2

4 0 00

2

كانت تقفُ طاعنةً هذا الفضاء بقوامها الممشوق، جسمها متموسقٌ لدرجة القتل ، ترتدي عباءةً طُرّزت لتزيدها فتنة ، كأنما كانت هذه العباءة إكسسواراً آخر للأناقة لا للستر ..

هذا الكحل الذي يلامسُ عينيها هو الشيء الأكثر حظاً في الدنيا .. ومن خلف نقابها تنحسر رؤوس وجنتيها كشمسين آذنتا بمغيب ..

وقفت كأنما تستفز الصبر .. رائحة عطرها كانت تحيل المكان جنة .. كلما تحركت انحسرت عبائتها عن بنطالٍ أزرق يطل كسوط عذاب !

وضعتْ اللابتوب فوق الطاولة ، كانت يدها السمراء قريبة مني لدرجة الرعب ،سمّرتُ أنظاري على أناملها الرقيقة وأظافرها التي يتراقص فيها لون التوت ..

في بلدٍ آخر ، من السخف أن يلفتك الجمال الجزئيّ ، هناك في البقاع البعيده .. يُكشف الستار عن الجمال كله ، تشاهده في كل طريق .. تتماشى معهُ لدرجة الروتين !

في الرياض ، الأمر مختلف .. هذا المنظرُ يعتبرُ ترفاً لأمثالي .. هذه اللمحات من الجمال تشعرك بالنشوة بالإرتواء ثم .. البكاء !

كانت تخاطب صديقي عن جهازها المملوء بالفايروسات .. وكنتُ أقول في نفسي: بربكِ أتلومينها ؟

لو كنت فايروساً مااخترتُ إلا جهازك .. لسكنتهُ و تأملتكِ ساهمةً أمام الشاشه وشممت عطرك كل ماانثنيتي و صافحت يديك كلما نقرتي على لوحة المفاتيح !

لا قوة في الدنيا ستخرجني .. ولا حتى هذا الماجدُ عدوّ الفايروسات الأول !

في بلدٍ مثل الرياض .. يُترك الحديث للعيون .. هذه الأعينُ لها أبجديةٌ خاصه .. كانت عيني تتكلم كثيراً .. تخاطبها تدللها تسائلها ..

كلما التقت عيناها بعينيّ صرفتُ نظري لأي جهة .. ثم أعود ناحيتها تاركاً الحديث لعيني !

كان نظري كذبابةٍ لعينة .. كلما صرَفتها بيدها ونستها قليلاً .. عاود الطيران والوقوع في ذات المكان !

أيتها السمراء ألا تسمعين دويَ انفجارات قلبي ؟ انظري لأشلاء الشاب المتحطم أمامك !

ليستْ مشكلتكِ هذا الحاسوب اللعين ..تباً له ، هناك بني آدم .. روحٌ تُزهق !

لطالما قلتُ لأصدقائي أن السَمار أجملُ ما تتحلاهُ أنثى .. لطالما نافحتُ عن هذا اللون كأفخم صنفٍ في قائمة ألوان الوجوه ..

كانوا يقولون : البيضاءُ أجمل .. فأفلسف الجمال كأغريقيّ :

نعم للبياض قدسيّته ، لكن أمامهُ ، وفي أسوأ أحوالك ، تستطيع أن تملك زمام أمورك ..

السمراء وحدها من تمرّ بك فتجعلك تطلق تنهيدةً مسموعة كما لو كانت روحك تنسلّ من جسدك !

أينهم هؤلاء الأصدقاء المتفيهقون ، آه لو كانوا هنا .. لقدموا لي الإعتذار واحداً تلو الآخر !

من زحمة أفكاري أفقتْ ، لا أدري أين ذهبَ ماجد .. دخل إلى المستودع الخاص به وتركنا لوحدنا .. راح وأتى إبليسُ ثالثنا !

كان شيطان الغواية يصرخ بي : كلمها يا مغفل !.. والشاب المغفل يجيب : ماذا أقول ،كيف أبدأ !

يعاود الإلحاح : ستندم .. إن ذهبتْ هكذا ستندم .. خاطبها ادعُها للجلوس يا مغفل .. انظر لقد تبرمت من الوقوف !

قفزتُ ملقياً كتابي الذي نسيته مفروداً على ركبتي، قربتُ لها مقعداً وقلت:

- تفضلي بالجلوس ..

ابتسمتْ وقالت شكراً ... قلت في نفسي : ينبغي أن يأتيَ الشكر من الكرسيّ !

عاد ماجد .. تباً للحضور الرديء .. كنتُ سأسألها عن جهازها وقيمته إستدراجاً للحديث ليس إلا ..

أنا آخر من يهتم بهذه الكمبيوترات .. فقط هذا اليوم شعرتُ أنني بحاجةٍ لأدرك بعض جوانبها وأعرفها أكثر ..كنتُ سأفتح محاضراتٍ عن هذه الحواسيب الغبية !

لسوء حظي ،حين كنتُ أنوي سؤالها عاد ماجد ..

عاد يحملُ جهازاً آخر ، أعطاهُ لها .. شكرتهُ وانصرفت !

خرجتْ كمصارعٍ قويّ .. أردى خصمه طريحاً على الحلبة وخرج ..لم أكلفها إلا دقائق ، هزمتني و دق الجرس وانتصَرت !

لن تعود .. سحقتني وتركتني للشقاء .. ستذهب لأمها لغرفتها لتخاطب صديقاتها و تلهو وتنام كأنما لم تفعل شيئاً..

هكذا هنّ الفاتنات، هذا كل ما يتقنّ إجادته.. يفطرن القلوب .. يسلبن النظر .. يجندلن الخصوم دون حتى أن يعرفنَ عن المعركة الدائرة شيئاً !

هه ياللبراءه

دقيقتين من الوجوم ، شعرتُ بأن المحل بات صحراء مجدبه بعد أن كان واحةً غنّاء..

قررتُ الخروج ، شعرتُ أنها أخذت معها الأكسجين من هذا الحيّز وانصرفت ،

أخذتُ كتابي مبتسماً ..

عندما جاءت كنتُ أقرأ الصفحة الثمانين في رواية أحلام، انصرفَت وأنا في ذات الصفحة !

وأنا أترنحُ في طريقي للخروج ، لمحتُ جهازها الذي غادرتْ بدونه ..

سألت ماجد في لهفة : هل ستعود ؟!

أخبرني أنه أعطاها بديلاً ريثما يصلح هذا .. ستعود لتأخذه بعد العشاء !

هتف إبليس في رأسي على الفور : لم تنتهِ المعركة ياصديقي .. احشد قوّاتك.. أمامك فرصةٌ أخرى!

رددتُ على الفور وأنا ابتسمْ :

موعدنا العشاء ، أوَليس العشاء بقريب !

:

: