الفصل الثاني

8 0 00

الفصل الثاني

جفّت الكلمات على شفتيّ

ما إن دخلت المكتب حتى رأيت الأستاذ عابدين ينظر إلي، وكأنني قتلت أباه وأمه..هما لم يقتلا، ولكن نظراته نحوي كانت تقول عكس ذلك، تقول إنني قاتلة مجرمة، تقول إنني غبية حمقاء…

عندما رأيت الأستاذ عابدين على تلك الحالة، أدركت أن ما حدث أثناء زيارتي لعبد القدوس أكبر بكثير مما أتخيّل..جلست مع الأستاذ عابدين وزوجته بداخل مكتبه، وهناك بادرني بتلك الجملة التي أدركت معناها لاحقا…

قال: كم أنا غبي..كيف أرسل قطعة من الآيس كريم لشخص عشق الزيت والزعتر، وكم كان الغضنفر ذكياً عندما أرسل لي من زنزانته بعد زيارتك له يطلب استبدال رغيف من الزيت والزعتر بالآيس كريم… ولكن الذنب ليس ذنبي، فأجهزة الأمن الصهيونية ترفض إعطاء تصريح لزيارة عبد القدوس منذ أكثر من عام ونصف، وهي ما تزال ترفض إعطائي أنا تصريحاً أو إعطاء زوجتي مجدولين إذناً لزيارة الغضنفر، وأنت الوحيدة التي تمكنت من الحصول لها على تصريح لزيارته… وحتى عندما حصلت على ذلك التصريح لم أكن متأكداً من أن إدارة مصلحة السجون والمعتقلات الصهيونية سوف تسمح لك بالدخول لرؤيته، فقد كنت أتوقّع منهم المماطلة والتحجّج بالحجج الفارغة لتعطيل زيارتك له.لكني لم أكن أتوقّع قَطُّ أن تكوني أنت من عطّل هذه الزيارة، بل من أفسد هذه الزيارة…حسبي الله ونعم الوكيل..الخطأ ليس خطأك أنت، بل خطئي أنا، كما قال الغضنفر، فما أشد سذاجتي عندما أرسلت قطعة من الآيس كريم لعاشق التراب ومحب الزيت والزعتر… هل تعلمين يا أستاذة فلسطين أن الأسير المقدسي عبد القدوس استطاع إرسال بضع كلمات تخص لقاءك به، كلمات مختصرة ذات معنى عظيم وجبار، لا أحب الآيس كريم أرسل لي خبزةً، لا ليس خبزةً بل قال أرسل لي رغيفاً بالزيت والزعتر..هل تعلمين أن هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف يتمكن فيها الغضنفر من إرسال رسالة شفهية.. مع.. بواسطة..لا يهم مع من أو بواسطة ماذا.. المهم أنه لا يريدك ولا يريد رؤيتك، فهو يفضل البقاء وحيداً في زنزانة العزل الخاص التي يمكث بها منذ أعوام وأعوام على أن يترك الزنزانة لكي يقابلك، ويرسل من خلالك رسائله لوالدته الضريرة… تلك الوالدة التي فقدت بصرها حزناً على فراق ابنها الوحيد… ذلك الابن البار بوالدته وبفلسطين وقدسها وأقصاها، وأنت يا فلسطين يا خريجة كلية الحقوق والقانون تحرمينه حتى من إرسال رسالة يطمئن بها أمه وأباه، بل ويطمئن بها فلسطين وأبناءها الذين أحبوه وأجلّوا ما صنع ضد أعداء الحرية والتحرر، ضد الاحتلال وقيوده الحديدية التي تكبل كل ما هو فلسطيني. وها أنت يا فلسطين تشاهدين بأم عينيك تلك القيود التي كان الغضنفر قد قيّد بها، قبل أن يدخل الغرفة لمقابلتك، فكوا قيد يديه وأبقوا على قيد قدميه، أما أنت فبدل أن تكوني حلقة وصل بينه وبين أمه الضريرة ووالده الكهل العجوز، كنت قيداً يقيد فمه ويمنعه من النطق والكلام. بل كنت جَلدة جلاّد صوبت نحو ظهره الذّي لم يشفَ بعد من سياط الأعداء، كيف لفلسطين أن تكون غير فلسطين… اسمعي يا فلسطين رغم أنك الوحيدة الحاصلة على تصريح يخوّلك لك زيارة عبد القدوس، إلا أنني لا أريد منك زيارته بعد اليوم، أو بالأحرى هو لا يريد منك التكرّم والتعطّف عليه بتلك الزيارة، وسوف أبحث عن محامٍ أو محامية آخرين، لعلي أستطيع استخراج تصريح زيارة لأحدهما، فما دام قد سمح لك، فإنه من الممكن السماح لمحامين آخرين.. ليتني أنا أو مجدولين نستطيع الحصول على مثل هذا التصريح، لقمت على الفور بزيارته مثلما كنت أفعل سابقاً… من الآن سيقتصر عملك في المكتب على حضور المحاكمات وتجهيز المرافعات، أما موضوع الزيارات الخاصة بالأسرى والمعتقلين فلا علاقة لك به بعد اليوم.

