الفصل الرابع

10 0 00

الفصل الرابع

الجمود بلا حركة هو الاستسلام

ولأن الجمود بلا حركة هو الاستسلام…وبما أنني وجدت معركةً أقاتل فيها، كان عليّ الحركة، وها قد حان موعد زيارتي لعبد القدوس، فتوجّهت إلى مكتب الأستاذ عابدين، وما إن دخلت عليه المكتب حتى كانت زوجته جالسةً كعادتها بانتظار أن تأخذ الأسماء التي من المقرّر لها أن تقوم بزيارة أصحابها في المعتقلات، وتأخذ مع الأسماء الملاحظات التي تخصّ كل معتقل من أولئك الأسرى.

قلت للأستاذ عابدين أنني سأتوجّه بعد قليل لزيارة عبد القدوس، وأنني حصلت على موعدٍ لتلك الزيارة قبل يومين، إلاّ أنني لم أتجرأ على إخباره بذلك خوفاً من أن يرفض، أما اليوم فأنا سأذهب سواء كان ذهابي بصفتي الشخصية أو بصفتي محاميةً تعمل في مكتبه، فإذا ما أراد الأستاذ عابدين أن يفصلني فلا مانع عندي أبداً.

كان الأستاذ عابدين يستمع لما أقوله وهو صامت… وبقي في صمته، حتى بعد أن أنهيت كلامي، وعندها تحدّثت زوجته صديقتي المحامية مجدولين قائلة:

- حسناً اذهبي لزيارته، ولكن قبل ذهابك اجلسي حتى أطلعك على بعض الأمور التي تخص عبد القدوس، وأعطيك رسالة أعدها عابدين من أشرطة التسجيل التي تخص والديه.

جلست على الفور، وكانت على وجهي ابتسامة بادلها الأستاذ عابدين بابتسامة أخرى، مما جعلني أشعر بالارتياح.

وما إن جلست حتى قالت مجدولين:

أولاً: وقبل كل شيء، عندما تزورين عبد القدوس عليك الجلوس عند زيارته صامتةً، فهو لا يحب من تتحدّث أو يتحدّث كثيراً، و يفضل المحامي الصامت، أي أنه لا يحب الأسئلة بأيّ شكلٍ من الأشكال.. فاحذري أن تسأليه عن أي شيء.

ثانياً: إن سألك عن أمرٍ ما، فأجيبي بقدر ما تعرفين، يجب أن تكون إجاباتك مختصرة قدر الإمكان.

ثالثاً: اكتبي ودوّني كل كلمة يقولها مهما كانت، حتى لو اعتقدت أنها غير مهمة، دوّنيها وأحضريها عندما تنتهين من زيارته إلى هنا، وسلميها للأستاذ عابدين.

رابعاً: لا داعي لأن تغضبي إذا ما رفض قبول زيارتك له، فهو كما تعلمين طلب من عابدين بأن يبدّل بالآيس كريم الزيتَ والزعتر.

خامساً: وهو الأهم، قبل زيارته إن ارتاح لك، عليك أن تتعلمي كيف تقرئين الكلمات من الشفاه، دونَ أن ينطقها اللسان… فالغضنفر يقول بعض الجُمل من خلال شفتيه، فراقبيهما جيداً لعلك تستطيعين فهم ما يقوله..بالمناسبة فالغضنفر يستطيع قراءة الشفاه سواءً كان كلام الشفاه باللغة العربية أو الإنجليزية أو العبرية..لذلك إن أردت أن تقولي له أمراً وخشيت أن يسجّل من خلال السماعة التي تتحدثين بها إليه، فما عليك سوى أن تطلقي العنان لشفتيك… ولكن دون أن تكونا ملطختين بأحمر الشفاه.. يا آيس كريم.

حفرت كل كلمة قالتها مجدولين في عقلي، وأخذت من الأستاذ عابدين الرسالة، وطلبت من مجدولين أن ترافقني بسيارتي إلاّ أنها اعتذرت قائلةً أنها ستتوجّه اليوم إلى معتقل عسقلان، وهو معتقل يبعد عن معتقل بئر السبع نحو ساعة أو أكثر، ولذلك فطريقها غير طريقي.

صعدت للسيارة مخترقةً الطرقات السريعة، رغبةً مني بأن أصل مبكرةً لكي أمضي أطول فترة ممكنة بصحبة ذلك الشيء المقيّد… أقصد ذلك الفارس العنيد عبد القدوس الغضنفر.. صاحب ذلك الحلم الذي أصبحت متأكدةً أنه لن يكون من نصيبي.

بعد نحو ساعتين من الانتظار، ورغم الحرّ الشديد الذي كنت أشعر به وأنا جالسة خلف الزجاج في غرفة الانتظار، إلاّ أنه بمجرد أن رأيت عبد القدوس قادماً وهو محاطٌ بالسجانين والضباط، ورغم ما كان على أطراف جسده من قيود وسلاسل، فإنني شعرت وكأنه نسمة تحمل معها هواءً ندياً تخترق السور الزجاجي لتلامس وجهي بقوة.. قوةٍ باردة جعلتني أشعر بنوعٍ من القشعريرة والارتجاف.

