الفصل الثالث

7 0 00

الفصل الثالث

وشعرت سوزان بالتمزق، فقد كانت بحاجة إلى الحديث مع لازلو، ولكنها تخاف من البقاء معه وحدها. لقد كان مجرد التفكير في هذا يرسل قشعريرة في جسدها.

قال لها بصوت أجش:" تعالي".

ووقف بعيداً عنها مسافة متر أو نحو ذلك، فقد مد يديه نحوها، وهوى شيء ما في داخلها فأصابها الدوار للتفكير في ما ينتظرها.

وقالت:" إن طلبي الرقص معك لم يكن سوى عذر".

فتمتم قائلاً:"أعلم ذلك، ولكن عليك أن تحققي هذا الأمر قبل أن نخرج من هنا، ثم سانتحدث ".

فقالت بصوت أجش:" لاأريد أن أخرج معك".

فأجاب:" ولكنك ستفعلين وأنا أصر على ذلك".

وخفضت ناظريها وقد تشوش ذهنها، وكما لو كانت تنكر بعناد اهتمامها به.

كان بإمكانها أن تنتزع نفسها بعنف و تعبتعد عنه لو لم تشعر بما يشبه الدوار وقد تعلقت عيناها بعينيه المغناطيسيتين مما جعلها لا تستطيع سوى أن تجاريه في كل حركة من حركاته ممتثلة طائعة.

وفجأة شعرت بصفق أبواب خلفها و بالهواء البارد يلفح جلدها الحار، ففتحت عينيها مذعورة لتكتشف ذاهلة بأنهما قد أصبحا في شرفة الباب الأمامي، والهواء يعبق بشذا الأزهار.

ولكنه لم يتركها، وتأرجحت هي لحظة صامتة ساهمة، وقد انتابها شعور بعدم الارتياح.

نظرت في عينيه اللتين سمرتاها في مكانها وكأنهما قد شدتا إليه بالسلاسل، وقال بصوت أجش:" إنك امرأة مدهشة جداً، فأنت فوق ما تصورت".

فأجابت بلهجة ساخرة:" تذكر عندما نلت من غرورك، مرة وأفسدت عليك لذة المفاجأة السخيفة تلك؟"

فضحك بهدوء، ثم تركها على نحو مفاجىء هابطاً السلم نحو الطريق، وأدركت أن عليها الآن أن تواجهه خارج المنزل هذه المرة.

وناداها معنفاً بقوله:" هيا ياسوزان إنك تعلمين أن علينا القيام بذلك".

فوجئت وكان هو مستنداً إلى شجرة كستناء عتيقة، بينما النور المنبعث من الشارع العريض المشجر، يعكس الضوء على وجهه، وتمالكت أعصابها، ثم هبطت درجات السلم، لتتوقف على بعد خطوات منه، وكانت أذيال ثوبها الهفهاف يحركها نسيم الصيف الدافيء وغمرتها الأحاسيس إزاء نظراته، ورائحة الحشائش وقد جزت حديثاً.

واستدار سائراً بصمت نحو البحيرة، وتبعته هي حيث لم يكن امامها خيار آخر ، وقد صممت على أن تحل هذه المشكلة بشكل أو بآخر.

وقال بهدوء:" لقد تأخرت في الوصول".

وشعرت بدمها يغلي في عروقها وهي ترد عليه قائلة:" إنني لست دمية تسير على الساعة.."

فقال:" ولكنك كنت تعيشين بهذا الشكل كما فهمت".

فأجابت:" اسمع إنني لست لعبة بين يديك ولا أريدك أن تسيطر عليّ".

فتمتم باسماً إزاء تمردها هذا:" عليك أن تعتادي على ذلك، فثمة أمامنا".

قالت تأمره باقتضاب:" تكلم لقد كنت تشير دائماً إلى أن هناك ما تعرضه، فدعنا نسمع".

قال:" كنت آمل ان اسمع خططك أولاً".

