2
هو الصباح يتنفس..
أشعة الشمس تفتح عينيها في تكاسل.. تتثاءب على الروابي.. منذ لحظات غادر عبدالرحيم والجازيه البيت باتجاه المدينة.. تركت أم الأولاد تحضر الطعام وخرجت أتفقد الأرض التي ازدهت فرحا.. وضحكت بالأعشاب والورود.. كان الجبل يفتح ذراعيه كالعاشق الولهان يضم قريتنا فتنام في حضنه في وله شديد..
زارني ضيفان الربيع والسعيد أخويَّ في الثورة.. لا أحد يمكنه أن يتصور كم فرحت.. فتحت لهما قلبي وفتحت الدار القبليـة(1)
جاءت بنت عمر أم الأولاد بمثرد كسكس وطاس من الرايب أكلا.. أنا ما كنت آكل الطعام لكني كنت آكل الذكريات.. ذكريات الشباب وذكريات الثورة لما كنا لا شيء يجمعنا غير الحب.. حتى كنا نقتسم التمرة الثلاثة والأربعة.. ونقتسم الرصاصة والدمعة.. ونقتسم الابتسامة.. قال لي الربيع وهو يرفع شاربيه الكثين إلى الأعلى:
- ياصالح يارصاصة.. مالك لا تريد أن تتبدل؟
قلت وأنا متعجب:
- أتبدل كيف؟ ماذا تقصد؟
قال السعيد وهو يضحك:
- فات وقت الرصاص ياصالح ياخُيَّ.. اليوم نحن في عصر الأسلحة النووية والكيماوية..
قلت بحيرة وربما ببلاهة:
- والله ما فهمت شيئا..
قال لي وهو يلف بأصابعه سيجارة البَرْزِيلي(1) ويتابع قهوة الجزوة(2) تنصب من الإبريق إلى الفنجان فتملأه زبدا:
- وهذا دليل على أنك ما تغيرت.. لابد ياصالح أن تصير صالح الصاروخ.. صالح الرأس النووي.. صالح القنبلة الذرية..
أشرقت على وجهه ابتسامة ثم عاد سريعا إلى جديته وواصل:
- ياصالح الناس كلهم تغيروا.. الناس كلهم تبدلوا.. الزمان الذي فات ولَّى إلى غير رجعة.. والأفكار التي كانت زمن الثورة زالت.. وأنت أنت.. حالتك تُفجع.. لم تتغير ولم تتبدل..
ماهذه اللغة التي أسمع؟ أهي إحدى مقالبه التي تعود أن ينصبها لنا أيام الثورة فلا يدع الواحد منا حتى يثير أعصابه.. وحتى يُضحك عليه الآخرين؟ لا أعتقد ذلك لقد تقدم بنا قطار العمر وما بقي لنا مزاح.
- فاتك القطار.. وبقيت أنت صالح الرصاصة.. نفس الطول.. نفس العرض.. نفس البيت.. نفس الأفكار.. نفس اللباس.. نفس.. أفق ياصالح يامغبون..
وهذه أول مرة أسمع فيها كلمة صالح المغبون بدل صالح الرصاصة.. انغرز الخنجر عميقا يغتال فرحة القلب.. عاودت أسترجع هدوئي وقلت له:
- أنا هكذا سعيد وهانئ في قريتي مع زوجتي وأولادي مابقي لي غير أن أموت هانئا إن شاء الله وأدفن كما أوصى والدي.. والدي الذي تعرفونه.. والدي الذي قدم روحه في المعركة كي يحميكم.. والدي الذي كان أبوكم كلكم.. ليس ممكنا أن أنسى وصيته الغالية.. " ياولدي لا تخن أرضك ولا تخن عهد الرجال ".
وكان حلمه الأكبر أن أدفن قريبا منه وهذا من حقه.. لقد كان لي أما وأبا.. ضحى بشبابه من أجلي.. أنا ما نسيته ولن أنساه.. أزور قبره وقبر أمي كل صباح وعشية.. أسقي الأزهار والأشجار التي حولهما وأقرأ على روحيهما الفاتحة..
أنتما تعرفانه جيدا كان أبا لنا جميعا.. صحيح كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة.. ولكنه علمنا كيف نحب هذه الأرض.. وهذا الوطن.. وكيف نضحي من أجلهما.. وكيف نقلع من أعماقنا الأنانية.. وكان – يرحمه الله – يفضِّلنا في اللباس والطعام وحتى الرصاص.. وكان دائما أولنا في الأيام الصعبة.
وأحسست أني تكلمت أكثر مما يجب فسكت فجأة.. نظرت إلى الربيع كان يبكي دموعا دافئة حارة وبجواره كان السعيد ساكتا كالحجر
كان علي أن أدفئ الجو فأغير دفة الحديث.. فقلت وعلى محياي ابتسامة أجهد في رسم معالمها:
- إذا قدر الله ومت فجأة فادفناني حيث أتمنى
لم يشأ السعيد أن يغير موجة الحديث فقال:
- ومن يجهل صفات وخصال وبطولة سالم العلواني.. سالم الوطني.. كلنا يعرف ماكنت تقوله.. ويعرف أكثر مما كنت تقول.. ذاك رجل أحبه الله فأخذه..
وعلق الربيع على كلامه بقوله:
-صحيح.. يرحم الله كل الشهداء..
وأحسست أني انتصرت في هذا النقاش فقلت:
-إذن كيف تريدانني أن أخون؟ كيف تريدان لي أن أخالف وصية الوالد؟ لا هذا مستحيل.. مستحيل.
