه...كانت تقول : ألا تلاحظين أنني أحل مشكلة العنوسة بطريقة ذات نفع على بنات جنسنا ...
لو تعرفت غادة على حازم هل كانت ستنجح في تطبيق نظريتها عليه أم أنه سيقلب سحرها عليها ؟ آآآه يا حازم يا وجع القلب و طعنة الحب في صميم النصيب ..
موجات من الذكريات دفعت بالزمن إلى حافة الإنتقال لتلك اللحظة ... يوم لقائها بحازم
شاب مليءٌ بالحيوية يعطي الحياة صورا عديدة للتحرر من تقاليد مجتمع فرض على رومانسيتها المفرطة وأحلامٍ ترتجي تحقيقها حدودا وضوابط ... حاول تغيير قناعاتها رسم لها عالما خاصا فصّله على مزاجها تحقق فيه امنياتها حتى جذبها لتجربة الحب الأول ..
ولعل جرأته الوقحة هي ما ميّزه عن غيره ولفت انتباهها لوجوده في محيطها لم يكن ليتصرف أي شاب معها بحرية كأنه يفرض نفسه على قلبها كما فعل .
إبتسمت عندما تذكرت خلافهما الأول رفضها لتناول فنجان قهوة قدّمه لها عند زيارتها لمكتبه أثار جنونه وحنقه ... لم تعلم للآن لماذا رفضت تناوله ؟ ..أكان دلالا أم ضيقا من تصرفاته التي أشعرتها بالحرج ... أم خوفا من مشاعر حب قد يكون استثنائيا في إيلامها ؟.
كانت تتساءل كيف أصبحت حبيبته ولماذا اختارها لتكون زوجة المستقبل رغم كثرة النساء من حوله وتعدد علاقاته ... أهو أسلوبه ليتمكّن من الحصول على فتاة لا تؤمن بتسليم نفسها إلا لشريك حياتها؟؟؟ .... كانت ردات فعله الحانقة على رفضها المتواصل لمحاولات إقناعها بأن تتصرف بحرية أكبر معه واعطاء نفسها مساحات أوسع في تقبّل ما يبذله من جهد للوصول إليها بصدر رحب لتنعم بحلاوة الحياة وتشعر بأنوثتها تفتح مداركها على نيته التي بيّتها لها ، وتؤكد شكوكها مرة بعد مرة عصبيته غير المبررة عند رفضها لإقتراحه أن يخرجا وحدهما ليريها عش الزوجية ..
إجابتها الهادئه على مطالبته بحقوقه عليها كشريكة حياة ، حفزت تفجير كلماته البذيئة لتصيب حبه في مقتل في كل مرة يرددها على أسماعها ، وتعود لتؤكد له ببرود : العلاقة التي بدأت بالتوسع في فرض حقوقك علي ( حسب ادعائك ) ...وإصرارك على تلبيتها من طرفي يعطيني شعورا منذ بدأنا أن هذه العلاقة ستنتهي قريبا .. لماذا تصرّ على تنفيري منك وتمضي نحو إنهاء العلاقة !!
تسمع صوته يشجعها وهو يختنق بهمسة هدوء مصطنع : لماذا تعقدين المسألة كل ما اطلبه منكِ منحي قُبلة ، قُبلة واحدة صدقيني لن تشعري بالندم ولا بتأنيب الضمير ، ولن أغير نظرتي إليك ستبقين الفتاة المحافظة المحترمة التي يقدرها الناس ويحلفون بحسن أخلاقها وتربيتها العالية ..
- مسكين أنتَ ومن أخبرك أن نظرتك إليّ تهمني أو أن حديث الناس عني من يمنعني من تلبيتك ، هي نفسي من أحافظ على نقائها لأعيش بسلام دون تعذيب ضمير وجلد لذاتي في كل ليلة أضع بها رأسي على وسادتي ، لن أهبك بإسم الحب ما ليس من حقك ..
حضنت نفسها بعد أن شعرت بلسعات برد مرت من فتحة صغيرة في النافذة مذاقها فوق جلدها نفس مذاق اللسع الذي كان يخز قلبها عندما كانت تفاجأ به يسبقها إلى المناسبات والدعوات التي كانت تتلقاها.
