الفصل الرابع
طــــقــوس " Yew "
مدَ د. ريتشارد يده إلى الأوراق و فتح أحداهما و شرع يقرأ:
- تقول المستندات إن مصاص الدماء يعود للعالم كل مائة عام لنشر الفساد و الشر ، ثم يموت على يد شخص لم يتلوث ..
و هنا قال د. لوفارسكي عابثاً بلحيته :
- إن لدينا شواهد تاريخية على ظهور مخلوقات لها صفات مصاص الدماء و العثور على جثث رقبتها مثقوبة في الأعوام 1759 و 1859 ، و بشكل أكثر تحديداً في الليالي المقمرة التي يوازي فيها المشتري مع المريخ ، و يمكن القول إنه كان يقتل كل مرة ... و يعود لصورة المومياء التي نراها .
- وهل كان يعود من تلقاء نفسه ؟
قال د. لوفارسكي :
- كلا .. بل بمعونة بعض الأوغاد الذين يؤدون بعض الطقوس اللازمة للبعث .
وهنا بدأت أفهم .. كــنا في العام 1959 .. أي أن هذا هو العام المنتظر السعيد .
وفتح د. ملكس لوفارسكي ورقة صفراء و شرع يقرأ:
- أول الطقوس هو أن يؤديها أشخاص بلغ منهم الشر كل مبلغ .. أي نحن ..!
قال د. ريتشارد :
- إننا عبيد الفضول العلمي ،ـ و كلنا على استعداد لعمل أي شيء من أجل الحقيقة ... إن العلم هو ما نحيا من أجله...
- ثاني الطقوس شرط القرن . أي أن تكون مائة عام قد مرت على مصرع الكونت ...
- ثالث الطقوس هو شرط القمر ... أي أن يكتمل البدر و يتوازى المشتري مع المريخ ..
الشرط الثاني و الثالث سيتحققان بعد أسبوع . ليلة الأربعاء .
- الشرط الرابع هو شرط الوطواط .. يجب أن يوضع على صدر الجثة مومياء وطواط وهذا ليس صعباً .
- الشرط الخامس هو شرط الدم .. بحيث أن يوضع دلو من الدم بجوار المومياء .
أخذت أقول :
- دم بشري ..؟
- لم يحدد النص ذلك ..
وهنا لاحظت شيئاً .. التمعت عيناي في فخر كأنني طفل فاز في لعبة المساكة ، و صحت :
- لحظة من فضلك ... التاريخ يحكي أنه " في كل مائة عام " كان بعض الأوغاد يجدون التابوت و يمارسون نفس الطقوس ، فكيف تأتي أن التابوت لم يزل في نفس المكان ، و الرسالة لم تزل حيث يتركها الخادم منذ خمسة قرون ؟
احمر وجه د. ريتشارد فترة ، قم ... همس في استسلام :
- لقد فاتني التفكير في هذا بالفعل ...
قال د. لوفارسكي :
- لربما فكر من يقتل الكونت في كل مرة أن يترك الرسالة في موضعها للأجيال القادمة ؟
- ولماذا يحرص من يقتل الكونت على إعادة جثته للتابوت في كل مرة ؟ و لماذا لا يدفنها في أي مكان ؟ لماذا لا يمزقها أو يحرقها ؟ لم أعرف أن قتلة مصاصي الدماء منظمون إلى هذا الحد ؟
ساد الصمت للحظات و أدركت - في فخر- أن الرجلين يكرهانني في جنون ، لكن هذا هو العلم ، و هما يعرفان هذا خيراً مني ..
قال د. ريتشارد بعد تفكير :
- حسن يا د. رفعت . إننا مصممان على التجربة ، و التي لم يبق لها سوى أسبوع ، فإذا لم تقبل فعلى الأقل قل ذلك الآن حتى يتسنى لي أن أجد عالماً أثق به من الجالية المسلمة في إنجلترا .. الوقت ضيق كما ترى ...
من أنا حتى أرفض أمراً كهذا ؟ ستكون ليلة الأربعاء ليلة مثيرة بكل المقاييس ... ، هكذا قلت لنفسي .. كنت ساذجاً كما قلت لك ....
- إذن فلنبدأ .. الوقت ضيق كما قلت أنت ...
لم يكن هنالك أي شيء يقنع العالمين سوى التجربة في ذاتها ، و كنت واثقاًُ من نفسي أنني بدأت أعد عبارات العزاء التي سأقولها لهما حين تشرق شمس يوم الخميس و المومياء لم تزل كما هي - مومياء - يالها من لحظة!
لحظة يعرف كل منهما أنه أضاع عمره يطارد وهماً ...
يا للحسرة ...
كان الأمر واضعاً في ذهني تماماً .. هذه المومياء قام أحدهم بنشر أسنانها لتبدو كالأنياب و ستظل كذلك ، لا أرى الموضوع على أي ضوء آخر .
في الصباح جاء ( جوناثان ) صبي البقال بلفة صغيرة أتضح أنها خفاش ميت اصطاده من الكنيسة المهجورة المجاورة ، و أخذ جنيهين كاد أن يطير بهما فرحاً ...
و جلست أنا و د.ريتشارد نحنط الخفاش في الحديقة مستعملين الفورمالين .
- لنفرض أننا لم نستطع السيطرة على دراكولا حين ينهض فماذا نفعل ؟
قال د. لوفارسكي :
- إذا نهض ، لقد كان مفزعاً في العصور الغابرة .. عصور الشمعدانات و العربات التي تجرها الخيول و الكونتيسات ... الخ ، لكنه اليوم سيعود في عصر انشطار الذرة و الكهرباء . و لن يكون سوى مجرد حيوان تجارب طريف ...
قال د. ريتشارد :
- سنقوم بنقله إلى معمل مظلم في جلاسجو و نقيده هناك ، ثم ندرس كل شيء ... تركيب دمه ... أنسجته ... ضغط دمه ... درجة حرارته ، و إذا مات سنشرحه .. لربما أتى اليوم الذي نعقد له فيه مؤتمراً صحفياً أو ننشر مذكراته في كتاب اسمه ( عشت في تابوت ) يحطم مبيعات السوق !
قلت :
- إن هذا المسخ محظوظ جداً ... لكن أتمنى لو عدت للحياة بعد مائة عام لأرى حال السياسة و العلم و المجتمع و الناس وقتها ...
فاحت في المكان رائحة لا تطاق لأحشاء الخفاش اللعينة ، و استمررنا في عملنا على مضض .
- أللعنة .. ؟ فهمت الآن لماذا لا يبعث مصاص الدماء إلا كل مائة عام ..
ثلاثة علماء يعلمون في صبر من أجل وهم ..