ما إن أنهى الأستاذ عابدين كلامه، حتى قلت له هذا أفضل لكلينا، فأنا لم أكن أحب أصلاً زيارة الأسرى والمعتقلين، فالطريق طويل من القدس حتى معتقلاتهم.. تلك المعتقلات الكئيبة التي كنت ما إن أدخل إليها زائرةً لأسراها حتى أبدأ بِعدِّ الدقائق والثواني لتركها، والابتعاد عنها، أما المحاكم فهي بالنسبة لي أفضل بكثير فهي قريبة من مدينة القدس، وهي أيضاً مكان مكيّف بالهواء البارد على عكس غرف زيارة المحامين في المعتقلات.

ما إن أكملت جملتي حتى قمت وغادرت المكتب تاركةً خلفي الأستاذ عابدين يضرب كفاً بكف، متمسكا بوجهه الغاضب العابس على غير عادته، فالأستاذ عابدين هو بالعادة إنسان بشوش الوجه باسم ضاحك مثله مثل زوجته مجدولين. لحقت بي مجدولين متسائلةً عن رسالة عبد القدوس التي أرسلها لوالدته، وهي رسالة غير مكتملةٍ، فأجبتها أنها مكتوبة بدفتر مفكرتي، وأنّي سأقوم بطباعتها على الحاسوب غداً عندما أحضر إلى المكتب؛ لكي يتم إرسالها إلى والدته..هزت مجدولين رأسها معبّرة بتلك الهزة عن الرفض والقبول في آن واحد.

ركبت سيارتي وعدت إلى منزلي، فقد انتهت ساعات العمل الرسمي بالمكتب منذ أكثر من نصف ساعة، وهو الوقت الذي استغرقه الأستاذ عابدين في إلقاء محاضرته علي….

عندما وصلت إلى البيت، شعرت أن جفاف شفتيّ قد زاد، بل إن شفتيّ كانتا قد أصبحتا عاجزتين عن الكلام، إلاّ أن الأفكار كانت تتقاذف كالأمواج في رأسي، فقد كنت أعلم بقرارة نفسي أنني مخطئة، بل وأنني غبية، ومع ذلك أظهرت لعابدين وزوجته مجدولين عدم مبالاتي بما يقولان، فذلك الشيء المكبّل المسمى الغضنفر قد يكون مهماً بالنسبة لهم، بل قد يكون مهماً لكل فلسطين، ولكنه ليس مهماً بالنسبة لي، أنا فلسطين.. أنا البطيخة التي لا تحب اسمها.

لم أتناول طعامي رغم إلحاح والدتي، وصعدت إلى غرفتي لكي أرتمي على السرير محدقةً بعد ذلك بسقف الغرفة، حالمةً بفارس أحلامي الذي لا أعلم له اسماً أو درباً أمشيه إليه…

