الفصل الرابع

7 0 00

الفصل الرابع

انها وحدها هي سوزان تستطيع تحويله عن ذلك وكان العبء ثقيلاً لقد كان عليها بأي شكل اقناع لازلو أن التوفيق بينهم جميعا هو شيء يستحق التفكير و الاعتبار.وان مكاسبه ستكون أكثر إذا هو أبدي نحو أمه الحب وارتبط بالأسرة،ولكن.. وقطبت جبينها إن هذا يعني استيلاءه على الأملاك لتخرج من بين يدي اسطفان وكان قلبها يتمنى أن تعيش أختها و صهرها في هذا المكان و يربوا أولادهم ، فهذا الغريب لا مكان له هنا لا مكان إطلاقاً.

وتعارض قلبها مع عقلها برهة وحاولت با ستماتة أن تعيد التوفيق بينهما ، ولكن كل ما أمكنها القيام به الآن هو أن تجعله يتكلم، فهي مازالت غير متأكدة مما يجول في ذهنه إنها بحاجة إلى أن تتأكد من هدفه قبل أن تبدأ العمل.

وسألته بلاقة:" متى توفي والدك؟ وهل تركك وحدك؟".

فأجاب:" كلا كان جداي ما يزالان على قيد الحياة".

وأدار وجهه نحو طائر يزعق وقد بدا في عينيه اللامعتين فراغ هائل فقد كان ألمه عميقاً، تابع بلطف:" لقد كرهت في سنوات المراهقة النظام السوفياتي، فهربت إلى أمريكا ولم آت إلى هنا لأنني لم أشأ ذلك لقد كنت مشغولاً ببناء مستقبلي كنت أريد أن أثبت لنفسي أنني ذو قيمة و شأن".

وعضت شفتها ، كان ذلك نتيجة شعوره بنبذ أمه له، وبدا لها هذا محزناً وسألته :" أيمكنني أن أرى الأختام؟"

فأجابها بلهجة مقتضبة:" إنها حقيقية، انظري إلى النسر ذي الرأسين وإلى الزهور و حزمة سنابل القمح".

وقالت ببطء:" انها تنتمي إلى هذا المكان".

فأجاب ببرود:" مثلي أنا".

فقالت بجد وقد بان القلق على وجهها:" ولكنك لست كذلك فقد صنعت حياتك في مكان آخر و نجحت في ذلك كما يبدو من مظهرك و ملابسك..".

فأجاب:" مهما كانت درجة نجاحي فهذا لا يعني لي شيئاً إذا كان قسم من حياتي قد أزيل ومحى، ربما كان عليك أن تسالي الكونتيسة عن الطفل الذي ولد في القصر منذ سبع و ثلاثين سنة..".

فصرخت سوزان:" ربما لن يتحمل قلبها الصدمة".

فأجاب بحقد:" معك حق فقد كانوا أخبروها بأنني توفيت ، لقد أراد أبي حمايتي من أمي التي كان بامكانها الوصول إلىّ بصفتها زوجته".

وبان العنف في صوته وهو يتابع قوله:" لقد كرهت رؤيتي منذ ولادتي وكانت في غاية السرور لمنح اللقب لابنها الحبيب اسطفان، ولكن هناك البعض في القرية لابد ان يتذكروا وجود طفل في القصر كان يصرخ ليل نهار لأنه لم يكن مسموحاً لأحد بأن يحمله أو يحبه".

قالت بصوت ضعيف:" لم تكد أختي ترى السعادة حتى لاح التهديد بتحطيمها".

فأجاب:" ربما إن هذا يتوقف عليك ومن السخرية ان من يمسك بمستقبل الأسرة بيده هي أنت أصغر أفراد عائلتك".

وهمس في إذنها بلهجة بالغة الرقة:" باستطاعتك إذا شئت أن تمنعي هذا النبأ من أن يصبح معلومات مشاعة".

نظرت في عينيه بحدة وهي تشهق قائلة:" ماذا؟".

فأجاب:" أن تكوني متعاونة معي".