ورمقته بدهشة، ثم قالت بصوت متشنج:" يبدو أنك تراجعت ، إنني أعد للعشرة، فإذا لم تقدم إليّ أيضاحاً عن تصرفاتك الغريبة هذه، فإنني سأعود من حيث أتيت".

فتمتم قائلاً:" لا تثيري اعصابك، وفكي يديك وتنفسي وإلا أصبح لونك أزرق". وضحك عندما أطاعته، ولكنه عادت فغضبت مرة أخرى عندما قال:" أظنك تسعين إلى علاقات عمل هنا".

واتسعت عيناها وهي تنظر إليه، ثم سألته بهلع:" كيف علمت بهذا؟ ومن هو الذي كان يتحدث عني؟"

فأجاب:" إن لدي علاقات عمل مع أصحاب شركات للنسيج كنت أنت قد راسلتهم في هنغاريا".

وغاص قلبها بين ضلوعها وهي تتمتم:" آه.." لم يكن هذا ماكانت تريد سماعة، إذ بإمكانه أن يعسر الأمور أمامها ساعة يشاء، وتمتمت:" تابع كلامك".

قال لها:" إن بإمكاني أن أساعدك، وهذا ماكنت أعنيه قلت لك إنني المنقذ". وابتسم بتكاسل وهو يتابع " إنني منقذ مالي يقرض المال لمن يحتاجه".

سألته بغضب راجية ألا تكون كل القضية عبارة عن اقراض مال:" ولماذا تريد أن تساعدني؟"

فأجاب:" اعجاباً بالطموح وتقوية له".

فنظرت إليه بازدراء وهي تقول:" يجب عليك إذن أن تعجب باسطفان".

وضحك وحول الجاذبية غير العادية في وجهه و عينيه الصافيتين المسيطرتين اللتين أخذتا تحدقان فيها حول كل ذلك ، انتصارها إلى قلق.

وقال:" إنني أعترف بإمكانياته، ولكنني في هذه اللحظة مهتم بك أنت".

وتنفست بعمق وهي تقول ببرود:" هل لأنك تريد أن تجعل الشابات شاكرات لك؟ وهل تريد أن تستعبد بعض الفقيرات اللاتي تساعدهن؟"

فأجابت بجفاء:" لن أرد على ذلك ودعينا نستقر على بعض النقاط إنك تريدين أن تؤسسي عملاً من قريتك ، وهو ارسال البضائع بواسطة البريد، ربما لإقامة عمل مطلوب كثيراً هناك لكي تحققي أحلامك، وربما.."

وضاقت عيناه وهو يتابع:" ربما لكي تثبتي لأسرتك أنك لم تعودي طفلة".

وجفلت لسماعها هذا، ذلك أنه لم يكن ثمة من يعلم بهذا الأمر، فكيف تمكن من ذلك؟ وسألته بامتعاض:" ماالذي جعل هذه الفكرة تطرأ على ذهنك؟"

فأجاب:" هذا واضح، فأنت أصغر أفراد أسرتك إليه، وهكذا جمعت اثنين و اثنين معاً، ارأيت؟ إنني أدرس الطبيعة البشرية".

وقطبت جبينها وهي تراه يعالج ربطة عنقه لينتهي بأن حلها نهائياً، ثم وضعها في جيبه.

وسألها:" ماذا فهمت من هذا؟"

وازدردت ريقها وهي تقول:" معناه أن قياس ياقة قميصك صغيرة".

واضطربت وهي تراه يضحك بهدوء وهو يقول معنفاً برقة:" إن عليك أن تكوني اكثر مهارة مما أنت عليه إذا شئت أن تكوني ربة أعمال، عليك أن تتعلمي قوة الملاحظة والتأمل، والتفهم، كان عليّ أن اخبرك بأنني لا أطيق القيود، ولا التحكم، ولا العادات المتعارف عليها، تذكري هذا، ولا تدهشي إذا أنت رأيتني أخرج عن بعضها، هل صنعت هذا الثوب بنفسك؟"

وأجابته قائلة بهدوء:" نعم، وكذلك ثوب العروس و أثواب و صيفاتها".

