2
كنا نحن طلاب المستوى الأول فخورين بملابسنا المبقَّعة، بألوان تشبه خطوط حمار الزرد، أو تلاوين جلد الكلب البري المعرف بكلب الشيطان، وقد كنا من الإثارة لارتدائنا تلك الملابس، حتى إن أكثرنا كان يتحسس جسده بين الحين والآخر، ليتأكد أنه بالفعل يرتدي اللباس الذي ناضل عاماً دراسياً كاملاً، من أجل التبختر بارتدائه، كما كان يحدث في ذلك الطابور الصباحي البعيد.
كنا في الواقع لا نعرف كيف سيكون الطابور الأول لنا، في تلك المرحلة الجديدة من مسيرتنا التعليمية. ورغم الحماسة التي كنا نشعر بها، كان الحنين يشدنا إلى عامنا الأخير من مرحلة الأساس، حيث استمتعنا كثيراً بكوننا السناير.
كانت تلك المشاعر المختلطة، من الحنين والترقب تغمرنا جميعاً، عندما صرخ وكيل المدرسة وكان للتوِّ قد سقط أرضاً، متعثراً، نتيجة اصطدامه بحجر، وذلك عندما كان يستعد لأخذ مكانه وسط الطابور، لقد صرخ يريد طالباً متطوعاً ليقوم بمراقبة تنظيف المدرسة من الحجارة، وإقامة المتاريس أمام عربات الكارو، التي تجرها الحمير، وكانت تمر بالقرب من الفصول.
لبرهة من الوقت تيقّن الجميع أن طلب الوكيل قد رُفض صمتاً، لكن الجميع فوجئ بولد نحيل مثل ساق الذرة، المُسمى محلياً قصب العنكوليب، يتبرَّع بنفسه متطوعاً للقيام بما طلبه الوكيل، لكن المتطوع نفسه فوجئ حينما ترامت إليه الهمهمات والغمغمات من كل الجهات.
- مُؤرَّسِين ظَهروا.
- كدا نشوف نهاية الطَّأْرَسة.
قال آخر.
لقد كان الأمر بالنسبة إلى "كور" حامضاً، لأنه كسب ود وعطف الوكيل، الشخص الأقوى في المدرسة، لكنه زرع سخريتنا منه، وسوف يظل يحصد ثمار تلك السخرية، طويلاً، وطويلاً جداً.
مهما يكن من الذكريات، كنتُ مستعداً للوليمة، ورغم أنني ما زلت عند وجهة نظري، وهي أن هذه المناسبة تستحق حفلة دي جي، بدل تلك الوليمة السخيفة، كنتُ أجد له العُذر، وأقول لنفسي كأن السنين لم تمضِ، فحتى تكون مثل هذه الحفلات محترمة، فإنها قبل أي شيءٍ آخر، تتطلب وجود فتاة لأيٍّ من الحضور، وهو الأمر الذي قد لا يستطيع "كور" الوفاء به، تجاه نفسه قبل الجميع.
ويستطيع كل مَنْ درس معنا المرحلة الثانوية، أن يؤكد دون عناء التذكر، أنه ظل طيلة السنوات الثلاث التي درسناها معاً، لا يدلي برأيٍ في الونسات التي تدور حول البنات قط، هل قلتُ قط؟ أنا أقصد مع استثناءٍ واحد، وهو ذلك اليوم الذي تحدث فيه، ولمرةٍ واحدة وأخيرة، لكنها المرة التي انتهت برهانٍ بيننا، نحن الاثنيْن.