فصرخت برعب:" كلا".

وقال ساخراً:" هذا واضح ولكن في مثل هذه الأماكن المحصورة لا يمكنني تقديم برهان على ذلك ويجب أن أعترف بأن يجعل ما أفكر في القيام به أكثر يسراً و أكثر متعة".

قالت بعنف:" انك ..انك تتصرف كالحيوان لقد ورثت قسوتك عن أبيك و جنوده الغزاة".

فرد عليها قائلاً:" يالك من فتاة رائعة الجمال عندما تغضبين".

فجمدت مكانها وقد شعرت بأنها وقعت في فخ نظراته الظافرة عديمة الشفقة، وتمكنت أخيراً من التملص منه لقد هربت من أحاسيسها المذهلة..من الحقيقة..أن تكون قد وقعت في حبه..ولكنه أمسك بها وشدها الى صدره وضمها إليه بقسوة و تملك...

وتأوهت:" آه..لا".

وبعد إنجاذبها و تجاوبها معه إلا تذكرت ما جاء له ، واستطاعت الافلات منه فتعثرت خطواتها بعد أن أمسك بذيل ثوبها لتسمع صوت تمزق الحرير الرقيق مما أرغمها على الوقوف، وأدارها لازلو نحوه عابساً وهو يقول:" لا تتحركي فأنا لم أفرغ منك بعد".

وجعلتها الثورة العمياء تصرخ بوحشية:" لا يمكنك مع معاملتي بهذه الوحشية".

فأجاب وقد التهبت عيناه:" انك تظهرين شجاعة تدعو إلى الاعجاب بالنسبة إلى امرأة تواجه الاعتداء، وعلى الأخص لسانها السليط، وثمة رغبة تراودني في معاقبتك".

فردت عليه بحدة:" وذلك باذلالي؟ دعني أذهب".

فتمتم:" لم يحن ذلك بعد وأنصحك بألا تحاولي أن تختبري طباعي فليس ثمة ما يمنعني من أن أستعمل كل وسيلة أستطيعها في سبيل تحقيق ما أريد وأنا أريد منك ألا تتحدثي مرة أخرى بسوء عن أبي ..أبداً أبداً، وإلا فإني أقسم أن أردك أرضاً وأجعلك تعرفين ماهو معنى الاذلال بالنسبة إلى امرأة مثلك و تذكري انني لا اريد أن يلطخ ذكراه أي كان ..أي كان ! هل تسمعين؟".

وأغمضت عينيها برعب بالغ لم يكن هناك شك في أنه ابن نيكولاي لقد أطلقت إهانتها العنان لدفاعه هذا.

وقالت وقد اغبر وجهها:" إنني آسفة وأنا خجلة من نفسي لإهانتي والدك فهذا ليس من شيمي، ولكنني كنت.."

قاطعها قائلاً:" هل كنت خائفة؟"

فقالت بشدة:" كنت غاضبة لقد أصبحنا متعادلين الآن فأنا كنت غير مهذبة وأنت قد انتقمت، ولن يتكرر ذلك مرة أخرى فعندنا أشياء علينا أن نناقشها، أهم من هذا بكثير" واهتز صوتها لبشاعة الوضع.

فقال بلطف:" أتعنين موضوع ميراثي".

فأجابت:" نعم". ورفعت إليه عينيها الكبيرتين تنظران في عينيه بضراعة ثم استطردت قائلة:" أحب أن أطلب منك معروفاً".

فأجاب:" أعلم ذلك".

فابتلعت غيظها فقد كان لازلو يعلم بماذا تفكر قبل أن تنطق بها وتابعت تقول:" إنني أعلم انك تريدني أن أتعاون معك، وقد أوضحت لك بجلاء أنني لا أريد ذلك،و لكنني أريد أسألك.."

ونظرت إليه بعينين مبللتين بالدمع وهي تفكر في ما قد يجرى على أختها تانيا من شقاء، ومالبثت ان انفجرت باكية وهي تقول:" أرجوك إذا كان عندك ذرة من الشفقة فامنح تانيا و اسطفان هذا اليوم فقط.. هذا اليوم السعيد لكي يتذكراه على دوام".

