3

9 0 00

3

حتى الآن أستطيع أن أتذكر جيداً، أنه كان يوماً من نهايات شهر سبتمبر، وكان الجو حاراً مثل فرن يغلي، لدرجة أنه كان بالإمكان رؤية النسور صلعاء الرأس، كما لو أنها تسبح في بحر من البلور. كنا جالسين خارج الفصل، كعادتنا في حصة التربية الإسلامية، كنا جالسيْن على المزيرة، بالطبع لم نكن جالسيْن بين الأزيار، بل في مواضعها، إذ أنها لم تكن قد جُلبت بعد، ولا عجب في ذلك، إذ لم يكن من شيءٍ مكتملٍ في تلك المدرسة.

نعم لم تكن المدرسة مكتملة، ولم يكن ثمة شخصٌ واحد ينتظر لها أن تكتمل، لأنها بُنيت من البداية لإسكات ملاحقات الأهالي للسلطات سؤالاً، حول المدرسة التي وعد بها مسؤولٌ رفيع في حزب الحكومة، خلال زيارته إلى الحي إبان إحدى الانتخابات الكثيرة التي يعرف الجميع نتيجتها مسبقاً، لكن حزب الحكومة كان يصر مع ذلك على إغداق الأموال في منافسة نفسه.

وربما لذلك السبب، عندما شُيِّدت المدرسة، حرصت الحكومة جداً، على أن تُشيَّد بالطريقة التي تُلحق الندم بالذين أمسكوا الرجل الرفيع من لسانه، فقد شُيّدت على مرمى حجر من مقبرة غير مسورة، يستخدمها السكان كأكبر مرحاضٍ مشترك للجنسين في العالم، وذلك أثناء ساعات الليل، وهذا السبب بالذات، هو الأمر الذي يجعل الطلاب، يتغيبون عقب كل ليلة ماطرة، تجنّباً للروائح النتنة الناتجة من امتزاج البراز الآدمي بالماء، الذي يتراكم بدوره ليبقى في النهاية راكداً في الخور الذي تم حفره من قبل السلطات المحلية، حتى لا تبتلع المقبرة المدرسة والمنازل المجاورة.

حين استقبلت المدرسة الطلاب في المرة الأولى، كانت عبارة عن فصلين غير مكتملي البناء، وقد كان بالإمكان رؤية الضوء المتسلل من الشقوق التي تملأ الجدران، وهو يملأ الأنحاء، على قميص المعلم حيناً، وعلى السبورة حيناً آخر، كما لو أن أحدهم أخذ يلاعب الفصل لعبة الحرامي على الحيطان، مَنْ لا يعرف لعبة "امسك اللص، إنه يتسلق الحيطان".. لقد كانت لعبتنا المحببة في الطفولة البعيدة. كان أحدهم يمسك بالمرآة، ثم يطلب من الآخر الإمساك بحفنة الضوء التي تتحرك في الحائط، صارخاً: "امسك اللص، إنه يتسلق الحيطان، إنه يوشك أن يهرب".

أما المدير أو الناظر، لا يهم أيهما المناسب من الاثنين، إذ لم يكن يدير المدرسة ليُسمى مديراً، لكنه لم يكن ينظر إليها كذلك، ليستحق أن يُطلق عليه لقب الناظر، وقد كان في الواقع الشيء الوحيد، الذي كانت الحكومة تبحث عنه لتُكمل ندم الأهالي: كانت له صلعة تلمع من مسافاتٍ بعيدة، كانت صلعة تليق بتاجر مواشٍ أصيل، وهذا بالفعل العمل الذي كان يجد فيه نفسه، أكثر من أي عمل آخر، بحيث أنه كان يوجد وسط خرافه أكثر من وجوده في المدرسة، ربما لهذا لم يكن من أحدٍ ليعرف كيف يُفكر، وقد كانت أوقات مكوثه في المدرسة، لا تتجاوز أكثر من الوقت الذي يسمح له بتناول الإفطار، والتحدث قليلاً مع المعلمين، ثم الانصراف، بعد التذكير المشدّد على ضرورة دفع الطلاب لرسوم التسجيل كاملة.