يد تطرق على باب غرفتي بقوة، وقبل أن أقول للطارق تفضّل كانت ساجدة قد دخلت وقفزت فوق سريري فاتحةً حقيبتي باحثةً عن رسالة خطيبها أحمد، لم تجد الرسالة التي وعدتها بأن أكتبها على لسان خطيبها، فأنا لم أكن أعلم أن أحمد هو خطيبها وشرحت لها ما وقعت به من خطأ عندما ظننت أن أحمد هو عبد القدوس.رغم أن ساجدة قد تضايقت لكوني لم أحضر لها رسالة من خطيبها، إلاّ أنها تضايقت أكثر بل جنّ جنونها لأنني لم أمكّن الغضنفر من كتابة رسالة لوالدته…فقلت لساجدة: أيعقل أن تغضبي مني على عدم إعطائي الوقت الكافي لذلك الغبي المكبّل بدل أن تعتبي علي لأنني لم أحضر لك رسالة حب وعشق من خطيبك أحمد؟!. فعلاً إن ذلك الغضنفر غبي مكبّل.. مكبّل بحبه لفلسطين، ولحمايته لك أنت يا فلسطين الغبية، يا فلسطين الساذجة البلهاء، ألم تكوني تبكين وتتألمين؟! ألم تكوني تنزفين الدم..لا وألف لا لم تكوني أنت، فتلك الفتاة ابنة الأعوام التسعة التي خرجت معي ومع صديقاتها للتظاهر بمناسبة يوم الأرض لم تكن أنت..صحيح أن اسمها كان مثل اسمك “فلسطين”، إلا أن فلسطين تلك ما عادت فلسطين هذه الجالسة أمامي، ففلسطين الطفلة خرجت من مدرستها لتتظاهر مثل رفيقاتها، إلاّ أنها كانت سيئة الحظ، فقد تعرّضت للضرب بالهراوات والعصي على يد جندي احتلال يركب فوق ظهر فرسه..فلسطين ابنة التسعة أعوام ضربت فبكت، وتجمدت خوفاً ورعباً مما حدث لها، وكادت تدهس تحت أقدام الفرس التي يقودها الجندي الاستيطاني الحاقد، لولا أن جاء الغضنفر الذي كان عمره آنذاك ثمانية عشر عاماً، جاء وانتزعك من تحت أقدام الخيل، واضعاً إياك في إحدى سيارات الإسعاف مغطياً جسدك ذا الثوب الممزق بجاكيته الأزرق، ساتراً بذلك ما عُرِّيَ من جسدك، منقذاً روحك من موتٍ محقق، هو مكبّل لأنه أحب فلسطين بترابها وقدسها وأقصاها، أحب فلسطين بزيتونها وزيتها وبزعترها البري، أما أنت فلا تحملين من فلسطين سوى اسمها. لقد كنت هناك على الرصيف أبكي على ما حدث معك، من ضربٍ وإهانة، إلاّ أن دموعي جفّت وتحوّل حزني إلى سعادة عندما أنقذك ذلك المكبّل كما أسميته… فهو لم يكتفِ بما فعله معك بل عاد مسرعاً بعد أن وضعك في سيارة الإسعاف ليقفز فوق الفرس ملقياً ذلك الجندي المحتل من فوق ظهرها، وما إن فعل ذلك حتى أمر الفرس لتنطلق بعيداً عن الطالبات المتظاهرات. ألم أقص عليك هذه القصة عندما جئت لزيارتي بالمشفى؟ ألم تحتفظي بجاكيته الأزرق المصنوع من الجينز لسنوات طويلة على أمل أن تعيديه إليه؟؟..ألا تذكرين أنني قلت لك أن عبودا اعتقل وسجن لمدة عامين عقاباً له على ما فعله من أجلك؟، كم أنت غبية يا فلسطين.. بل كم أنت بلهاء وحمقاء أيضاً.

كان كلام ساجدة مثل الصفعات المتلاحقة على وجهي، صفعات لم أستطع صدها بل كنت أتلقاها بصمتٍ وبدون أن أتحرك، فأنا ما زلت أحتفظ بذلك الجاكيت الأزرق حتى اليوم، وما زلت أحلم بصاحبه ليلاً ونهاراً حتى عندما لم أتمكّن من الحصول على معدلٍ عالٍ وعلامات تؤهلني دخول كلية الطب، فقد كان ذلك كله بسبب ذلك الفارس المنقذ المخلص..، وبدل أن أدخل كلية الطب دخلت إلى كلية الحقوق لأصبح محامية، وها أنا ذا بدل أن أدافع عن فارسي أصبحت أوجه له التهم بالغباء لكونه مقاوماً ضحى بعمره من أجل فلسطين.. فلسطين الطين والتراب.. وفلسطين العاشقة الغبية، وشتان بين هذه وتلك.

قلت لساجدة لكي أتأكد.. أتقصدين أن عبودا هو عبد القدوس؟ وأن كليهما شخص واحد لقّب بالغضنفر..؟.