فأجابها ساخراً:" إنني رجل أعمال وليس عندي مكان للشفقة".

وبدت السخرية على ملامحه لدى بكائها وهو يتابع:" ومع هذا فأنا مستعد لعقد صفقة".

كان واضحاً أنه يلاعبها كسمكة في الماء.

أجابت بصوت أجش:" إنني أفضل أن أعقد صفقة مع شقي ".

فأجاب ببطء متهكماً:" أظنك ستجدينني هامشياً أقل سوءاً من الشقي فأنا على الأقل أمنحك الاختيار".

فقالت بخشونة:" إنني أرفض القيام بأية تدابير معك".

فسألها بلهجة ساخراً:" ألاتحبين أن تتعاوني معي؟".

قالت بانفعال:" إنك عاطل من كل خلق تماماً فإذا كنت تريدني أن أكون تحت أمرك وذلك لكي تؤجل طرد تانيا من القصر عدة أيام".

فقاطعها متمتماً:" وهل توافقين على هذا؟".

فشعرت بالغثيان و فكرت في أختها.. سامحيني يا تانيا، كانت واثقة من أن أختها لابد ستتفهم و تعذرها و أجابتها بصوت خشن:" كلا".

قال:" فهمت علينا إذن أن نصل إلى تسوية بين احتياجاتي و احتياجاتك بشيء ما، دعيني أخبرك ماالذي أريده حقاً أو على الأقل القسم الأول".

فأجابت:" كلها أخبرني عنها كلها".

فقال ببطء:" إن الصبر هو شيء علمتني إياه الأيام ولن يضرك بشيء إذا أنت تعلمته كذلك ترين ياسوزان انني أضع على المائدة بعض أوراقي فقط، في أي وقت كان أما البقية فأضمها إلى صدري لا أعرضها فاقبلي بذلك الآن ، وفي المقابل سأقبل بالتخلي عن الأملاك، وعن اللقب وكذلك سأقوم بتمويلك".

وشهقت قائلة:" ماذا تقول؟ لماذا؟"

فأجاب:" لأنه لابد أن يكون لك مصلحة في الأمر و إلا فانك لن تتعاوني معي، أليس كذلك؟ إنني سأمهد لك الطريق بالنسبة إلى اتصالاتك مع شركات النسيج إنني على استعداد لأن أكون معك في كل خطوة في طريقك".

رفعت سوزان يدها تمسح جبينها ثم حدقت فيه بارتباك وهي تطلق ضحكة جافة قصيرة تدل على عدم التصديق " قائلة:" لكن هذا جنون انك بهذا تصنع معي معروفاً".

فقال بجفاء:" إن هذا يرضينا نحن الاثنين إذن أليس كذلك؟ وأنت طبعاً تتساءلين عن السبب الذي يدعوني لهذا العمل وماهي مصلحتي في ذلك ، وهذا أمر بسيط إنني أريدك أن تكوني شوكة في خاصرة اسطفان و فيكادو".

و ابتسم بحرارة وهو يستطرد:" و بالتالي تغيظين الكونتيسة".

و سألته بحدة:" ولأي سبب؟"

فأجاب باختصار:" ذلك أننا منذ سنوات نتنافس في ميدان العمل فثمة معاملة عليّ أن أقوم بها".

فقالت تسأله:" معاملة؟" وأخذت تحدق فيه لابد أن الأمر هو من الأهمية لكي يجعله يتخلى عن إرثه في سبيله، ولكن شيئا من الحذر في أعماقها أرسل في نفسها الخوف.

وقال:" إنه أمر غاية في الأهمية بالنسبة إلي ويستحق كل تضحية".

وفكرت سوزان بأن عليها أن تحمل لازلو على كشف سره وقالت بارتياب:" إذا كنت من المنافسين في الأعمال لماذا لم يعرفك أحد؟"

فأجاب دون تردد:" إنني لا أظهر نفسي كثيراً في المجتمعات فقد أكون معروفاً جيداً في عالم الأعمال، إنما بالإسم فقط إذ لا يعرفني شخصياً سوى قليل من الناس فأنا أتجنب الدعاية وفي المجتمعات أنيب عني أكبر المديرين عندي، و عدا عن أنهم يرحبون ببقائي مجهولاً، فأنه يمكنني أن أجول بحرية في الأسواق المالية و كذلك في شركات المنافسين لمراقبة عملياتهم".

ولمعت العينان السودوان لتفيضا مرة أخرى بالغضب البركاني وهو يتابع:" إن فيكادو خاصة سيتملكه الرعب عندما يعلم أنا وأنت كنا شركاء فهذا سيساعدني في اكتشاف خطته لاخضاعي مما سيسرني حقاً".

وقالت:" إنني لا أحب فيك هذه الروح الفكاهية و إنني أرى أن ذلك يضر باسطفان و.."

فقاطعها لازلو ساخراً:" الأفضل لصهرك أن يشعر بأنك خنته من أيخسر أملاكه ولقبه، فكري يا سوزان بالتعاسة التي ستشعر بها الكونتيسة إذا هي اكتشفت أن أول ولد لها لم يمت كما سبق و ظنت ولكنه حيّ يرزق و قد عاد بالثأر في قلبه و المستندات الثبوتية في يده للمطالبة بأملاك هوزار".

وفكرت في هذا سيحطم الكونتيسة وهي ترى أملاكها تذهب إلى ابن الرجل الذي كرهته و احتقرته، بينما ولدها الحبيب اسطفان الذي كان بعيداً عنها طيلة حياته ولم يعد إلا منذ عهد قريب لن يرث شيئاً، كان كله مفزعاً.

و قالت له ببرود:" يا لك من متوحش".

فقال بلهجة معنفة:" لابد ان شخصاً ما تسبب في هذا".

وتنهدت بيأس وهي تسأله:" متى كانت آخر مرة رأتك فيها الكونتيسة قبل اليوم؟"

فأجاب:" كنت لا أكاد أبلغ العام من عمري عندما تركت هذا المكان ولكنني فهمت أنها لم تنظر إليّ ولا حملتني بين ذراعيها ولم تسأل عن صحتي وذلك منذ ولادتي إلى أن تركت القصر".

وشعرت بأسى عما يعني ألا يرى انسان أمه أبداً، ثم يعلم في نفس الوقت بكراهيتها و ازدرائها لأبيه.

وقالت وقد بان الحزن على ملامحها:" إنها لم تتعرف عليك قط".

فقال بجمود:" ولم أر عطف، لقد نبذتني وعليّ أن اعتاد على ذلك".

فقالت:" ولكنك لم تفعل ذلك".

وبان الأسى على وجهه وهو يقول:" لا أريد شفقتك هذه".

وقالت بصوت حزين:" لابد أن طفولتك كانت قاسية!"

فأجاب بحدة:" على العكس فقد نلت قدراً كبيراً من الحنان و العناية من جدي".

وجازفت بالقول:" ولكن ..لابد أن دخولك هذا المنزل مؤلم لك".

فأجاب:" هذا مضحك".

وارتجفت برغم عنها وهي تتأمل وجهه الخالي من التعبير لم يكن ذنبه بأي شكل فهو له الحق الشرعي بالأملاك وقد جعلها هذا الشعور في وضع بالغ الصعوبة.

وقالت بألم:" إن هذا القصر وهذه الأراضي كلها لك إن علينا أن نجد طريقة نخبر بها الكونتيسة يجب أن يكون هذا ملكك".

وارتفعت عينا لازلو بدهشة وهو يقول :" أتراك رفضت ما عرضته عليك؟"

فقالت بتعاسة:" إنني أحاول أن أفعل ما أظنه صواباً محاولة أن أنظر إلى الأمر من الناحية المنطقية و القانونية يجب أن تكون أنت الكونت فمن أين لي أنا أو لأي أحد آخر الحق في أن يقف في طريقك؟"

فقال متعجباً:" ها هي امرأة ذات مبادئ ليس هذا ما كنت أنتظر".