لم يتوانَ عن محاولة استئثاره عليها وخنق حريتها ، شعورها بالضيق من هذه الملاحقات بدأ يقلقها ، قالت لنفسها : حتى خِلتُه ظلي الذي يتبعني أينما ذهبت و صوتي الذي أخاطب به قلبي ... نظري الذي أينما صوبته لا أرى إلا وجهه وعيونه الباسمة ولم أعد أتذوق إلا حلاوة كلامه ...تنهدت بحرقة : كلمات ...كلمات ...ولدتُ ومتُ في كلماته وفي الواقع أنه تزوج من أخرى عندما واجهته الحياة ببعض صعوبات كان يجب عليه تجاوزها للوصول إليَّ ..
....حاولت تناسي آخر عبارة سمعتها منه قبل أن يُعلن انسحابه : فتاة نظيفة مثلك لا يجوز أن يدنس حياتها شاب بسوء أخلاقي ... عبارة فصلتها عن الحياة .. نطقها وحاول أن يصاحبها بدموع لا تذرف .
سوءُ أخلاقه لم يكن خافيا عليها منذ تقبلته كزوج المستقبل ، طيبتها دفعتها للإعتقاد أن اعترافه بخطئه منذ بداية العلاقة يعتبر أولى محاولاته لإصلاح ذاته و ترقيع الخلل في أخلاقه ..
إلحاحه وترديده لحاجته إليها إلى جانبه في مشوار توبته كان محض كذبة صدقتها بعدما التمست منه رغبته في بناء عائلة نظيفة بعد ماضٍ لا يشرفه .
لم يستطع فصل الماضي عن الحاضر في الحقيقة أنه لم يرغب بذلك منذ البداية وبقي يعيش في ضياعه ورذيلته حتى بعد أن تزوج...
فرضت ذكراه نفسها عليها كأن - حازم - أرسلها لتشدها إلى لحظة سقوطها على الأرض مغشيا عليها والتشخيص إنهيار عصبي حاد ... لمست جبينها حيث إصبع الدكتور يدق عليه بإنتظام لتستفيق من غيبوبة خذلانٍ قاسية ، لم تكن الحبوب المهدئة لتساعدها على تجاوزها ، ولم تنجح والدتها في مواساتها بفقدانه وتذكيرها لها بأن إنفصالهما الآن قبل الزواج ومعرفتها لحقيقته نعمة يجب أن تشكر الله عليها وأن تكون درسا لها في عدم الإنصياع وراء مشاعرها في المستقبل.. لم يشعر أحدهم أن مجرد ذكر اسمه يولد لديها أفكارا انتقامية .... وجاءت ردود أفعالها على شكل قرارات خسرت فيها نفسها ودفعت بها إلى متاهات الضياع .
أخذها الشوق للحظات ضمت أحلامهما معا فتوجهت إلى صندوق تحتفظ به أسفل سريرها أخرجت منه رسالة الوداع التي كتبتها له لم يكن كبرياؤها ليسمح لها أن تسعد نفسه المريضة بتصور أنها ما زالت تحن إليه وتحتاجه قربها وأنها تتمنى لو يعود :
راحلة أنا نحو الأمس ... حيث لا أنت ولا شيء يشبهك ..لا لحظات تذكرني بك ..لا رائحة تشبه عطرك .. ولا عيون أسافر ببسمتها كلما التقيتك ....
لا فنجان قهوة أسود ..ولا رائحة تبغك تأخذني معها إليك .. غائب أنت ..
تائهة أنا .. أبحث عن أي شيء يوصلني إلى تاريخ ضمني في قصاصات الأيام المتقطعة لحضورك !!
عائدة لفصل لا يسبق الخريف ...ولا يتبع الربيع .. لا يشبه الصيف .. وليس جزءً من الشتاء .. فصل كان لي منفردا .. تشرق الشمس صباحا لأستمع لصوتك ..وتغيب عندما يحين موعد نومك .. تمطر عندما تمسك يدي ونمشي تحت ظلال العمر نختال على أرصفة الذكريات .. أيام لم تكن ضمن أجندة سنة كان مفترضا أن تبدأني بك ...
أسابيع لقائنا ...كانت ساعات فقط لنختار وقت الفراق .. نزِفُه كما صغير حلمنا أن نحمله سويا يحمل اسمك .. وملامح وجهي .. يركض نحوك .. ويدفن نفسه في حضني ..
