1
لأنه مَنْ دعاني؛ كنتُ متحمساً جداً، تغمرني رغبة جارفة مثل الإعصار للخروج، على غير عادتي في الأيام الأخيرة. لكن لو كان أحداً غيره هو مَنْ دعاني؛ ما كنتُ لأهتم بالأمر كل هذا الاهتمام، لكن الشيء الذي يثيرني، حتى أشعر بالخدر يغمر جسدي، هو أن الذي يدعوني الآن، ويلحُّ عليَّ عبر الهاتف من أجل أن أُلبِّي دعوته؛ هو. ويجب هنا أن أقول هذا: مع أنه يسبب لي الحرج الشديد، لأنه شخصٌ من الذين كلما تذكرتهم، تسارع إلى ذهني الانطباع الذي رسخ لدى الزملاء عني، وهو انطباع يعود إلى أيام المدرسة الثانوية. وذلك الانطباع، مع الأسف البالغ، ليس سوى تلخيص ظالم لشخصيتي في ثلاث كلماتٍ فقط، الكلمة الأولى هي "متعجرف"، أما الثانية فـ"غضوب"، لكن الكلمة الثالثة هي السيئة حقاً، وهي كلمة "غبي". نعم، لقد كانوا يقولون عني: "إنه متعجرفٌ، غضوبٌ، وغبي". لقد كانوا يطلقون العنان هكذا، وبكل بساطة لألسنتهم، رغم أن والديَّ أطلقا عليَّ اسم "لوتولي"، الذي معناه "الداهية" بعربي جوبا، ولا شك أنهما أطلقا عليَّ هذا الاسم حتى أكون ذكياً بالقدر الكافي لمواجهة الحياة، فهل ارتكبا خطأً ما في اختيار الاسم؟ أسألُ نفسي كثيراً هذا السؤال، إذ أرى كم أنا متخبِّطٌ في الحياة.
إنها وليمة بمناسبة تخرجه من الكلية، ورغم أنه ربما يكون آخر مَنْ ينهي الجامعة بين زملاء المدرسة الثانوية، إلا أن ذلك لا يُحدث فرقاً على الإطلاق، فالكثير من الذين سبقوه إلى ذلك – التخرج - يشعرون الآن بالمرارة تسود أيامهم، فيما الحنين إلى أيام الجامعة يغمرهم، تلك الأيام الجميلة، أيام كانت أضواء المستقبل الباهرة تجعل كل واحدٍ منهم مبتهجاً، ويعيش الدنيا غِرِّيداً بالأمنيات مثل عصفور سعيد.
لولا هذه الدعوة، ما كنتُ لأخرج من المنزل على الإطلاق، فقد مضى على مكوثي في المنزل أسبوعٌ دون نيّةٍ في الخروج، إنه الشعور بالذنب يُدخلني العزلة الاختيارية، لأنني عندما أسير في الشارع أحس بالعيون تنظر إليّ، وأخمن أن أكثر أصحاب تلك العيون المزدرية إيّايَ، لا شك يقولون: "هذا البائس، كم يجلب العار لوالده المسكين".
ربما هم على حق، فأنا بالفعل عارٌ على أبي، والسبب أنني منذ تخرجي في الجامعة قبل سنوات، بل وحتى الآن، لا أزال كما أنا، دونما إنجازٍ يفخر به، ويزيد الطين بِلَّةً أنني لم أشعر بالارتياح في أي وظيفة، قط، والمؤسف جداً أن عدم الارتياح هذا، قد بلغ سلك القضاء الذي تمنّاه لي والدي كثيراً، ونجح أخيراً في إلحاقي للعمل به، بفضل علاقاته العشائرية المتشابكة مثل أذرع الأخطبوط.
نعم، بفضل تلك العلاقات المتشابكة، التي تعود إلى كونه ابن سلطان مُعظَّم، وبفضل شهادتي الجامعية أيضاً، تلك الشهادة التي كلما نظرت إليها أحسستُ بأنني أنظر إلى شهادة وفاتي، فالحقيقة التي لا أستطيع اليوم إلا أن أقرّ بها، هي أن الموت أصبح يتسلل إليّ منذ تلك الليلة البعيدة، التي بكيت فيها حتى الصباح، وقد تلاشى كل أملٍ لي في أن أرى "كوميان" مرة ثانية.
"كوميان"، أين هي الآن؟ تركتني بعد أن جعلتني أشعر أن الحياة قد بدأت تبتسم لي، وجعلت كل نصيبي من الأوقات الجميلة التي عشناها معاً، حجراً رملياً أبيض، تركته أمام المنزل الأسود، الصامت مثل قبر. إنها فكرة لا يمكن لها أن تأتي إلا من فتاة مثلها.