وانتابته الحيرة و الارتباك لحظة و كأنها قلبت خطته رأساً على عقب، ثم ما لبث فمه أن التوي بجفاء ثم قال:" ربما من الأفضل أن أخبرك ما الذي سأفعله إذا استلمت الأملاك فقد يجعلك هذا تغيرين من مبادئك النبيلة أولاً سأطرد الكونتيسة بعد أن أطرد أختك و زوجها ثم أطرد كل انسان بما فيهم أخاك جون و عروسه..ثم أوظف عندي روسيين لخدمتي و سأرفض أن أسمح لأي من الفلاحين بالعمل في الأرض، وهكذا تبور أراضي القريةو.."

شهقت وقالت:" ولكن هذا فظيع ما الذي يجعلك تهدم كل ما تحصل عليه؟"

فأجاب بهدوؤ:" لأنني لا أريده إنني لست بحاجة إلى أي منه و سيسرني أن أعلم أنه تهدم إنني سأجعل المنزل يتداعي والحديقة تخرب أيضاً إنه انتقام تام، ستندثر أسرة هوزار النبيلة و كأنها لم تكن نعم.. هذا ما أريد".

فقالت:" أيها المتوحش المجرم"

فقال موافقاً على كلامها:" وعديم الشفقة ولكنني أريدك أن تعلمي أن ما أساوم عليه هو أكثر الأمور خطورة في حياتي ، فإذا أنا لم أقم بذلك، إذا لم تتفقي أنت معي على هذه الخطة فسأتدحرج أنا إذن إلى الحضيض جاراً معي كل أعدائي، والآن المعذرة لأنني سأذهب تواً إلى اسطفان لأكشف له عن شخصيتي".

وتحرك عابساً باتجاه القصر المتلألئ الأنوار.

وصرخت وهي تترنح من الصدمة:" كلا، انتظر".

فوقف و لكنه لم يرجع و حدقت لحظة ثم تنهدت بخضوع وتقدمت إليه ، كانت تشعر بأنه يمكر بها و أزعجها أن تفلت من بين يديها السيطرة على حياتها الخاصة،كان له الحق الشرعي في الأملاك وعليها أن تتقبل الأمر ، ولكن هذا كان يتضمن حقاً أخلاقياً كذلك هو سعادة أسرتها، أي من هذين له حق الأسبقية؟

وابتدأت تفول:" لا تتحدث إليه الآن ، فهذا سيحدث له صدمة كما تعلم أعطني فرصة يومين للتفكير".

فنظر في ساعته مقطب وهو يقول:" كلا أريد قرارك الآن ، ذلك أن اسطفان سيقوم برحلة شهر العسل حالاً، وقبل ذلك أريد أن أقدم إليه هدية زفاف لن ينساها أبداً، فإما أن نواجهه بخبر اتفاقك مع الرجل الذي يظن أنه محتال و كذاب والذي هو أنا ، وإما أن أخبره أنه ليس الوارث لهذه الأملاك ، إن الوقت يمر بسرعة ياسوزان وعليك أن تقرري".

فشحب وجهها وقالت:" في أي من الحالتين فإنك ستفسد يوم عرسه.."

فأمسك بذراعها بخشونة قائلاً بازدراء:" طبعاً أيتها الحمقاء، أتظنين أنني أنوي التزام الصمت بالنسبة إلى تعاوننا؟"

وابتسم ساخراً وهو يستطرد قائلاً:" كلمة التعاون هذه هي جيدة إذ أن من عادة هذه الأسرة التعاون مع العدو عندما تصادفها مشكلة كذلك، أليس كذلك؟"

فرفعت رأسها بسرعة وهي تقول:" يالك من سادي عديم الأحساس ، لايمكنني القيام بهذا".