آآآه منك .. ألا تعلم كم هو مؤلم أن تغيب هكذا دون أن تخبرني أين أنت ؟ وكيف أنت ؟ .. وأصبح أنا كمن يبحث عن أخبارك في رسوم الفنجان .. وخطوط كف صافحك يوما بشوق !! وبعد أن كنت أول من يسمع منك كل حدث يمر عليك في يومك ... أصبحت أتلمس من الأحلام أن تطمئنني وتطفئ النار المشتعلة في صدري ...
وأرحل نحو الأمس .. في محاولة بائسة .. لمحوك ... وإرجاع الوقت لما يسبق اللقاء بك .. والغريب أني وقفت في ذلك الحد الفاصل بين حضورك ... وغيابك ... وفي رحلتي للبحث عن طريقة تزيل وجودك من مخيلتي .. تركتها بضعف تأخذني لأول مرة شاهدتك تنظر إلي وتبتسم !
ياالله كيف لم أعد أحمل له إلا مشاعر متضاربة بين النفور منه والحزن عليه .
منظر النار يلتهم الرسالة البالية سلام اجتاح قلبها .. حملها الفُتات المتطاير أمامها إلى نفسها : لماذا احتفظت بها إلى الآن !! هل كنت أحاول تأديب نفسي وجلد ذاتي أم أنني أختبر رد فعلي امام كل ما يخصه حتى لو كان مني إليه ؟!
- شتان بين الرجلين إياد وحازم كل منهما شخصية تناقض الأخرى ..لسعتها النار التي أتت على الورقة وقالت تلوم نفسها : وما ادراكِ انتِ أنهما مختلفين هل حديثك وإياد لعشر دقائق كفيل بإطلاق الحكم على شخصيته وأخلاقه ؟!
وجدت نفسها في الأيام القليلة التي تبعت يوم الحفل تلاحق أخبار إياد وتتعاون مع أي شخص من الممكن أن يوصلها إليه واشتراكها في أي عمل قد يجمعها به .. هي أنثى تشد الألباب والأفئدة بحنكتها وأسلوبها اللطيف في التعامل مع الجميع .. وهو رجل يتقن فن المراوغة .. قد يكون عن دراية منه لما يعتريها فيعمل على جذبها دون عناء .. أو قد يكون عن جهل منه بسبب أحداث حياته المشوشة كما وصلها من عدة مصادر !!
تشرق شمس وتغرب أخرى وكل يوم يحمل لها صورة حية له ، بعض حركات مبعثرة ، .صورة مشوشة للقائهما معا منذ ما يقارب الشهر ساعدها على عودتها إلى طبيعة حياتها واندماجها من جديد :
- هذه المدة الزمنية كفيلة بمحوه كما حدث لغيره من الرجال الذين حاولوا التقرب مني وفشلوا ، لكنه لم يفعل ما يدل على إعجابه بك فقط كلمتان ونظرة .. هو خيالك الخصب من أبدع في تشكيل وتحويل مشهد عادي إلى رومانسي لأبعد حد .. يالكِ من بائسة تلتقط ما يطيب لها من فتات كحمام الساحات وتطير .
حاولت أن تمحو أثره أن تحوله إلى نص أن تشكله كيفما تشاء ...منذ نعومة اللغة التي تصفه إلى كهولة الكلمات التي ستعمل على استخدمها لإبعاده :
- اعتقاداتي بك لم تزل وليدة الآن .. مسجونة في الذات .. تحييها بعض مواقف منك .. وتقتلها ردود أفعالك غيرالمتوقعة ..
- مهووسةٌ أنا عن أية ردود أفعال أتحدث ، ولم ألتقيه إلا مرة واحدة كيف أعطي قلمي الحق بتصنيف ردود أفعاله ...
بدأّ شعور غرور الأنثى يتسلل إليّها .. لو أنه حاول فقط أن يشعرني بأنه يتوق للحديث معي أو حتى لاحقني كما فعل بقية الرجال لما التفت إليه .
أخذ جدول أعمال الفترة المقبلة المزدحم بترتيب اجتماعات مع رجال أعمال في الإسبوع المقبل كل انتباهها حتى طرق إسمه باب قلبها إستفزه كأنه يقف على العتبة يطلب الأذن بالدخول كإعصار حبيس ال ( الآه ) ليلجها ويعصف بها .. يرميها بكل اندفاع الخوف من الإستسلام بين يديه فوق حروف اسمه على لوحة المفاتيح تركت أصابعها تمزج الحروف مع الأرقام في رقصة بدائية غريبة تحاكي الفوضى التي تستهلكها .