في ذلك الجو الساخن مثل فرن يغلي، ونحن ننتظر انتهاء حصة التربية الإسلامية؛ لم يكن من شيءٍ ليشغل بالنا، أكثر مما حدث يوم السبت. لقد كان يوماً دراسياً عادياً، حتى اقتحمت المدرسة بصات الهكر، وهي تلك البصات الصدئة التي خرجت عن العمل، إلا في خط "الحاج يوسف –بحري"، وبعض الخطوط القصيرة الأُخرى، مثل خط جبرة، أو بُري بالمعرض، أو بُري بالنص، أو حي امتداد ناصر؛ لكنها بأمر الحكومة كانت تستطيع الذهاب إلى أيِّ مكان.

كانت مسيرة للتنديد بشيء ما، لم نكن في الواقع لنكترث بالتنديدات والشعارات التي نُلقَّن النطق بها على عجل، لأن ما كنا نعرفه يقيناً، هو أن لا وقت لأمريكا، حتى تستمع لتلك التنديدات بها، كما أنه لا وقت لها أيضاً، وبكل تأكيد لتقرأ الشعارات المكتوبة عنها، وهي المشغولة بإنتاج الأفلام الجميلة، وتصدير أغنيات الراب وجوالات القمح إلينا.

لكن الشيء الذي كنا نكترث له حقاً، هو أن تلك المسيرات كانت توفر لنا الالتقاء بالبنات اللواتي في مثل أعمارنا، والدارسات في الثانويات الأخرى.. إنها خلوات جميلة تسدد الحكومة فواتيرها، مقابل أن تحصل في نشرة الأخبار، على صور لجموع تردد مثل الببغاوات، هتافات كبيرة تتولى هي تسويقها، مع علمها التام بأن لا أحد سوف يصدقها، لكن ماذا يضيرنا نحن، وقد كان الأمر بالنسبة لنا، مثل علاقة تكافلية يستفيد منها الطرفان.

-المسكين لا يستحق هذا.

قال "جون".

- مَنْ هوالمسكين؟

قلتُ متسائلاً.

-علينا القيام بعملٍ ما، علينا الانتقام.

واصل "جون" الكلام متجاهلاً سؤالي.

-لندعه يحاول مرة أخرى.

قلتُ.

-هل أنت مجنون؟ سوف يموت.

قال "كوات" الخجول رداً على كلامي.

- إن الأمر إهانة لكل مدرستنا وليس له وحده.

قال "جون" بغضب أكبر هذه المرة.

-لن نشارك في ذلك الانتقام، مَنْ علمه تلك الطريقة المضحكة في التقرب إلى الفتيات؟ هل كان يظنها سوف تهرع إليه، لتراقصه على أنغام "دادي يانكي"(2).

قلتُ بسخرية مصطعنة.

-أنت خائف.

قال "جون" مقاطعاً كلامي.

-من ماذا؟ لمَ أخاف؟

قلتُ بانفعال شديد.

-من رد اعتبار مدرستنا.

قال "جون".

-هذه معلومة تنقصني، اعتبار المدرسة مربوطٌ بمجنون لا يعرف كيف يتودد إلى الفتيات.

قلتُ ساخراً.

- لا ينبغي الشماتة في شخص غائب.

قال "كور" بهدوء ملفت.

-سوف أنتنظر هذا الغائب لأخبره أنه ليس من اللائق أن تسلم فتاة رسالة كتبتها أنت أمام الجميع، دون أن تنسى تذكيرها بأنك سوف تنتظرها مدى الحياة، يا إلهي! ظننتها سوف تفقأ عينيك، بعدما مزقت رسالتك طالبة منك أخذ رماد حبك والاحتفاظ به مثلما يفعل الهنود بموتاهم. يسرنا أن ننتقم لأجلك.

قلتُ بحنق شديد.

-الجمعة، يوم الجمعة المقبل، حين تشير الفتيات إليك قائلات: هذا أيضاً أحد بلهاء مدرسة التكامل، سوف تعلم حينها فقط كم كنا محقين.

عاد "جون" إلى الكلام، لكن بهدوءٍ مصطنع هذه المرة.

-سوف نرى ونرى.

قلتُ بسخرية مصطعنة.

-أقدر حبك للخير، أقصد خيرك المتمثل في حرصك على...

قال "جون" ثم صمت قليلاً قبل أن يواصل الكلام:

- عدم ضياع "كوميان" منك إذا شاركت في الأمر.

صمت "جون" مرة أُخرى ثم أضاف:

-حتى صديقاتها مشمولات بهذا الانتقام، حتى ك.و.م.ي.ا...

قطّع الاسم العزيز إلى قلبي هكذا، بكل سخرية وتهكم، ثم انفجر بالضحك.