لقد كانت من ذلك الصنف من الفتيات، اللواتي يعتقدن أنه يمكن للحياة أن تسير كما في الأفلام، حيث تستحيل الأمنيات سريعاً إلى حيوات تُعاش. لكن هل من العدل أن ألومها؟ كثيراً ما أسأل نفسي قبل أن أستدرك قائلاً لنفسي أيضاً: "هل من العدل ذلك؟ وأنا مَنْ كانت تنقصه الجرأة والشجاعة للوثب إلى الأمام، في ذلك اليوم الذي قالت فيه: اخطفني، لنهرب معاً".
لماذا أُلقي باللوم عليها؟ وأنا قد فشلتُ في أن أكون غطاءً لها، عندما كانت تشعر بمواسم من البرد مختبئة بين طيات حديث والدها، وهل أستطيعُ أن أخادع نفسي بالقول إنني علمتُ متأخراً أن اسمها نفسه يعني "غطِّني"، لكن السؤال الذي أطرحه لنفسي دائماً هو: "هل مَنْ سمّوها بهذا الاسم، "كوميان"(1)، كانوا يقرأون الغيب بحيث علموا أن شخصاً ما، مثلي أنا، سوف يُصاب بالبرد الدائم نتيجة لفقدانها؟".
إنها دعوة إلى وليمة، تلك التي تلقيّتُها، لذلك ربما كنتُ أجهزُ نفسي بحذر بالغ، لأن ما كنتُ أعدُّ له نفسي ليس في الواقع سوى السأم والملل، وهل من شيءٍ آخر ليجعلني أشعرُ بالملل غير دعوتي إلى حضور وليمة؟ وعدم ارتياحي هذا على وجه التحديد، كان يجعل شعوراً بالحاجة الملحة إلى التقيؤ، يملأ معدتي، كأنني مصابٌ بمرض الملاريا.
تلك الولائم التي كانت تقيمها الأسر الفرحة بتخرج أبنائها في الجامعة، كانت تسبب لي ذلك الشعور الكئيب لأن مختلف الأنواع من المتحدثين المملين، غريبي الأطوار، كانوا يستغلون تلك الولائم، للحديث عن كل شيء وتمرير صفقاتٍ سياسية، دون أن ترمش عيونهم من الخجل أبداً، والمؤسف في الأمر هو أن أكثرهم يطنب في الكلام، كلما صفق له الحضور بدافع من الضجر وليس الاستحسان، والنتيجة النهائية أن شعوراً بانسداد الشهية لمتابعة البرنامج حتى النهاية، يصيب أغلب الحضور بطريقةٍ معدية.
ذلك الشعور بالتقيؤ كان يجعلني أعتذر بأدبٍ جم، كلما دُعيت إلى حضور وليمة تخرُّج، وكنتُ أحرص دائماً على أن أفعل ذلك، أن أعتذر، دون أن يفوتني إرسال أمنياتي القلبية للمُحتفى به، وهي في العادة أمنياتٌ بسيطة، مثل دوام التقدم، والازدهار طوال الحياة.
رغم ذلك الشعور بالتقيؤ الذي يلازمني كلما تلقيتُ دعوةً لحضور وليمة، أجد نفسي مستعداً لقبول هذه الدعوة بشكلٍ لا مفر منه، كانت تحمسني إلى ذلك القبول عدة أسباب، أهمها في رأسي الهادر بالأفكار مثل شلال مجنون، معرفة السبب وراء حرص المُحتفى به الشديد على دعوتي شخصياً، ذلك الحرص الذي تجلى في أنه كلف نفسه شخصياً، البحث عن رقم هاتفي والاتصال بي صباح نفس اليوم، كيما يذكرني بضرورة الحضور، كل هذا الاهتمام رغم أن زمالتنا معاً، لم تأخذ غير ثلاث سنوات من العمر، هي أيامنا في المدرسة الثانوية، وقد كانت العلاقة التي تربطنا معاً باردةً، لا تتجاوز في أغلب الأحيان الحديث حول أمور الدراسة.
مهما يكن من الأقاويل التي أسمع الزملاء يقولونها عنه؛ فإن "كور" الآن قانونيٌّ يجب على الجميع معاملته بكامل الاحترام والتقدير، اللذيْن يليقان برجل قانون حقيقي ومُجد. قلتُ لنفسي، قبل أن أضيف لنفسي أيضاً: هناك خيارات كثيرة للاحتفال بمثل هذه المناسبة، مثل إقامة رحلة نيلية أو حفلة دي جي، بدل فكرة الوليمة المملة هذه، لكنها الطباع، جبالٌ لا تتغير.
ربما طباعه هي ما جعلته، يختار من بين الخيارات الكثيرة المتوافرة، الخيار الذي يشعر الجميع بالملل نحوه، وهو نفس الشيء الذي جعلنا جميعاً، نتذمر منه في ذلك اليوم، يا إلهي! كيف لي نسيان ذلك، والأمر قد حدث في اليوم الأول لنا بالمدرسة الثانوية؟ يكفي أن أغمض عيني لثوانٍ فقط، كي أتذكر أن روائح مطر يوليو الثقيل، كانت ما تزال في الجو، وكنا كالعرايا في ملابسنا الجديدة.