صوت صفير من بعيد أيقظها من أحلامها ..كانت فداء تضحك ..وهي تقول :
- الله الله ..أرى نتائج مفرحة تظهر على وجهك منذ فترة ، هل من بشرى تزفينها إلي .. إختتمت جملتها بغمزة ..
- عن ماذا تتحدثين ؟ ، قالت لها وهي تغلق الشاشة أمامها بعد أن وجهت اللوم لنفسها على ترك خيالها طليقا ..
- قالت فداء : أنتِ تعلمين عن ماذا أتحدث .. من خبرتي المتواضعة في أمور القلب - وكأنها تؤدي دورا على المسرح .. سعلت على طريقة الممثلين- فأنا أرى أنكِ قد ركبتِ أول وسيلة نقل نحو قلبه ألا وهي التفكير العميق به ...
ثم نظرت إليها بحنّو ، وقالت : عزيزتي إذا شعرتِ بشيء لذيذ يدغدغ قلبك ...فلا تعملي على وأده دعيه يكبر حتى يحتل كل جسدك ... واستمتعي باللحظة .. بعض المشاعر لا تتكرر ...
- اووه أين ذهبتِ في تفكيرك ... لم أكن أفكر في شخص ما ..كل ما هنالك أنني كنت اتساءل عن تجهيزات لقاء الأسبوع القادم وما ينقصه ..
ضحكت فداء بصوتٍ عالٍ أحرجها : هناك علامات لا يمكن إخفاؤها أو مُداراتها ..ستطفو حمرة خدودك على السطح قريبا عند رؤيته أو ذكر إسمه ، هذا سيساعدني على اكتشاف من هو سعيد الحظ الذي اختطفك من حياة البؤس التي تغرقين نفسك بها ..
- لئيمة ، أخرجي من هنا لا اخبئ ما يستدعي أن تتعبي نفسك في البحث عنه واكتشافه ..
- قالت وهي تتوجه للباب : حسنا ...حسنا سأنتظر حمرة خدودك وبعد ذلك سنقرر ..
غطت خدودها بكفيها وكأنها تحجبها عن فداء التي دقت بأصابعها على زجاج مكتب يفصلهما و بفرح غادرت .. فوق شفتيها ابتسامة ذات مغزى ..
فداء أجمل ما حدث بعد فترات توالت التقت خلالها بمدّعيات وأشباه صديقات استخدمن ظهرها مِطية ليصعدن نحو أهدافهن دون مراعاة لمشاعرها ..
لم يخطر على بالها أن المرأة ذات الملامح الدقيقة الجامدة كدمية و الجدية الرسمية إلى حد الجمود في طرح أسئلة متعلقة بمقابلة عمل وإغراقها في سيل من الأسئلة الشاملة حتى في شخصيتها .. بالإضافة إلى مكانتها كمدير للشركة جعلها تخشاها وتحاول أن يقتصر لقاؤهما إما سريعا في الرواق حيث تمر بها فداء كأنها لا تراها أو عندما تطلب منها ملف معاملة أنجزته بعد دراسته .. ستكون صديقتها الحميمة.
بارعة جدا في مداراة إنسانيتها بشخصية حديدية ، أنيقة إلى حد الترف إمراة تشغل منصبا مهما بارعة في التعامل مع الأزمات ومشاكل العمل بحنكة ودراية أثار إعجابها وحنقها معا تمنت لو أنها عملية كفداء .. تقف على ركام مشاعرها لتطل على سهول الإنطلاق والإنفتاح.
ملاحقتها لأخباره جعلتها تتعامل مرغمة مع أشخاص على صلة به فقط لتحصل على معلومات تخصه، وفي نفس الوقت كانت تتهرب من اي محاولة لترتيب لقاء بينهما..أو تدّعي الإنشغال عند اتصاله بمكتبها وكأنها تخشى أن يسمع التوتر الذي يلعب بأوتارها الصوتيه إذا أجابته : وفاء مكالمة من السيد إياد رفعت يدها بشبه سماعة على أذنها للسكرتيرة : أخبريه أني مشغولة بمكالمة أخرى ..
الأوقات التي تشغل نفسها في التفكير بسبب لتهرب منه تضيف لها لحظات خاصة للحديث مع طيفه ، هل يعلم مقدار الضياع الذي تشعره لو أنها فتحت لصوته الباب لقلب أفكارها رأسا على عقب .