خرج أستاذ مادة التربية الإسلامية، وقد نسيتُ أن أقول إن من أوصافه المرعبة التي لا تُنسى، تلك اللحية الطويلة التي تعطي وجهه بروفايل تيس من فصيل المعيز الجبلي. وهناك أمرٌ مهمٌ آخر نسيتُ أن أذكره أيضاً، وهو أنه بالإضافة إلى تدريسه مادة التربية الإسلامية لكل الفصول، يشغل منصب وكيل المدرسة، أي الرجل الأعلى كلمة بها، بعد المدير الغائب دوماً بطبيعة الحال. لقد خرج الوكيل قبل انتهاء حصته وبدل أن يتجه إلى مكتب المعلمين اتجه إلينا، لقد وقف دقيقةً من الزمن دون أن ينطق بكلمة، وقف كما لو أنه في حصة إملاء غير منظورة، ثم قال:

لو سمعت أي جوطة تانية، ح تنظفوا الأدبخانات الأسبوع دا كلو.

صمت ثم أضاف قائلاً:

-هذا وعد.

صمتنا جميعاً، لم يتجرأ أحدٌ منا على فتح فمه، لكننا عاودنا الكلام ساعة الفطور مرة أُخرى، هذه المرة كنتُ أسعى إلى إقناعهم باستثناء "كوميان" من الانتقام الذي كنتُ أراه في وجوه الجميع، فقد تمكن "جون" من إقناعهم بأن ما سوف يقومون به، ليس سوى رد اعتبار للمدرسة. ما زلت أتذكرُ كيف انتهى النقاش عندما قال "جون":

-النقاش انتهى، كُن رجلاً أو لا تكن.

-نعم.

-نعم.

-انتهى الأمر.

-لا يبدو أنه سوف يشي بنا.

-لا سوف يصبح رجلاً.

هكذا ردد جميع مَنْ كانوا جالسين، وقد بدوا مصممين على إنزال العقاب بـ"قسمة" قبل يوم الجمعة، ليطغى الانتقام على كل ما عداه من أحداث، خاصة ما حدث لـ"بول".

"كور" وحده لم يشارك في هذا النقاش، لم يكن موافقاً أو معارضاً، وهذا الأمر لا يدهش قط، لأنه قرر منذ دخوله المدرسة الثانوية ألا يدلي برأي في أي أمر خارج نطاق الدراسة، ورغم أن شخصاً كهذا لا يُرجى منه الكثير، فقد كنتُ مستعداً للاستماع له، لأنني في الواقع، كنت في حاجة ملحة وماسة إلى مَنْ يقف في صفي، إلى مَنْ يخبرني بأنني لستُ وحيداً، حتى لوكان ذلك بالكلام فقط، لكنه خيَّب ظني منذ الكلمة الأولى التي نطق بها.

-الأمر لا يستحق كل هذا القلق.

قال "كور".

-وما الذي يستحق القلق؟

تساءلتُ غاضباً.

-أنت مضطربٌ أكثر من اللازم.

أجاب هو.

-هذا الكلام متوقع من شخصٍ لم يختبر الحب، ومعرفته بالبنات تنحصر في أخواته.

قلتُ غاضباً.

-أنت متوتر. دع هذا الكلام، مَنْ قال إنني لا أعرف من الفتيات إلا أخواتي؟!

أجاب بكل هدوء.

-هذا يوم عجيب يبدأ بغضب وينتهي بكذب.. أراهنك أنك لم ترتبط بأي فتاة من قبل.

قلتُ ذلك كيما أستهزئ به. لكنه رد قائلاً:

-أنت تراهنني؟!

-إذا كنت راغباً في رهانٍ سوف تخسره فليكن.

قلت ذلك فاقداً كل ما لديَّ من صبر. أما هو فاستمر في الكلام بنفس الوتيرة من الهدوء قائلاً:

-هذا هوالرهان، سوف نتعرف بكل...

قبل أن يكمل قلتُ مقاطعاً كلامه:

-أنت مجنون. أتخيل كيف سوف تتكلم أمام الفتيات، عن أشياء مقيتة مثل ممارستك العادة السرية، و...

هذه المرة جاء دوره ليقاطع كلامي قائلاً:

-هذا رهان، أنت طلبته، وأنا مَنْ أضع شروطه.

ـــــــــــــــــ

(1) كوميان: تعني "غطيني" في لغة الشلك.

(2) دادي يانكي: فنان كولومبي شهير.

الفصل الثاني