أجابت ساجدة قائلةً: كلاهما شخص واحد، شخص لم تغيّره أعوام السجن ولا قسوة العزلة التي يحيا بها منذ أن اعتقل في المرة الأخيرة، فعبود الشاب المراهق بعد أن قضى عامين في المعتقل لما فعله دفاعاً عنك وعن باقي فتيات مدرستنا، قام بإكمال دراسته في جامعة بيرزيت، لقد درس في كلية الهندسة، وبعد ذلك عمل لمدة عام واحد فاندلعت الانتفاضة الثانية، واندلعت معها نيران المقاومة بداخل عبود الغضنفر، فهب يدافع ويقاوم قوات الاحتلال التي كانت تمارس أفظع الجرائم بحقنا نحن الفلسطينيون.. أما أنت يا فلسطين فقد كنت متقوقعة بداخل منزل والديك في هذا الحي الراقي بعيداً عن الشوارع الملتهبة والمخيمات الثائرة والقرى المقاومة، وبعيداً عن الغضنفر أيضاً… بعيداً قلباً وقالباً.. ألم يخفق قلبك عندما رأيته قادماً نحوك مكبلاً؟ ألم تسمعي هاتفاً يهتف بداخلك قائلاً: إن الحلم أصبح حقيقة، وأن الفارس أصبح بين يديك، لا يفصله عنك سوى جدار زجاجي وبضعة ضباط وجنود؟.. ألم يتألم قلبك عندما تركته وحيداً خلف الجدران السميكة والقضبان الكثيفة التي تحيط بالمعتقل من كل حَدْبٍ وصوب؟؟.

وأردفت ساجدةُ موجهة نحوي صفعةً جديدة عبر كلماتها الواضحة والصريحة، فقالت: ألم يخفق قلبك وتنقطع أنفاسك عندما رأيته، فأنت لم تَري به سوى شيء مكبل بالسلاسل والحديد، مقيد اليدين والقدمين، ألم تري الفرس المجنح وفارس الأحلام، كان بالنّسبة لك مجرد شيء مكبل.. شيء غبي مكبل… فإن كان حب فلسطين والتضحية لأجلها غباءً وفق ما تقولين، فإن عبد القدوس سيد أسياد ذلك الغباء بلا منازع.

تلك كانت كلمات ساجدة لي، أمّا ردي عليها فقد كان بأن سَمحت لدموعي بأن تنهمر، بل إنها انهارت رغماً عني، دموع تنهمر وحلم أصبح حقيقة، وحقيقة أصبحت من المرارة علقماً، ما عدت قادرة على تقبّل طعمه.

قاطعت ساجدة شلال دموعي قائلةً: أين رسالة أم الغضنفر؟ أعطني إياها لكي أوصلها لها، فهي تسكن بجوار منزلنا، وأنا متأكدة أنها تنتظرها على أحرّ من الجمر، لسماع أخبار ابنها، فهي ممنوعة من زيارته منذ أن اعتقل.. أي منذ أعوام وأعوام. لقد كنت أنا في الماضي من يوصل لها الرسائل بعد زيارتي لابنها عندما كنت حاصلة على تصريح يمكنني من زيارته، وكان ذلك منذ أعوام، فمنعت أنا ومنعت من بعدي مجدولين، وأظن أن مجدولين قد منعت عن زيارة الغضنفر منذ ما يزيد عن عام ونصف… نعم عام ونصف، فأنا أذكر آخر رسالة نقلتها لوالدة الغضنفر بصحبة مجدولين.

جففت دموعي وقلت لساجدة: لن أعطيك الرسالة بل سأذهب بصحبتك لمنزل أم عبود لأعطيها الرسالة بنفسي، وأقرأ عليها كلماتها… ألم تقولي أنها ضريرة وأنها أصيبت بالعمى حزناً على ولدها.. انتظري حتى أغسل وجهي وآتي على الفور معك لعلي…

ما إن قلت كلمة لعلي.. حتى قالت ساجدة لعلك تكفّرين عن ذنبك، وتستعيدين ذكاءك أيتها الغبية الحمقاء، أو لعلك تعودين فلسطين الطفلة التي كانت تجسد فلسطين الأرض والطين. غسلت وجهي بعد أن أتلفت دموعي مساحيق التجميل التي كنت أضعها عليه، غسلته ولم أعاود وضع أي نوع من المساحيق ولا أدري لماذا فعلت ذلك! ألأن أم الغضنفر ضريرة لا تستطيع رؤيتي، أم لأنني ما عدت أبالي بمظهري الخارجي؟!.

ما إن وصلنا منزل أم الغضنفر حتى طرقت ساجدة الباب، وبدل أن يفتح الباب من قبل أم الغضنفر الضريرة أو والده العجوز الكهل، فُتح الباب من قبل مجدولين التي رحّبت بساجدة ونظرت نحوي بشيء من الغضب، فقلت لها لقد أحضرت رسالة عبد القدوس لكي أقرأها على والدته ووالده، ألا يكفّر ذلك ولو عن جزء صغير من ذنبي الذي ارتكبته صباح اليوم؟.