غريبة هذه النفس البشرية تركض وراء كل بعيد وعندما تصل له تغير وجهتها ...خوفاً من فقدانه أو حتى خوفاً من امتلاكه ..كانت متوجهة إلى مكتبها عندما لمحته في غرفة الإستقبال ...انسحبت مسرعةً وإختبأت في غرفة الملفات.. تساءلت بعد أن أصبحت في مواجهة كومة من الأوراق : لماذا أفعل هذا يا لي من غبية وضربت بباطن كفها جبهتها : هل أحتاج لمواجهة نفسي وإجبارها على التعامل معه .. وإزالة كم البيانات الهائلة المتعلقة بحياته الخاصة الى كثير من القوة والدهاء لتجاوز المتاهة التي دخلتها بملئ إرادتي .. ألا يمكنني ان أتعامل معه برسمية كما كنت فيما مضى ، بدلا من الإستمرار في الفرار منه ؟!
أخذت نفسا عميقا ، فتحت الباب و توجهت إلى حيث كان يقف خلو المكان أفقدها توازنها .. إلتف كاحلها وأوشكت على السقوط لولا أنها أمسكت بمقبض باب قريب بحثت بعينيها في الرواق وفي غرفة مكتبها ظنا منها أنه ينتظرها تعاظمت خيبتها بعد أن أخبرتها السكرتيرة أنه غادر منذ قليل ..
- كان يجب عليه أن ينتظرني ..كيف يغادر هكذا دون أن يراني ،شتمت نفسها : ولماذا سينتظرك ، لا لا ليس هذا السؤال الصحيح ،و بدأت تحاور نفسها : بل لماذا أعطيه أنا كل هذا الإهتمام ، أتى أو غادر ما علاقتي أنا!.
لم تسمع غادة تحيتها عندما دخلت إلى المنزل إنتباهها المشدود إلى شاشة التلفاز وما تحمله من صور واحداث مأساوية واخبار متوالية عن المواجهات بين الجيش السوري والشعب والاحتجاجات الشعبية في درعا بخروج الآلاف إلى الشوراع وموجات الإعتقالات الجماعية والمواجهة بالسلاح من قِبل الجيش الحر، جعلها لم تشعر بقدوم وفاء ،.... يا إلهي ، لا ليست سوريا.
- أجفلت غادة وكأن وفاء دخلت للتو : أنتِ هنا ؟
- نعم عدت قبل قليل.
- لم أصدق ما أشاهد على الشاشة رأيت الكثير من الشعب الأعزل مسجى بدمائه شيء لا يصدق .
- نظرت وفاء لساعتها متعجبة :أفهم من حديثك أنكِ عدتِ باكرا ، أنتِ هنا في هذا الوقت ماذا حدث !! ..
ضحكت غادة بكسل وأجابت : نعم أنا هنا في هذا الوقت لأنني مللت السهر والتنقل بين المطاعم واشتقت للمنزل ، نظرت إليها بطرف عينيها .
- لا أنتِ تكذبين هناك أمر ما، أجابتها بقلق ، الم تشاهدي وجهك في المرآة اليوم ؟ ارى علامات التعب حول عينيك وكأن الليل يطوقهما بشيء من سواده
أجابتها غادة متلعثمة : على أي أساس أطلقتِ حكمك هذا عليّ ؟ وأكملت بعصبية أنا أعلم برغباتي منكِ .. كل ما في الأمر أنني لم أسترح من المعجبين والمحبين منذ مدة طويلة وكان هذا هو الوقت المناسب لأجلس فيه مع نفسي قليلا وأعيد التفكير في كثير من الأمور العالقة ، قاطعها رنين هاتفها وكأنها وجدته حجة للهرب التقطته وهرولت إلى غرفتها.
أخذ إعداد الطعام منها وقتا طويلا متنقلة بين شاشة التلفاز والمطبخ لمتابعة الأحداث المأساوية التي بدات تفتك بسوريا الحبيبة ، دعت الله أن يحمي الشام وأهلها ويعيد لهم الإستقرار .
لم تجب غادة نداءها لتناول الطعام ، وبدأ صوت بكائها يعلو كلما اقتربت من باب غرفتها بهدوء، توقفت قبضتها في الهواء قبل أن تدق الباب : أمن المعقول أنها تبكي ؟
دقت الباب ونادت مرة أخرى ..