ضحك السعيد وقال:
-صدقني ياصالح ما دمت هنا ترى القبور في الصباح والعشية ستعيش على التاريخ فقط.. على الماضي.. وعلى الموتى.. و.. ستبقى دائما رصاصة.. ولكن رصاصة باردة ميتة.. من قال لك ستخون؟ القضية ليست قضية قبور ياصالح ياخُيَّ.. أبوك نحمله جميعا في قلوبنا.
وأحببت أن أقاطعه لكنه واصل يقول:
- الناس الآن ياصالح تعيش على المستقبل.. الناس طلقوا الماضي.. هكذا ياخُيَّ صالح ستضيع وتضيع عائلتك وأولادك.. لابد أن ترحل إلى المدينة.. من حقك ياصالح أن تعيش سعيدا.
وعلق الربيع موافقا:
-نعم من حقك أن تعيش.. هناك ياصالح في المدينة الماء والكهرباء والغاز والجامعات والمشافي والطرق المعبدة.. من حق الأولاد أن يدرسوا.. من حقهم أن يتحضروا ويعرفوا العالم.. أنت ياصالح أديت واجبك وقت الثورة.. ماذا يريد منك الناس الآن.. وهم لن يقدروا على تقديم حتى جزء مما أديت أنت..؟ أنت قدمت لهذا الوطن في يوم من الأيام.. في وقت شبابك دمك وروحك.. وكل شيء في هذي الحياة أحقر وأتفه من الشباب والدم والروح.
وأحسست بالقشعريرة تهز فرائصي أكاد أقتنع..
كل شيء ينهار دفعة واحدة..
تطل علي الخيانة مبرقعة..
تبتسم..
راحت صور والدي ممددا مضمخا بدمه تبرق بين عيني.. جذبت نفسا عميقا من سجارتي.. نفثت الدخان فكاد يحجب الرؤية بيني وبينهم.. وقلت وأنا أدفن رأسي بين أصابع يمناي:
- اتركاني أرجوكما.. إذا كنتما تحبانني فاتركاني لحالي.. أنا خوَّاف.. أخاف المدينة.. المدينة عاهرة فاجرة ستفسدني.. تبدلني.. تغيرني.. تبلعني.. المدينة ياناس قذرة وسخة ستوسخني.. خذوا كل شيء.. كل شيء.. المال.. الجاه.. السلطان.. الفيلات ودعوني لحالي.. دعوني لحالي.
وخرجت فارا إلى عرجونه بنت عمر.. هذه المرأة التي اختارها لي والدي وكان يقول عنها دائما: ياصالح بنت عمر نسخة من أمك ولذلك اخترتها لك.. إياك أن تخونها.. حين تحتار استشرها..
دخلت عليها كالعاصي المثقل يدخل إلى مزار ولي صالح.. قعدت قريبا منها دون أن أنطق.. كنت أسترق النظر إليها لأرى رد فعلها.. بصرتْ بحالي تغيرت ملامحها.. ذئبة تجرأ العدو على الاقتراب من عرينها
حين تضيق بي الدنيا وأحتاج إلى رأيها أدخل عليها في صمت.. وأجلس قربها في صمت..
هي وحدها تشم الهم..
تقرأه على تضاريس الوجه..
تحتها أقعد أرنو إلى عليائها تتدلى عراجين..
دون أن أنتبه نطقتْ.. تضعضعت أركان البدن المتهاوي.. غدوت مجرما اُكتشف فجأة متلبسا قالت:
- ما الذي بدل حالك؟
ابتلعت ريقي.. وضعت يميني على جبهتي.. طرحت عليها القضية دون تفصيل.. ورحت أسترق إليها النظر.. أنتظر ما الذي تنطق به.. كمجرم ينتظر النطق بالحكم.
فهمتِ الأمر فقالت:
-وإذا رحلت إلى المدينة تبقى صالح الرصاصة..؟ كلمتك هي رأس مالك.. حياتك هي شرفك..؟
ابتلعت ريقي وقلت:
- لا مستحيل أنا خائف.. إذا رحت إلى المدينة ياعرجونه ياأم أولادي أخشى أن أصير صالح الخيط..
ضربت صدرها بيديها وقالت:
- سبحان الله !من صالح الرصاصة إلى صالح الخيط؟ تبدل الخيط بالرصاصة؟ الرصاصة الحارة التي تخرج فلا تعود.. والتي تنطلق فلا تميل..
لم أستطع مقابلتها.. أحسست أنها خير مني.. أقوى مني.. تخيلتها فرسا جموحا حبستها الحجرة الضيقة..
خرجت عجلا دون أن أعلق بكلمة.. رجعت إليهما جلست إليهما طويلا دون أن أتكلم.. احترما في البداية سكوتي وحينما طال قال السعيد:
- بم أشارت بنت اعْمَرْ؟
وضحك وهو يواصل:
- حمدة خير من أحمد!
وسكتَ.
هما يعرفان أنني أستشيرها في كل شيء.. ويعرفان قيمتها.. كانا معا يقلبان فيَّ بصريهما وفيهما إلحاح بقبول الفكرة.. ورغم كوني كنت أخاف المدينة.. كنت أدرك أنهما ماأرادا لي إلا الخير.. أشفقا علي وعلى حالي وفقري.. وأردت أن أقول لا للمدينة.. فقلت نعم.. قلتها خافتة باهتة بلون القفر وطعم الفقر.. قلتها وأنا أعرف أن عرجونه لن ترفض قرارا اتخذته.