وتملكها الانفعال فقد كان هذا كابوساً حقاً ، فهو لا يمكن أن يكون حقيقة واقعة.

كانت تريد أن تفكر في مخرج لها من هذا كله، أن تستيقظ لتجد أنها تحلم أثناء نومها على كرسي في قاعة الرقص. وتابعت تقول وهي ترسم على فمها ابتسامة:" أعطني وقتاً للتفكير فأنا لم أقرر قط شيئاً بسهولة فأنا دوماً أقلب الأفكار في عقلي بعناية كبيرة فأزن كل العروض و الاتفاقات".

فقال ببطء:" هذا ما أعرفه، فأنت من النوع الحذر جداً وهذا ما يمنعني من أن أمنحك وقتاً للتفكير على الاطلاق قرري الآن و إلا تصرفت أنا كما أشاء".

قالت وصوتها يرتجف:" إنني أحب أسرتي فإذا كنت أنت جربت الحب مرة في حياتك فستدرك ما سيفعل هذا بي وبهم فكر بما كنت تشعر به نحو أبيك.."

وشهقت عندما هزها بعنف قائلاً:" لا تحاولي أن تثيري عواطفي بالكلام عن محبة الأسر قولي الآن نعم أو لا؟"

وأغمضت عينيها مرة أخرى كي لا ترى وجهه الحاقد محاولة ألا تفكر في خيانتها التي لا مناص منها للناس الذين تحبهم، وذلك بربط نفسها بأعمال منافس اسطفان.

ولكن في اعماقها كانت تعلم أن هذا أهون الشرين لقد كان ثمناً صغيراً نسبياً عليها أن تدفعه في سبيل حماية مستقبل اسطفان و تانيا وأيضاً لتجنب الكونتيسة آلاماً نفسية وحتى لأجل القصر نفسه و الفلاحين و الأملاك كلها.

وهمست وقد تصلب جسدها و عيناها في عينيه:" نعم سأقوم بذلك ولكن دون إرادة مني وأنا أريد أن يكون واضحاً تماماً أنني أشعر نحوك ببالغ الاحتقار لجعلي شريكة لك في انتقامك الدنيء هذا".

وتنفس بهدوء وقد انفرجت أساريره وكأنه لا يهتم برأيها في سلوكه كلياً و فكرت بتعاسة في أنه مستمتع بهذا بعد أن نال كل ما يشاء من الشماتة باسطفان، إنه لرجل حقير، إلا إذا.. وتذكرت أن هذا هو الجزء الأول من انتقامه فمازال أمامه أوراق ليلعبها وتملكها الخوف مما عساها ستكون.

وأصابها التفكير في ما عسى أن يحدث بالدوار وكيف سيلتقي كل واحد خبر انضمامها إلى أحد أعداء اسطفان.

لقد تلهفت إلى أن تعرف السبب في نبذه حياة النفوذ و الرفاهية و لكنها لم تجرؤ على سؤاله فقد يعيد التفكير فيغير رأيه و يطرد الكونتيسة و اسطفان و تانيا وجون و ليزا يطردهم جميعا خارج الأملاك وذلك بإبرازه و ثيقة مولده و أختام الأسرة.

قال آمراً دون أن يتأثر بتعاستها:" تعالي إننا سنعلن اتفاقنا".

فانكمشت متراجعة وقد اتسعت عيناها ذعراً في وجهها الشاحب وهي تقول متلعثمة:" أنا..أنا"

وبدا الازدراء في عينيه مما جعل رأسها يرتفع في كبرياء وهي تقول بعنف:" لابأس هيا دعنا نذهب و ننتهي من هذه المسألة".

فتمتم قائلاً:" أراك شجاعة !"

ولم يكن هذا يستحق أي تعليق منها ،هذا إلى أن الغصة كانت تخنقها كما أن الدموع كانت تتجمع في عينيها، و شعرت وهي تسير بحركة آلية بجانب لازلو بالرجفة تشمل جسدها وهما يقتربان من القصر.