وابتدأ ذهنها يعمل، إنه على صلة برؤساء مصانع النسيج، فإذا كانت ذكية، فعليها أن تترك فيه انطباعاً بأنها على دراية بالتجارة لتحصل على بعض الفوائد بسرعة.

ولكنها ستكون مجنونة إذا هي تورطت معه، وقطبت حاجبيها وهي تحاول أن تفهم تحركاته، ولكنها لم تجد أية علاقة بين هذه الحقائق وبين الكونتيسة.

وتنهدت شاعرة بالهزيمة، وهي ترفع نظرها إليه لتجده يتأمل ثوبها بإعجاب واضح، وكان نظره مركزاً على تفاصيل الخياطة.

وأخيراً قال:" لاعيب فيه"

ولم تستطع ان تدرك من النظر إلى عينيه المتحفظتين، ما إذا كان يعني الثوب أم يعنيها هي وتابع:" إنني سأساهم بنقودي لإنجاحك".

فأجابت ببرود:" وكذلك سأفعل أنا لو كنت أملك نقوداً، ولكنني لا أنوي أن أصنع الثياب بنفسي، فأنا أضع التصميم فقط، ثم أضع القياس للعمال".

فقال:" بالضبط ولكنك أن تقومي بذلك، عليك أن تكوني ذات مستوى عال ،أنت نفسك يجب أن تكوني على معرفة بالتصميم و التفصيل وتنتهي إلى دقائق المهنة، لكي تتعاملي مع الزبائن على مثل هذا المستوى، ولكي تنجحي تماماً عليك أن تناضلي ضد المنافسين لك، ويبدو واضحاً أنك تجهدين نفسك".

فسألته:" وكيف؟"

فأجاب بهدوء:" ماقد أنجزته حتى الآن، فقد درست اللغة الهنغارية، وخططت لمستقبلك وعملت وقتاً كاملاً أثناء إنهاء خياطة ثياب هذا العروس قد استغرق من وقتك ساعات طويلة لإنهاء شغل الخرز ذاك الذي يزينه، هذا على سبيل المثال..ثم إن ثوب الرقص الذي ترتدينه اليلة لاشك قد أمضيت ساعات طويلة في صنعه، ونجحت تماماً بذلك"

وردت عليه بحدة:" لقد أفسدت بكلامك هذا كل شيء، كنت أظن أن لديك شيئاً مهماً تتحدث عنه".

قال بهدوء:" إن عندي ما أقوله وهو أكثر أهمية مما تظنين بكثير، وهو ما أغامر في سبيله بالغالي و النفيس، لقد كنت مغامراً على الدوام، ولكن ليس كهذه المرة، و المغامرات لكي تكون ناجحة ‘ بحاجة إلى انسجام و ضبط للمشاعر ودراسة جيدة وحقائق ثابتة و مقدار كبير من الحدس وأولئك الذين يحيلونها إلى فن رفيع مثلي أنا على الاطلاع أكثر من غيرهم على نواحي الضعف البشري التي تجلب الفشل، وهذا ما جعلني أعلم أن باستطاعتي ان أوحي إليك في أول مرة تقابلت فيها نظراتنا بأن تخرجي خلفي للبحث عني وهو الذي يجعلني الآن مطمئناً إلى أنك ستوافقنني على مطلبي".

فسألته بلهجة عدم تصديق:" آه أحقاً؟"

قال:" نعم إنك لا تحبين الفوضى ولا الشغب ولا الغموض، يشهد بذلك التحليل الجاد المفصل في رسائلك إلى أرباب معمل النسيج مما يظهر بجلاء أنك امرأة قديرة منظمة تكره التشويش و تريد أن يكون ما تخيطه حسناُ مكتملاً".