لحظة صمت ثم سمعتها تجيب بصوت متحشرج :
- لست جائعة وفاء .
- هل تبكين ؟
ردت من بين ضحكة مفتعلة عالية متقطعة: لا حبيبتي ولكنني أحاول أن أنام .
همت بفتح الباب ولكنها تراجعت : ستتحدث لي عندما تكون جاهزة .
إنشغلت بغسل الأطباق عندما رن هاتفها الشخصي ، لم يكن الرقم مخزنا ،ردت بثقه : ألو ...
سكوت من الطرف الآخر ...
فأعادت بحزم : ألو من معي ؟
جاء صوته ليزلزل كيانها : أنا إياد ..
أبعدت السماعة عن أذنها لتتأكد من أنها سمعت الإسم بشكل صحيح ..ثم أعادتها عندما سمعته يسترسل في الكلام : أعذريني على الإتصال على هاتفك الشخصي ولكنها كانت آخر الطرق المتاحة بعد أن حاولت طلبك على هاتف العمل دون جدوى .
أخذت نفسا عميقا وحاولت السيطرة على أعصابها ..خافت أن يسمع دقات قلبها المتسارعة فوضعت يدها فوقه تهديء من روعه ..
- أما زلتِ معي !
- نعم أنا هنا ولكن يجب أن أخرج .. عنفت نفسها بعد أن ضربت قدمها في الأرض : إلى متى ستتهربين منه ؟ ...
- قال لها : لن آخذ من وقتك الكثير ..ثم أضاف بحزم : لو سمحتِ .
- تفضل ، قالتها باستسلام ، لكن موعد الإجتماع لم يقرر بعد ..
- أعلم وليس من أجل هذا أتصل ، سأدخل في الموضوع مباشرة أنا بحاجة لمديرة مكتب وقد رأيت شخصيتك وعلمت أنكِ ذات خبرة عالية في هذا المجال لهذا فأنتِ أقوى المرشحين لإستلام هذه الوظيفة..
ثقته بنفسه وطرحه للموضوع وكأن قبولها أمر مُسلم به زاد من توترها ...
- تتقنين فن الصمت ، أضاف عندما قابله سكوتها
أعادتها كلماته لتذكرها أنه على الطرف الآخر من الهاتف ، قالت في نفسها : لو تعلم كم أنا ثرثارة لتعجبت من الصمت الذي يجبرني عليه حضورك .
- أعلم أنني فاجأتك ، ولا أطالبك برد سريع ، خذي الوقت الذي تحتاجين للتفكير لست في عجلة من أمري ..نفسي طويل وخاصة عندما أؤمن بتحقيق مرادي .
جاءها صوت انقطاع المكالمة وكأنها في حلم متقطع ، تصحو خلال أهم أحداثه أكثر من مرة لتعود وتكملها إلى أن توقف في أهم حدث فيه ..
- ظهوره في مداري يصيب عقلي بالجنون يدفعه للدوران حول معطيات كثيرة يفرضها تواجدي معه في نفس المكان لخمس دقائق فقط .. ويريد مني الآن أن أتقبل فكرة دراسة كم هائل من المعطيات من خلال عرضه لعملي معه في نفس المكان لأصل للنتائج التي تجتهد مساحات ملأتها حروف صبها دون وعي لتفيض من حدود وضعي في مواجهة دائمة أمام .. ماذا يقصد .. إلى .. لا أفهمه !!
رن الهاتف مرة أخرى اعتقدت أنه عاود الإتصال ..ردت بسرعة لتخبره أنها ترفض العرض ..
- ألو ...وفاء ، قالت والدتها بقلق ..
وكأن والدتها جاءت لتنقذها من موقف حرج وضعت نفسها فيه ..
- أمي اشتقت لك ..
- من يشتاق يسأل ...ردت أمها عاتبة
- أعلم بتقصيري ..ولكن سأعوضك عن كل عقوق الأسابيع الماضية ..
- كيف ذلك ؟
- سأعود للمنزل آخر الأسبوع الحالي اشتقت لعجلون وكم أريد أن أذهب في نزهة طويلة إلى الجبال .
سعادة أمها فاقت توقعها ..
وأغلقت السماعة بعد أن قامت بتعداد الأطعمه التي ستحضرها لها إحتفالا بحضورها ..