الفصل الثاني

5 0 00

الفصل الثاني

خادم الكونت Count The Servant

قلت في حماسة :

- " لكن كلينا رجل علم ، و كلينا يعرف أن مالا يرى و لا يسمع و لا يشم و لا يعقل ، هو ببساطة غير موجود ..." .

أيتسم د. ريتشارد في ثقة .. ثم اتجه نحو خوان في ركن الغرفة و فتح درجه و أحرج ظرفاً ممتلئاً ناوله لي ، وقال :

- اقرأ هذه الأوراق قبل أن تتحدث عن العلم ..

قبل أن أرد دخلت علينا ( مسز كامنجز ) باشة الوجه .. و بالإنجليزية حاولت أن أجعلها راقية شكرتها على العشاء .. ثم بدأنا حديثاً عن الطقس .. ثم أطريت بيتهم و أبديت إعجابي بلوحة العشاء الأخير المعلقة ، فشرعت تشرح لي قصة اللوحة و نظرات الدهشة المرتسمة على وجوه الحواريين ..... و . ..... و ........

- هل تعلم سر تشاؤم الغربيين من سقوط الملح على المائدة .؟

فهززت رأسي معترفاُ بجهلي .. قالت :

لأن " يـهوذا " الخائن مرسوم في اللوحة وقد انسكب الملح على المائدة أمامه .

هل ترى وجهه ؟ هذا وجه ارتسمت عليه كل خطايا البشر .. إنه خاضع للشيطان لكنه مستسلم لهذا و لا يجد سبيلا آخر ...

كنت في هذه اللحظة دخلت في عالم اللوحة لكنى كذلك كنت أفكر في المسافة الطويلة التي تفصلني عن الفراش الدافئ و قراءة هذا المظروف الذي أحمله ..

وحين عدت للفندق تمددت في الفراش و تأملت المظروف الذي أعطنيه د. ريتشارد ، و كان مليئاً بأوراق قديمة و صور فوتوغرافية ..

كانت إحدى الصور لقصر أثري غريب ، و أخرى لتابوت رخامي مغلق ، ثم صورة لشئ لم أفهم ما هو ، ثم صورة للوحة زيتية تمثل رجلاً ملتحياً طويل القامة .. أما قطعة الورق الصفراء المهترئة فكان بها خريطة مرسومة بحبر أسود لقصر مجهول به سراديب سميت بأسماء سلافية لم أعرف حتى كيف أقرؤها ..

ألغاز كثيرة جداً ..

أخيراً ورقة بالإنجليزية - بخط د. ريتشارد - تقول : " بقد بحثنا شهوراُ في سراديب قصر ( الكونت دراكولا ) في ترانسلفانيا ، وهو الذي منعت السلطات السياح من زيارته لأنه آيل للسقوط في أكثر من موضع ... و أخيراً وجدنا الخريطة في سرداب قديم ملئ بالأثرية و الوطاويط ...

وقد فتحنا التوابيت كلها حتى وجدنا مومياء الكونت و على صدرها وجدنا صندوقاُ عاجياً فيه رسالة كتبها خادم الكونت للأجيال القادمة :

- أكتب هذه الرسالة لمن يأتون بعدى كي أحذرهم من خطر داهم شنيع ، لقد اختار الشيطان هذه المنطقة التعسة مهداُ له ..

إن ( دراكولا ) هو أول مصاص دماء يولد في هذا البلد ، إن سيدي الكونت عرف بين الفلاحين بقسوته و طغيانه و استخدامه جيشاً من المرتزقة لفرض سلطانه ، كل هذا جعلهم يسمونه ( الشيطاني ) أو

( دراكولا ) ..

بدأ الكونت في كل مساء يشرب مزيجاً لعبناً من دم الخنازير و النبيذ و التوابل بدعوى أنه يعيد الشباب ، و بدأ يدرس السحر الأسود .. و يزداد انعزلاً و غرابة ...

لقد بدأ وجهه يستطيل و صوته يأخذ نبرة عواء الذئب في الليالي المقمرة ، و صار يخرج القصر وحيدا .. بل إنه لم يعد يأكل ...

و في كتب السحر وجدت تفسير حالته .. إن هذا المزيج الذي يشربه يقود إلى الخلود بأشنع الطرق .. إنه يحيل من يدمنه إلى خفاش بشري يتغذى بدماء البشر ليلاً و ينام في تابوت نهاراً و يموت إذا رأى ضوء الشمس ..

وكان لا بد أن أعرف ..

صباح اليوم التالي استجمعت شجاعتي و نزلت بدروم القصر حيث توابيت أسرته ، و كانت راحة العطن تملأ المكان ، و الفئران تمرح في حرية تامة ، و في تابوت رخامي وجدت ما كنت أبحث عنه ( هذا الجزء غير واضح في المخطوط ) لا تنفس .

و وجهه شاحب شحوب الموتى و على شفتيه قطرات من دماء لم تجف بعد ، و عيناه مفتوحتان تحدقان في لا شيء...