فنظرت إليه بطرف عينيها وهي تسأله ببرود:" هل بإمكاننا أن نتابع الخياطة، إذن؟"

فالتعمت عيناه وهو يقول:" ولكن ثمة ماهو أهم في ذهني إذ حيث أنني ممول مغامر، فإنني أقوم بغامرات في السوق المالية وعندما تمتنع البنوك و رؤوس المال المغامرة عن دعم أي متقدم بمشروع طالباً تمويله عند ذلك أتقدم أنا لذلك، إنني أفوق أي شخص آخر في تقييم وضع ما، وذلك باستخدام مزيج من المعرفة و البحث والحدس هذا بالإضافة إلى أنه لا مكتب لدي ولا زملاء فأنا حر في القيام بما أشاء وهذ يجعلني أهتم بك".

كان هذا هو مشروعه: مجرد شؤون عملية!

وشعرت بالضيق تقريبا وهي تعلم أن اهتمامه إنما كان موجها إلى أسباب تجارية اكثر منه إلى جمالها الذي يدير الرؤوس و مرت على شفتيها أسف، من أين جاءها كل ذلك الغرور؟ ورمقته بنظرة ذكية وهي تقول:" وأنت طبعا تظن أنني موضوع مغامرة جيدة و.."

فقاطعها قائلاً:" إنني لا اعتبرك مغامرة على الاطلاق فإن باستطاعتك أن تحصلي على أي مبلغ تريدين لكي تبدئي به العمل، ذلك أن لديك الآن صهرا غنيا، وشقيقتك ماريان ستتزوج قريباً من فيكادو غابور الذي هو أحد أغنى رجال أوروبا وأي منهما بإمكانه أن يمولك".

فقاطعته بخشونة قائلة:" ربما بإمكانهما ذلك ولكنني لا أنوي طلب المساعدة منهما".

وتنحنحت متضايقة وهي تتابع قائلة:" إنني لا أريد أن يظن أي شخص بأنني استغل اموال الأسرة في تعبيد طريقي في الحياة".

قال وقد بدا في لهجته الرضى:" هذا حسن و لماذا؟".

فقطبت جبينها وأجابت قائلة:" وماذا سأحققه من وراء ذلك؟ إن البقية من أسرتي لم ينالوا أي عون من أحد فقد تمكنت تانيا من أن تؤسس عملاً لنفسها وماريان إرتقت إلى منصب مديرة تحرير بمقدرتها الخاصة حتى من قبل أن تلتقي فيكادو".

فتمتم قائلاً:" إنك لست في أسفل السلم تماماً".

فأجابت دون تواضع زائف:" كلا، فقد قمت بعمل جيد فعلاً وبما انك سبق و اطلعت على تفاصيل وضعي الخاص فلاشك أنك تعلم أنني عضو مرموق في دائرة الملابس الفولكورية في شركة اوبرا غلينديبورن ولكن كما ترى نهنا كان مقدار الأهمية لهذا، فإن اقتباس تصاميم رائعة من مجموعة من الأزياء ولو كانت غير محدودة ليس كما لو وضعت الثقة التامة في الشخص و أطلقت يده تماماً لتحرير طاقاته المبدعة ان معك حق في ما سبق و قلته".

وتألقت عيناها بعنف وهي تتابع قولها:" إن عندي كل الطموح لإدارة شركتي الخاصة وبالتالي لا يعود لقبي هو( طفلة) الأسرة".

فقال برصانة:" إنني لا أرى أية طفلة، وأنا أدرك تماماً ما الذي تتحدثين عنه ذلك أن كون الشخص هو أصغر أفراد أسرة كبيرة هو مما يبعث على الإعاقة و الإحباط ، إن الولد الأصغر محكوم عليه بأن يكون الأخير في كل شيء".

وهتفت:" هذا صحيح ، لقد أصبت كبد الحقيقة".

هاهو ذا على الأقل شخص متفهم تماماً ولو أنها تفضل لو كان هذا الشخص أي انسان آخر غير لازلو العالم بكل الامور.

وسألته ببطء:" أظنك أنت أيضاً، الولد الأصغر في أسرة واسعة".