وتباطأت خطواتها و ازداد ترنحها فامسك لازلو بيدها يستعجلها وكان بإمكانها أن تدفعه عنها ولكنها كانت بحاجة إلى سنده حتى يمنعها من الانهيار.

لم يحدث قط في حياتها أن تصرفت بمثل هذا الرياء والكذب المقصود، وملأها الشعور بالخزي رغم المنطق الذي كان يقنعها بأنها تقوم بذلك لأجل مصلحة الجميع وكان من السخرية أنها عاشت حياتها يحدوها المنطق و التحسب لكل شيء و اتباع كل ما تراه مناسباً.

ولكن الأمر هذه المرة كان مختلفاً بالنسبو إلى اتباعها الحرس و التبصر بالعواقب لقد تدخلت الآن عوامل أخرى ..حبها لأسرتها و احترامها لنفسها و كراهيتها العنيفة لهذا الرجل الذي كان سيساعدها مالياً، لقد كانت المرة الأولى التي تقرر فيها شيئاً لا ترضى عنه شعورياً وكلما فكرت في الدقائق القليلة المقبلة ازدادت حيرتها في الكيفية التي عليها أن تتصرف فيها.

وعندما وصلا إلى الباب الأمامي هتفت به:" قف لحظة.. لا تستعجلني..إنني بحاجة إلى بعض الوقت.."

فقاطعها قائلاً:" إنني أنا الذي سأتكلم وليس عليك أن تنطقي بكلمة".

وملأتها الدهشة وهو يمسكها فجأة بعنف دون شغقة و اشتعلت فيها نار الغضب..آه..إنها تكرهه وإذا به إنتزع منها قبلة قاسية ورغما عنها..فرفعت يدها لتهوي على وجهه بصفعة قاسية في الوقت الذي إنتزعت فيه ذراعيها و قبل أن يتمالك نفسه من مفاجأة الصفعة.

وقالت بغضب:" قد يكون لك بعض التأثير العقلي و العطفي عليّ ولكن ذلك لا يعطيك الحق في أن تفعل بي ذلك كلما خطر هذا ببالك فإنك لابد تكبرني بضعفين تقريباً وإذا كان يهمني الرجال في هذه الفترة من حياتي فإنني لن أختارك أنت".

ولمعت عينا لازلو و تمتم بشبه اعتذار:" لاتنسي أنني ولدت في خضم المشاعر بدم ملتهب وهو مزيج من الروسي و الهنغاري فمن العسير عليّ مقاومة رغبتي إزاء امرأة جميلة تتوسل إليّ أن أفعل ذلك".

فصرخت به ثائرة:" كلا لم أفعل وأظن أن عليك الآن أن تحاول مقاومة رغباتك".

فقال:" ربما عليك أن تبقي بعيدة عني".

فأجابت بجمود:" أتمنى لو كان بيننا قناة المانش والآن عليك بقاومة مشاعرك".

وتجروزته داخلة إلى القصر ولا زلو في أثرها.

وهتف بها مسروراً:" ذلك هو اسطفان هيا ناديه".

ولم يكن أمامها خيار آخر وهمست:"آه" ثم نادته بمرح بينما كان يتوارى في مكتبه:" اسطفان" فعاد يطل برأسه من الباب ثم رفع حاجبيه متسائلاً وهو يراها قريبة من لازلو إلى هذا الحد، فشعرت بتوتر في معدتها.

وفكرت بيأس أن ليس بإمكانها الإقدام على هذا العمل ولم تستطع أن تفكر بوضوح، وهذا العمل يبدو أنه أصعب مما ظنت .

وتملكها شعورما ربما كان نوعا من الدفاع عن النفس أو علمها بأنها تحسن صنعاً بهذا فيما إذا كانت أسرتها ستصدق التزامها هذا الذي دفعها إليه غضبها من غزو لازلو لحياتها العامة والخاصة.

وهتفت به مظهرة ما أمكنها من الطف و الابتهاج:" مرحباً..هل سترحل قريباً؟".