هزّت مجدولين رأسها قائلةً: العلم عند الله!، ولكن ما دمت قد حضرت، ادخلي لعل قلب الأم الحزين يسعد بكلمات الرسالة المجتزَأة…

دخلت إثر ساجدة ومجدولين اللتين أرشدتاني إلى حيث تجلس أم الغضنفر، فجلست بجوارها وسلّمت عليها، بل وقبّلت يدها أيضاً، لعل ذلك يشفع لي عندها، وما إن أخبرها عابدين أنني أنا من تمكنت من رؤية ابنها حتى مدّت يدها نحو وجهي وبدأت تتحسس معالمه، وما إن رفعت يديها حتى قالت: تبارك الرحمن بما خلق.. هل رأى ولدي عبود هذا الوجه الملائكي الجميل؟ هززت رأسي من شدة الإحراج، ولكن سرعان ما قلت لها: نعم، لقد رأيت عبد القدوس اليوم صباحاً، و كان بصحةٍ ممتازةٍ، قوي الجسد رافعاً الرأس عالياً، جاعلاً من سجانيه أقزاماً صغاراً، ولقد أرسل لك يا أم الغضنفر ولك يا أيها الحاج أبو عبد القدوس رسالةً طويلةً جداً، ولقد أتعب ابنكم الغضنفر يدي من كثرة ما كتب من كلمات أملاها علي… لقد قال في أول الرسالة…

بسم الله الرحمن الرحيم… إلى أمي الحبيبة.. أمي التي سبّبت لها الألم عندما طوردت من الأعداء.. قاتلت واعتقلت.. أمي التي كنت سبب قلقٍ وألمٍ لها، أحبك يا أماه.. وأدعو الله عز وجل ليلاً ونهاراً بأن يكتب لنا اللقاء.. إن لم يكن لقاؤنا يا أماه في هذه الدنيا الزائلة، فليكن بإذن الله بجنة الخلد عند حبيبك المصطفى عليه أفضل السلام.. أمي أوصلي سلامي لوالدي وأخبريه أنني ما زلت على العهد والوعد، ما زلت رافعاً رأسي راكعاً لربي الواحد القهّار دون سواه…

ما إن نطقت بكلمة “دون سواه” حتى كانت كلمات الرسالة قد انتهت، فهذا ما كنت قد سمحت للغضنفر بقوله، وقمت أنا بكتابته لوالدته ووالده.. على الرغم من انتهاء كلمات الرسالة، إلاّ أنني وجدت لساني ما يزال مستمراً بالحديث، فأكملت قائلةً: أماه الحبيبة آهٍ لو تعملين كم أنا مشتاق لخبزك الذي كنت تخبزينه لنا، وكم أتمنى أن أغمس ذلك الخبز بزيت زيتون أرضنا وزعتر جبال بلادنا.. أماه.. رغم أن حكمي قد تجاوز عدة عشرات من المؤبدات، وعدة مئات من الأعوام، إلاّ أنني واثق بأن الله سوف يجمعنا معًا في القريب العاجل… حتى تكتحل عيناك برؤيتي، ويعود بإذن الله النظر لهما.. أماه يشهد الله أنني صامد صابر موكل أمري لربي، واثق بإخوتي المقاومين الذين قطعوا الوعد والعهد على تحريري وتحرير إخواننا الأسرى والمعتقلين.. أبي الحبيب النصر قادم فحافظ على صحتك جيداً حتى تقوم بقيادة حلقة الدبكة احتفالاً بعودتي، أبي أرجو إيصال سلامي لكل من يسأل عني لكل من عرف ابنك عبد القدوس، وأحبه وسأل عنه، أعدك يا والدي بأن أكتب لك رسالةً طويلةً رداً على رسالتك التي ستقوم أنت وأمي بإملائها لمن حملت لكم رسالتي هذه.. أحبكم وأقول لكم أنه لا حول لنا ولا قوة إلا بالله وحده… ابنكم عبد القدوس.

لا أعلم من أين ارتجلت تلك الكلمات، إلاّ أنني ارتجلتها، وأظن أن عبد القدوس كان سيقول مثلما قلت، عندما كنت أتكلم كان كل من عابدين وزوجته مجدولين وساجدة ينظرون نحوي، فقد كانوا يعلمون أن الكلام الذي أرسله الغضنفر قد انتهى منذ زمن، وأن ما أقوله الآن هو كلام قد اختلقته أنا.. كانت نظراتهم في البداية غاضبةً نوعاً ما، إلاّ أنها تحوّلت إلى نظرات رضا، لقد كنت ألاحظ ذلك جلياً على وجوههم جميعاً، أما أم الغضنفر كانت سعيدة جداً، ولم يكن والد الغضنفر يقل عنها سعادة بتلك الكلمات.

الفصل الثالث

عادت الكلمات وعادت معها الذكريات