فأجاب وهو يبتسم لما بدا على ملاحمها من ارتباك:" كلا ولكن اسمعي تقبلي فقط فكرة تعاطفي مع أهدافك، وأنني أعلم أنك تريدين النجاح بجهودك الخاصة ، هل لديك من يسندك؟"

فهزت رأسها بأسف ثم قالت:" كلا فمازال وضعي مبكراً بالنسبة للبنوك الانكليزية لكي يغامروا بتمويلي، عليّ أن حصل على بعض الوعود من شركات النسيج اولاً".

فقال بلطف:" لقد تحقق لك ذلك الآن فأنا سأساعدك في تحقيق طموحك هذا".

وكانت غيرمتوقعة لهذا العرض ولكنها مازالت خائفة ، فهزت رأسها متمنعة من السهل عليها أن توافق على ذلك شاكرة ثم تنتظر أن يوافيها بالمال.

وقالت بحزم :" كلا شكراً إنني أفضل أن ابحث عن ذلك في مكان أخر و إذا كنت تظن كما سبق وقلت أنني لا أعتبر مغامرة مطلقاً، فهكذا سيعتبرني الآخرون، في النهاية".

فقال:" إذن فمن الأفضل أن أخبرك أنك لن تصلي إلى أي مكان في هنغاريا من دوني".

فرفعت رأسها و سألته بذعر:" هل هذا تهديد".

فأجاب وقد بدت في عينيه نظرة عنف و عداء:" بل هو تعهد مني ذلك".

فصرخت وقد احمر وجهها غضباً:" إنك وغد".

فأجاب وهو يتقدم نحوها ببطء:" إنني لست كذلك مطلقاً، بعكس صهرك اسطفان".

فقدحت عيناها شرراً، وقالت ثائرة:" ابتعد عني أو اصرخ".

وابتسم بهدوء وقال:" عند ذلك، سيحضر اسطفان راكضاً وكذلك تانيا وربما الكونتيسة آنا هوزار ثم أخبرهم أنا عن شخصيتي ومن ثم تتحطم حياتهم لا يمكنك أن تتسببي بذلك لهم".

رمقته من تحت أهدابها بهلع وقالت لاهثة:" من أنت؟ و كيف ستتحطم حياتهم؟"

اجابها قائلاً وفي عينيه سرور حاقد:" ان اسمي العائلي من ناحية والدتي هو( هوزار)".

وعادت تلهث قائلة:" هو...زار" ونظرت إليه دون أن تفقه شئياً، ثم أخذت تحاول مستميتة تخليص نفسها ورفعت يديها بشكل هستيري و تملكها الذعر وهي تراه قد رأى تصميمها ذاك في عينيها فأمسك بمعصميها بشدة لتبدأ معه صراعاً ينتهي بضمه إليها بشدة وبعد أن تركها . قالت وهي تكاد تنشج باكية:" دعني أذهب كيف تجرؤ على معاملتي بهذا الشكل؟"

فأجاب بنعومة تثير الحنق:" هذا لأنه من الواضح أن لي تأثيراً قوياً عليك جسدياً وعقلياً و يمكنك أن تقومي تقريباً بكل شيء أطلبه منك والآن عندي فكرة".

قالت بعصبية:" انك لن تفعل ما قلت ليس بإمكانك ذلك. إن ادعائك هو هراء! إن كل من بقي من الأسرة هما الكونتيسة و اسطفان، وهذا هو السبب في كونه غالياً عليها كثيراً".

فقاطعها ببطء:" ان السبب في كونه غالياً عليها هو أنه ابن صديقها، ومنذ ولادته لم تره إلا منذ سنوات قليلة".

وبان الألم على ملامحه وهو يتابع مستطرداً:" ففي كل مرة تنظر فيها إلى وجهه، تتذكر الرجل الذي أحبته عندما كانت في الثلاثين من عمرها، لقد أحبت بكل طاقة امرأة أمضت نصف حياتها دون أن تعرف معنى الحب الحقيقي، فلا عجب إذا كان هذا القذر الصغير غالياً عليها".