فقطب اسطفان حاجبيه قائلاً:" وهو يهم بحمايتها من هذا الغازي الانتهازي:" سوزان هل أنت في كامل وعيك؟".

فأجابت وهي تحاول تمالك مشاعرها:" كلا...نعم".

وتمتم لازلو من بين أسنانه مشجعاً:" فلندخل إليه في مكتبه".

وتنفست بعمق وباندفاعهما نحوه جعلاه يتراجع إلى داخل المكتب بينما كانت تقول بصوت مرتجف وهي تسمع الباب يغلق خلفهما بعنف و قالت :" إن لدي كلاماً خاصاً بك".

فأجاب اسطفان بهدوؤ و نظراته تنتقل من أحدهما للآخر:" هيا تكلمي".

لقد حان الوقت وقالت بلهجة مرتجفة:" إنني.. إنني جئت لأقدم ممول أعمالي..".

وابتسم اسطفان مسترخياً وهو يقول بصوت بدا فيه خيبة الأمل:" ظننتك ستقولين شيئاً آخر".

وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يمد يده إلى لازلو قائلاً:" تهانيّ".

وحدقت فيه سوزان بذعر بينما كان يتابع:" لقد وقعت على معاملات عملية رائعة".

وعقد لازلو ذراعيه وقد ضاقت عيناه وهو يقول بلطف:" أعلم ذلك ربما من الأفضل أن تخبريه عمن أكون".

فرمقته بنظرة فزعة فهز برأسه لها وهو يتابع:" الإسم الذي يعرفني به الجميع".

وأطلقت سوزان آهة خفيفة وهي تقول متلعثمة:" إنه ..إنه.."

وحدق فيها اسطفان بفضول فتابعت تقول:" إنه لازلو".

وتمتم لازلو:" لازلو لازلو".

وشحب وجه صهرها و سحب يده و كأنما لسعتها جمرة نارو غمرتها التعاسة ذلك أنه لم يكن يدري أنها مرغمة على أن تصمم على هذا القرار الهائل لم يكن لديه فكرة عن أنها كانت تخونه لأن هذا كان أفضل اختيار أمامها، فهو سيظن أنها لا تخرج عن كونها امرأة مادية أنانية ليس لديها كرامة سيكرهها الجميع، بينما يداها مقيدتان كان لازلو يدفع بها ضد عائلتها، كيف يجرؤ على أن يفصلها عنهم؟ كيف يجرؤ على ذلك؟

وزمجر اسطفان:" إنك لا تعلمين ياسوزان ولكننا لا نرحب بهذا الرجل في منزلي فأنا وهو عدوان قديمان".

فقاطعته:" بل أنا أعلم ولكن لا دخل لي بشؤونك".

وفزعت لما قالته و الذي سيجعله يعتقد أنها سطحية تافهة لا تهتم بشيء وقويت كراهيتها للازلو وهي ترى اسطفان يفتح فمه بحيرة وعادت تقول وهي تحاول أن تهدئ من صوتها المرتجف:" إن اتفاقنا العملي هو مستقر تماماً الآن فهو سيمّولني و سيقدمني إلى أرباب الأعمال الذين أريد ،إنني متأكدة من أنكما ستتخليان عن خلافاتكما و ترحبا به لأجلي".

فأجاب :" كلا، مستحيل".

فتمتم لازلو بصوت أجش فيه نوع من سخرية:" ولكنك ستفعل".

ورمقته سوزان بنظرة متحفظة ومن تحت أهدابه السوداء تألقت عيناه الآثمتان بابتهاج وتوترت يدها متمنية لو تعود فتصفعه مرة أخرى فتمحو عن فمه هذه الابتسامة ، ثم شعرت بالخوف كان بإمكانه أن يسوي الأمر ، لقد سبق وقال إن ثمة أشياء أخرى آتية وربما كان يستغفلها مصمماً على كشف هويته الحقيقية أمامهم جميعاً، ونظرت في عينيه بحدة وهي تلحظ ابتسامته الساخرة وحاجبه المرفوع.

-----------------------------------------------------------