اقتربت من شفتيه و استجمعت شجاعتي و فتحتها .. فوجدت صفين من الأسنان الدقيقة المدببة كأسنان الضواري ، انتابني ذلك الرعب المجهول الذي يشل العقل تماماً .. جريت في هلع وقد تسلطت على فكرة واحدة : الهرب ..

لا أدري لاين .. و نسيت أن أعيد غلق التابوت .. إذن غداً الكونت مصاص الدماء ، و صار عالة على نفسه و على الآخرين ، إذن كان أهل القرية محقين حين كانوا يرسمون الصليب حين يمرون بالقصر ، و إذن كان هذا هو سر جثة المتسول العجوز التي وجدوها قرب القصر ملقاة على الكلأ ، وفى عنقه ثقبان أحمران ...

لهذا نزع الكونت الستائر البيضاء و الأيقونات ، و لهذا كان ذلك العواء الذي يهز القصر في الليالي القمرية ....

و لهذا ....... و لهذا .

عدت لكتب السحر أقرؤها ، إن مصاص الدماء كابوس ... و من واجبي أن أجد أنا الدواء لهذا الكابوس خاصة أن لم يمتص دمي بعد " ربما لحاجته إلى " .

إن قتل مصاصي الدماء أمر سهل ، فهو يموت من أي رمز ديني .. أنه مخلوق رمزي ، وجوده رمز و مصرعه يتم بالرموز ، الضوء و اللون الأبيض و الفضة و الكتب السماوية تقتله ، لكن الطريقة الفعالة هي الوتد من الخشب يدق في صدره ، ثم تتلى صلاة الموت عليه ، و تحذر كتب السحر من أنه ؛ كما أن مصاص الدماء رمز فموته رمز ، إنه يعود للحياة مرة كل مائة سنة ليعيث في الأرض فساداً ، ثم أنه بعد أن ينشر الرعب و الموت يقتل على يد إنسان لم يتلوث ...و...

و هنا أحسست بشيء غير عادي في الحجرة .. رفعت رأسي فوجدت الكونت ( دراكولا ) واقفاُ على رأسي يسد الباب وهو يبتسم ابتسامة صفراء رهيبة ، لقد جاء الليل دون أن أدري وحين نهض وجد غطاء التابوت مكشوفاً و أدرك أنني فهمت !

و نظرت إليه في هلع ..

لم يعد وجهه يمت بصلة للوجه الذي عرفته .. ناباه الفظيعان .. بشرته الشاحبة المتجعدة .. رائحة الكبريت التي تتحدث عنها كل كتب السحر ، تحرك أمام المرآة فلم أجد له صورة ، حتى الشمعة لم تترك له ظلاً على الحائط ..

صرخت : يا ألهى .. أنقذني !

أجفل ... و تراجع لحظة .. فجريت للباب كما لم أجر في حياتي إلى غرفتي .. أغلقت الباب بالمفتاح ، و على الفراش أغمى على ، و كان آخر ما رايته هو مقبض الباب يتحرك ، لكن الباب كان مغلقاً ...

نعم .. صار الكونت هو خليفة الشيطان في الأرض ، إنه مريض وهو يعلم ذلك ، و لقد قررت أن أريحه ..

سأقتله اليوم ، كتب السحر قالت إنه سيموت على يدي رجل لم يتلوث .. و أنا هو ذلك الرجل ، أنا القاضي و المدعي و الجلاد معاً ، سأنزل إليه بالخنجر الفضي و الثوم و قبل كل شيء ... بإيماني ..

ولئن كنت ملوثاً و لقيت مصرعي فليعلم من يجد هذه الرسالة ما علمته أنا و لينتظر عودة الكونت كلما مرت مئة عام ، و لينتصر من هو منا على حق .

خادم الكونت / جيسيب ميخائيل

في عام الرب 1559م

بعد نهاية الرسالة وجدت تعليقاً صغيراً بخط د. ريتشارد يقول : أنهما وجدا مومياء الكونت وعلى صدرها هذا التحذير للأجيال القادمة ، و أن هذا يعني أن الخادم وفق في مهمته ...

انتهت المذكرات ..

أغلقت مفتاح الأباجورة و أغلقت عيني لأريحها في الظلام .. إذن فهذه الخزعبلات هي ما يشغل ذهن العالم العظيم .. و كل هذا الكلام الأبله الذي يقولونه في أفلام العرب الرخيصة عن الهنود و الأرسبرطيين و مومياوات الصين هراء ...

و مضيت أسلى نفسي بمحاولة تخيل شكل الشر في العالم ..غول أحمر العينين ... إخطبوط له ستة أذرع .. لم أستطع .. و لسبب لا أدريه لم تفارق ذهني صورة وجه يهوذا في لوحة دافنشي .. النظرة التعسة الآثمة .. نظرة الخاطئ الذي لا يملك سوى أن يخطئ ..

و لم أدر كيف ، و لا متى غرقت في سبات عميق ......