واتسعت عيناها لدى لمسها هذه الكراهية في لهجته، كان واضحاً تماماً أنه لم يكن يكذب ولا يمزح ولا يبالغ في الادعاء.. لقد كان يكره الكونتيسة و اسطفان بكل ذرة من كيانه وهذا يعني.. وشعرت بالذعر إن عليها إذا شاءت أن تساعد تانيا أن تحتفظ بهدوئها و سيطرتها على أعصابها وقالت بصوت أبح:" ان هذا طبيعي حسب قولك فقد كان زواج الكونتيسة والذي دام سنوات غير سعيد".

فأجاب:" بالضبط لقد كانت متزوجة".

قالت بهدوء محاولة أن تدافع عن الكونتيسة الغائبة:"إنني أعلم وأنا أوافق على أن ذلك خطأ ولكن ماذا بإمكانك أن تفعل إذا أخرج حب مدمر عن رشدك..؟".

فقاطعها مزجراً:" إن الأمر ليس سهلاً كما تقول".

ولكنها وجدت نفسها تدافع عن شيء لا تعتقد بصحته هي شخصياً ،ولكنها لم تشأ أن تكون بجانب لازلو و عقيدته العنيفة غير العادية في الإخلاص فعادت تقول:" في حالة الكونتيسة هذه فقد كرهت زوجها و احتقرته لأنه كان روسياً.."

فعاد يزمجر و صوته يهتز من الغضب:" لقد تزوجته وكان هذا قرارها هي التي خرجت متعمدة وعن سابق علم واصرار لكي تقابله وتفوز به وإذا أنت قمت بخيار عن وعي و تصميم فعليك أن تدفعي ثمن ذلك الخيار لقد اختارت أن تستغل نيكولاي رومانوف للفوائد التي يمكن لعضو في الدائرة السياسية أن يوفرها لها".

فقالت:" ولكنه كان قد تقدم بطلب امتلاك منزلها و أراضيها مهدداً بتحطيم كل شيء تحبه".

فأجاب:" كان ذلك أثناء الحرب".

فقالت بانفعال:" بل الغزو ولم يكن أمام الكونتيسة خيار آخر هل كان عليها أن ترى خراب الأمكنة و دمار البيوت؟ وأن يصبح الفلاحون الذين خدموا أسرتها مئات السنين لاجئين وربما اسوأ؟ لقد كان عشرات من الناس يعتمدون عليها كان في إمكانها إنقاذ القرية كلما كان ذلك طريق الحياة ولو أنها فضلت مشاعرها الخاصة على كل هذا لكانت أقل من امرأة.."

عند ذلك جمد في مكانه ولم يكن سوى صوت تنفسهما وعاد القناع الذي كان قد سبق و انزلق عن وجهه، يكسو ملامحه بجموده.

قال لها مفكراً:" إنك رائعة الجمال هكذا".

وأمكنها بشكل ما، أن تسيطر على انفعالاتها فلا تضربه و صرخت به:" هذا غير صحيح لا تغير الموضوع ما الذي يدور في ذهنك".وبدا عليها غضب عنيد وهي تتابع قائلة:" وماهي بالضبط العلاقة التي تدعيها مع اسطفان؟"

تنفس بعمق وهو يقول ببطء وصوته يفيض بالمشاعر:" انك أول شخص يسمع هذا و أرجو أن تعي هذا الشرف".

وابتسم ساخراً، ولكن المرارة كانت تطل من عينيه. وانكمشت مكانها في انتظار العاصفة، وتابع يقول:" إنني أخ غير شقيق لاسطفان، وابن نيكولاي رومانوف و الكونتيسة، والوريث الشرعي لأملاك هوزار و ثروته بأجمعها".

قالت وهي ترتجف:" لايمكن أن تكون أنت ..إنها..إنها ..ليس لديها ولد آخر".

فقال:" من قال ذلك؟"

فأجابت وهي ترفع خصلات شعرها عن وجهها بضيق:" هي التي قالت هذا".

