3

7 0 00

3

أقفُ مجدداً أمام باب محلّ ماجد .. عاد من صلاة المغرب حينَ عدتُ من بيتنا للتوّ .. ذهبتُ وارتديتُ أجمل مالديّ ، نعم أظنني قررتُ التهوّر !

أن أندم على ما أفعل خيرٌ من الندم على ما لم أفعل !

ليس من عادتي حين أخرج من عندِ ماجد أن أعود له في ذات اليوم ، أحتاجُ أسبوعاً على الأقل لأكرر الزيارة ..

أن أزورهُ بعد ساعه من مغادرتي هذا غيرُ مألوف ..قبل أن يسألني قلتُ مبتسماً :

-اشتقتُ لك !!

دخلنا ، كان صوت الدناديش الناقرة على الباب هذه المرة صوتاً أشبه بتغريد العنادل في الشروق ..

لم يكن مملاً ، هذا الصوتْ سيكونُ بعد ساعة أشبهَ بمعزوفةٍ تزفّ مقدم الحسناء التي سلبتني عقلي ..

صوتُ أذان العشقِ رافعاً نداء الجمال أن حيّ على الحب أيها الأبله !

جلستُ وفي بالي يعتملُ ألف سؤال ، كيف أشرحُ لماجد المتعقل ما أنا بصدده !

ماجد صارم ، رجلٌ يعشق العمل ويحترمُ زبائنه كأنهم أبناءه .. أن أقول لهُ أني عشقت زبونتك كأني أنتهكُ حرماته !

هو من النوعِ الجاد ، شابٌ كان ينبغي أن يكون في ألمانيا مثلاً .. في اليابان ، في العالم المتقدم .. وجوده في الرياض غريب ، هو لا يواكب الموجة الشبابية أبداً ..

تنحنحتُ وسألته :

- ماجد ، منذ كم ونحن نعرف بعضنا ؟!

وبلهجةٍ جادة أجاب - منذ المتوسط !

قالها بلا مبالاه ، قالها وهو يقلّب رُكام هذ الحديد يبحثُ عن قطعه كما لو كان يبحثُ عن ذهب !

أمسكتُ بذراعه وأدرتهُ صوبي :

- أعرفكَ وتعرفني منذ عشر سنين .. هل تعلم ماهي عشر سنين ؟ مئات الأسابيع .. آلاف الساعات !

- وإذا ؟!

اللعنه على صرامتِك ليس وقتها الآن أيها الرجل البفاريّ !

- بعد كل هذه الصداقة يا ماجد ، لو احتجتُ منك مبلغاً من المال أتساعد ؟!

- بالتأكيد ، محتاج كم ؟

- لا شكراً ، دعني أواصل ، لو رأيتني أُضرب في هذا الشارع الذي أمامك ، أكنت تتخلى عني ؟!

- ههه أجننت ؟ طبعاً لا

- ماجد ، لا أريد منكَ مالاً ولا أن تقاتل من أجلي أحداً .. أريد ربع ساعة فقط !

- ؟

- بحق السنين الماضيات ، بحق الساعات الطوال ، بحق هذه الصداقه .. حين تأتي زبونتك صاحبة هذا الجهاز توارى في مستودعك ربع ساعة !

- ............

- لنفرض أن أمك استدعتك لضرورةٍ ملحة ، أكنت تبقى في المحلّ ولا تخرج ؟ يا سيدي اِعتبر أمك استدعتك ربع ساعة ، واتركني معها قليلاً !

- ههههههههه جاد ؟

- نعم ، أرجوك دعني أغامر ، كنتَ على وشك أن تقرضني مالك الآن ، شكراً ، لا أريد .. أقرضني فقط ربع ساعه من وقتك حين تأتي،

دعني أدير المحل بدلاً عنك لدقائق ، هل سألتك من قبل خدمة ؟ أرجوك لا تصفعني بالرفض يومَ فعلتْ ، بحق صداقتنا يارجل !

أقسمتُ لهُ أني لن أتهوّر بأكثر من الكلام ، سأعرض عليها صداقتي ليس أكثر !

أقسمتُ له كتعهدٍ رسميّ ان أتحمل كافة الضرر ومايترتبُ على حماقتي من نتائج وأنهُ ليس داخلاً في خيوط اللعبة أبداً !

وعلى وقعِ صوته وهو يقول : طيب، لك ربع ساعة مو أكثر !

.. رحتُ أتنفسُ الصعداء غير مصدق .

ما هو الإنتظار ؟ هو طريقٌ محفوفٌ بالغيب ، أن تنتظر ، هذا يعني أن تتأرجح طويلاً بين شعور اليأس وشعور الأمل !

بعد إقناعي لماجد دار حديثٌ عاصف أشد ضرواةً مع نفسي .. نشبت حربٌ ضروس بين الخير والشر في اعماقي

كان جانبي الطيّب ، ملاك الخير الذي تلقّى تربيته في بيتنا وكبُر على نصائح والديّ يهتف بي :

- ماذا تفعل أيها المجنون .. أقلع عن نواياك في الحال ، هذا عملٌ لا يليق بك أبداً !

ويهتفُ جانبي السيء ، ملاك الشر الذي تربّى في ردهات الشوارع متسكعاً كل هزيع ليل :

- بطل ، الهروب جبن ، سحَقتكَ في الأولى دون مقاومة ، اثبُتْ لها في الثانية ، وما الحياة إلا التجاربْ !

نعم صفعتني ، لم يكن مجيئها الأول إلا صفعه !

وأعلم أني أقل من إتقان الرد بذات الفعل والتأثير ، لكن يكفيني على الأقل أن تشعُر أن المصفوع لم يسكتْ !

أحياناً تخذلنا القوة ، لكنَ التعبير عن الإضطهاد وصوتُ الإعتراض ليس حكراً على الأقوياء فقط !

لن أكونَ نملةً في بيتٍ حقير يطأها من يطأها ولا يشعرُ بها ..

أريدُ أن أكون على الأقل تلك النملة التي لم يمنعها ضعفها أن تقف لجيش سليمان !

حوار الذات هو أشرسُ حوارٍ على الإطلاق،

أأنتظر ؟ أم أنسى الأمر برمته ..

إنقسمتُ بين هاتين الفكرتين ، كل واحدةٍ تملكُ ألف حجةٍ مقنعة !

وباولو كويلو ذاك اللعين ، كأنه ينظر لحيرتي من بلاد السامبا، كأنهُ رآني يوم قال :

الإنتظار مؤلم ، والنسيان كذلك .. لكن أسوأ أنواع المعاناة هو اتخاذ قرار انحيازك لأيٍ منهما !

نعم أسوأ مافي هذه الحيرة النفسيّة إتخاذ قرارٍ نهائي ، إما المغامرة وإما الإنسحاب ..

لكن مهلاً ..

كل القراراتِ الناجحة في هذه الدنيا ، كل هذه الأفكار العظيمة في العالم ،

كل المشاريع التي أثبتت جدواها عبر التاريخ والجغرافيا..

ماكانت لتظهر لولا كسرُ الخوف !

ماكانت لتكون أساساً ، لو وقع أصحابها فريسةً لأنياب الخوف ،

لا نجاح إلا بعد تخطي الخوف ، بعد الإنطلاق يكمنُ التقييم ليس قبله !

يا سيد كويلو ، يا سيد ماجد ، يا أيتها الحواسيب، يا هذه الدنيا:

لقد قررتُ الإنتظار ! أقبلي أيتها الفاتنة

يتبع .