وغاص قلبها بين ضلوعها وهي تره يجفل قليلا ًلدى سماعه كلامهاو ،تابعت تقول متحدية:" لقد قالت الكونتيسة أنه لم يلد طفل في هذا البيت".

وتوتر فمه المعبر وتمتم يقول:" إنها ستنكر ذلك طبعا فقد حاولت أن تنبذني من حياتها منذ ولادتي ولكن اسطفان هو ليس شرعي بينما أنا الشرعي لابد إنك لاحظت إنه أكبر مني بعشر سنوات بالضبط".

فقالت بعناد:" لا يمكن أن تكون من آل هوزار".

فقال ببطء:" ولكنني كذلك رغم أنني أتمني لو لم اكن إنه ارث ياليتني لم أرثه، إنني معروف في العالم كله باسم لازلو لازار وفي مدينتي في روسيا معروف باسم روما نوف وهنا مدينتي في روسيا معروف باسم روما نوف ، وهنا أنا من آل هوزار سواء شئت ذلك أم أبيت و السلطة هنا، لي ياسوزان، انك واقفة على أرضي وكنت ترقصين في قصري وتنامين في سرير هو ملكي وفي الواقع باستطاعتي أن أطردكم جميعاً هكذا مرة واحدة في خلال ساعات لتعديكم على أملاكي بهذا الشكل".

فشهقت وهي تقول:" لا يمكنك أن تفعل ذلك".

وتملكها الرعب وهي تتصور كيف ستتحطم سعادة أختها تانيا كما تصورت الألم المبرح في وجه اسطفان زوجها..

وقال:" إذا أردت برهاناً غير قابل للجدل يمكنك إلقاء نظرة على وثيقة ميلادي مادمت تستطيعين قراءة اللغة الروسية فقد احضرتها معي خصوصاً لأجلك لعلمي بأنك ستكونين هنا".

ودار رأسها وهي تفكر في أنه كان خطط لكل هذا، لقد سبق و درس بعناية كل شيء قاله و قام به وذلك قبل أن يضع قدمه على أرض اسطفان أو أرض لازلو وهمست:" أين هي الوثيقة أريد أن أرها".

ونظر إليها بسخرية من عينيه القاسيتين وهو يخرج من جيب صدرته محفظة صغيرة فتحها ثم أخرج منها الوثيقة ليناولها اياه.

ونظرت هي إليها عدة مرات قبل أن تقول وهي ترجف:" إنها زائفة".

فأجاب بهدوء وثقة:" يمكننا التثبت منها إذا أنت شئت وطبعاً يمكنك تمييز أختام الأسرة هذه".

وأصابها الذعر وهي تراها في يده نسخاً طبق الأصل من تلك الموجودة على لوحات آل هوزار وقالت تتهمه وهي تتذكر كيف أنه لابد كان يبتسم بينه و بين نفسه أثناء الحديث عنها عالماً أنها في جيبه طوال الوقت .

قالت و عيناها تلمعان بالغضب:" إنها تخص.."

فقاطعها باختصار :" تخصني أنا لقد وضعها أبي في حوزتي عند عودتنا إلى روستوف وهي ملكي على كل حال أليس كذلك؟".

واشتد شحوب سوزان بعدما لم يبق لديها شك في ذلك فهو يعرف الكثير وتذكرت حديثها مع الكونتيسة، وذكر روستوف وذعر المرأة دون سبب حين ذكرت لها عما كانت سمعته عن ولادة طفل في هذا القصر.

وهمست بضعف:" ولماذا أخذك والدك بعيداً لو كنت أنت الوارث؟".

وبان العداء في عينيه وهو يجيب:" للحفاظ عليّ وذلك بعد أن أقسمت الكونتيسة ألا يرث الأرض روسي".

وابتدأ صوته بالارتعاش وهو يتابع قائلاً:" يالها من أم عديمة الاحساس".

فصرخت به سوزان:" كلا إن الأبناء لا يمكن أن يكرهوا أمهاتهم".

وارتفعت يدها إلى فمها و كانت أصابعها ترتجف أي شعور كان قد تملكه وهو يحيّي أمه كأي شخص غريب؟ وهمست بذعر وهي تفكر في ماحدث:" ليس ثمة أم تكره ولدها".

فتمتم مجيباً:" ولكنها هي كذلك لقد كنت من الأعداء".

قال:" كلا لقد كنت طفلاً طفلها هي".

وتوتر فم لازلو الجميل مكشراً وهو يزمجر قائلاً:" طفلاً عاجزاًو برئياً ولكنه نصف روسي لقد كنت في نظرها أمثل الأعداء إنك لا تعرفين كيف كانت المشاعر نحو هذه الأشياء في ذلك الحين فقد كانت الكراهية تعم البلاد.

وولدت أنا بعد الانتفاضة الهنغارية بوقت قصير وما تلا ذلك في اختراق الدبابات الروسية لحدود البلاد لتزرع الخوف في كل مكان فتصبح لذلك هنغاريا موطن عدم الاستقرار وقد اختفى الرجال دون عودة فمن يهتم في ذلك الحين لطفل روسي؟".

فقالت:" سوزان بلهجة باكية:" كلا يازلو ..إن الكونتيسة ليست من هذا النوع انها تعشق الأطفال".

فأجاب بخشونة:" إنما ليس بالنسبة إلي أنا الذي سلبت منها ما كانت تتمناه وهو وراث هنغاري نقي العنصر لقد أخبرني أبي أنها كانت تتوقع انتهاء الحرب بعد سنوات قلائل مما سيسمح لها، في النهاية من أن تتزوج رجلاً تختاره حسب ذوقها ولكن الرعب تملكها وهي ترى نفسها قد أصبحت حاملاً وزاد رعبها وهي ترى هنغاريا مازالت تحت التير الروسي و أدرك أبي نوع شعورها ذاك ولما كان دائم الغياب ولم تكن الكونتيسة لتؤتمن عليّ.."

وصرخت سوزان تقاطعه بانفعال شديد:" ولكنها كانت أمك فهي كانت ستحميك بغريزة الأم".

فقاطعها بحدة:" لقد كانت تكرهني كأنني عدوها ولو كانت وجدت نصف فرصة لقتلتني".

فردت عليه بتعاسة وعناد:" لاأصدق هذا".

وأمسكت نفسها عن الأعتراف الهائل بأن ما يقوله قد يكون صحيحاً، لقد كان يسمم تفكيرها ذلك أن الكونتيسة كانت إمرأة عاطفية ولابد أنها كانت ستحب طفلها مهما كان أبوه ورفعت يدها تضغط جبينها بقلق وصدر عنها أنين عميق لن يكون ثمة بهجة في الأسرة عندما يواجههم لازلو بالحقيقة، لقد اختار أسعد يوم ..ورفعت رأسها بحدة وهي تقول:" لماذا جئت إلى هنا الآن؟"

فأجاب:" بسبب التضييق على الحريات في العالم السوفياتي وكذلك عدم مبالاتي بالحضور قبل الآن إذ لم أجد أهمية لبعض النفايات الهنغارية مثل كتل من الأحجار و قرية أهلها قد يسرهم أن يخنقوني في فراشي".

فابتدأت تقول:" إن أمك.."

فقاطعها مجهم الوجه:" لقد تعلمت أن أكره و احتقر كل من هو هنغاري خاصة هي".

فتأوهت سوزان بأسى وهي تقول:" يالها من قسوة".

قال:" الحياة قاسية خصوصاً عندما يموت أبي في خدمة بلاده ليذهب بذهابه كل ما لنا من نفوذ ، كالتصاريح بالسفر و علاوات المعيشة الأضافية وما أشبه".

وقطبت سوزان حاجبيها شاعرة بالعطف لقد بدا لها أن من الفظاعة أن يربي على كراهية أمه، و تأملته خلسة ، كان العذاب يرهق وجهه إذ كان مسوقا طيلة حياته برغبته في الانتقام ليجد أسرتها في طريقه.

__________--------------------------------------------