جلس الغضنفر بعد أن فكوا قيد يديه وأبقوا على قيد قدميه… جلس وهو يحدّق بي، ثم قال بعد أن وضع السماعة على أذنه وفمه…. السلام عليكم.

كدت أقول له أهلا! إلاّ أنني قلت له مجيبةً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… عندها ابتسم وقال:

- لقد عدت إلى زيارتي سريعاً رغم أنني لم أتوقع رؤيتك مرةً ثانيةً، وهل عودتك تعني أن هناك أمراً ما؟

أجبته قائلةً: نعم عدت سريعاً لرؤيتك مرةً أخرى، لأنني وقعت بخطأ، فقد كنت أظنك أسيراً آخر، ..أقصد اتضح لي أنك عبد القدوس وليس ذلك الأسير الذي خلطت بينك وبينه، هذا أولاً..وثانياً لم يبقَ أحد إلا وقام بتوبيخي على ما فعلته معك بالزيارة السابقة… أمك تسلّم عليك وأبوك أيضاً.

قاطعني قائلاً: لم أسألك من يسلّم عليّ، بل سألتك لماذا عدت لزيارتي، ألا تعلمين أنك ليس من النوع الذي أفضل التعامل معه، ألم يقولوا لك أنني أفضل الزيت والزعتر لأنه طويل البال ويشبع الجائع بدون أن يتلف من حر الصيف، وبدون أن يسبب الألم لمن يأكله مثل…

لم يكمل عبد القدوس، لكنني علمت أنه يقصد مثل الآيس كريم..

فقلت له: وأنا أيضاً لا أحب الآيس كريم، رغم أن منظري من الخارج لا يشير إلى ذلك، إلاّ أن حقيقتي التي زرعت بداخلي هي أنني فلسطينية اسمها فلسطين، تعشق الزيت والزعتر، وتحب أرضها تماماً مثلك، إلاّ أنني وللأسف لا أملك جرأتك وقوتك.. فلذلك لا تحكم علي من مظهري أو من تصرفي الغبي خلال زيارتي الأولى لك.

صمت قليلاً وأجابني وهو ما يزال يحدق بيديه، فهو لم ينظر نحوي منذ أن جلس… وقال:

لكني أعلم من أنت، فأنت محامية تكره المحاماة والحقوق، وفلسطينية لا تحمل من فلسطين سوى اسمها، ولذلك أخبري عابدين بأنني ما عدت أريدك، فإن لم يكن هناك أحد غيرك ليقوم بزيارتي فأنا لا أريد تلك الزيارات.. السلام عليكم.

وضع سماعة الهاتف ووقف قائماً ليتركني مغادراً، إلاّ أن عينيه صعقتني بنظرة بدأت بعدها شفتاي تهمس بالكلمات دون أن تصدر صوتاً.. فتحدثت شفتاي قائلةً: أنا فلسطين تلك الطفلة الصغيرة التي حملتها بين يديك قبل أعوام طويلة.. حملتها منقذاً إياها من حوافر الخيل.. ألا تتذكرني؟ أونسيت ذلك الجاكيت الذي وضعته على جسدي بعدما مزّقت ملابسي، أو أنك نسيت ذلك الفرس الذي قفزت عليه ملقياً من فوق صهوته ذلك الجندي الحقير الذي دسته بحافر فرسه وغادرت المكان… لا تغادر غرفة الزيارة فأنا فلسطين بنت فلسطين الأرض والطين… حتى أنني ما زلت أحتفظ بجاكيتك الأزرق المصنوع من الجينز حتى اليوم، هل تريد مني أن أرسله لوالدتك أم تسمح لي بأن أحتفظ به.

عندها.. أي عندما أنهيت همس شفتيّ من خلف الحائط الزجاجي.. جلس مرة أخرى ورفع السماعة نحوه وقال:

لا تعيديه لأمي بل احتفظي به إن كان لك به حاجة، أو أعطيه صدقةً لمن يحتاج إليه، فما عادت بي حاجة له… ثم صمت قليلاً، بل قليلاً جداً، إلا أنني أحسست بتلك الثواني القليلة وكأنها الدهر كله.. لقد صدقت مجدولين تماماً عندما قالت لي أن الغضنفر يجيد لغة الشفاه، إلا أنني ورغم أنها قالت ذلك لي وأكّدته، فلم أكن أتصوّر أن يفهم عبد القدوس ما قلته له من المرة الأولى، وأن يجيبني عليه وكأنه كان يسمع كلماتي التي لم ينطق بها لساني، وكم حمدت الله أنني لم أقل كلمة أخرى على ما سبق قوله… فلو لم يجلس ويرفع السماعة متحدثاً إلي لكنت قلت له عبر شفتي أنت أميري الذي كنت أحلم به.. أنت أيها الغضنفر عشق حياتي التي لم يكن لها معنىً إلا عندما التقيت بك.. أحبك.. أحبك فهل أنت تحبني أيها المكبّل بالحديد.. لم تقل شفتاي، ولم يقرأ هو، فقال بعد صمته البسيط:

- لو لم تذكري الجاكيت لما تذكرتك قط، فأنا منذ ذلك اليوم أسأل نفسي أين أضعت جاكيتي، ففي ذلك اليوم كنت قد حملت عدداً من الأطفال لأبعدهم عن حوافر الخيل، إلاّ أنك كنت تنزفين دماً وتبكين دمعاً عندما حملتك،فقد كنت مصابةً، ممّا جعلني أتوقّف عن حمل الأطفال بعيداً عن حوافر الخيل وأقوم بإلقاء أحد الجنود عن ظهر فرسه لكي أدوسه وأفرّ بتلك الفرس بعيداً، ولقد لحقوا بي بخيولهم مسافةً طويلة جداً، مما مكّنني من القفز عن ظهر الفرس جاعلاً إياها تواصل جريها بعيداً عني، ولقد تمكّنت من الفرار لعدة أيام…إلا أنهم استطاعوا التعرّف على هويتي، فقد رآني بعض من كانوا يعرفونني، فبدأوا يثرثرون فوصلت ثرثرتهم إلى عملاء الاحتلال فتم اعتقالي وزجي في المعتقل لمدة عامين.

هل تعلمين أن دموعك التي كانت شهقات ألم، وجراحك التي فاضت بالدماء.. هي من دفعني لفعل ما فعلت.. 360+360=720 هي مجموع الأيام التي أمضيتها معتقلاً بعد تلك الحادثة، إلاّ أنها كانت أكثر من ذلك بكثير، فقد تعلمت خلالها أصول حب الوطن، فأنا عندما اعتقلت في المرة الأولى كان عمري لم يتجاوز الثمانية عشر عاماً، وكنت مندفعاً بقوة لمقاومة الاحتلال، إلا أن اندفاعي ذلك لم يكن ينبع من فكر أو من خطة أعددتها مسبقاً، كانت أفعالي ردود أفعال على ما كان العدو الصهيوني يقوم به ضد أبناء مدينة القدس، وما حدث معك هو أكثر مثال، فما قمت به في ذلك اليوم كان ردّ فعلٍ ليس إلاّ…

إلاّ أنني بعد أن أمضيت عامين داخلَ المعتقل، تعلمت الكثير الكثير… تعلمت كيف أقاوم وأقاوم.. وكيف أكون الفعل والحدث لا ردة الفعل كما كنت سابقاً.. دخلت المعتقل شاباً طفلاً وخرجت منه شاباً رجلاً.

دعك مني وقولي لي أيتها الطفلة الباكية، ما الذي حلّ بك بعد أن وضعتك في سيارة الإسعاف، بعد أن اختطفت مني جاكيتي الجديد.. نعم الجديد، كنت قد اشتريت ذلك الجاكيت قبل أيام من تلك الحادثة.

صمت الغضنفر وكفّ عن الكلام، وجاء دوري لأطلق العنان للساني، فقد رأيت الجدار الجليدي الذي كان يحول بيني وبينه يتحطّم إلى قطعٍ صغيرة جداً مع كل كلمة كان ينطق بها، فقلت له:

- أولاً لم أعد طفلة، وما عدت أبكي منذ ذلك اليوم، فأظن أنني بكيت في ذلك اليوم بكاءً يكفي طوال العمر… في ذلك اليوم ضربني ذلك الجندي بعصاه على وجهي مما أدى إلى كسر أنفي، ذلك الأنف الصغير هو من ملأ ملابسي ووجهي بالدماء الغزيرة، أما ملابسي فقد مزّقت عندما علقت بركاب الفرس، ولم أتمكن من تخليصها إلاّ بعد أن سقطت أرضاً نتيجةً لضربة أخرى من ذلك الجندي الحقير، عندها أدركت أنني سأموت تحت حوافر تلك الفرس، إلاّ أنك حملتني بين يديك وأبعدتني عن المكان..هل تعلم أنني كنت أسمعك تقول تحيا فلسطين.. الموت للصهاينة؟.. كنت أسمعك رغم بكائي، ورغم ألمي، حتى أنني قلت لأمي عندما حضرت إلى المستشفى أن الشاب الذي أنقذني كان يعرف من أنا، فقد كان يقول تحيا فلسطين.. تحيا فلسطين، وعندها ضحكت أمي وضحك من معها من حاضرين، ولم أعلم سبب ضحكهم إلاّ بعد أعوام، عندما علمت أنك كنت تقصد فلسطين الأرض والطين.. لا فلسطين الطفلة الباكية. في تلك الأثناء، سمعت ضحكة عبد القدوس للمرة الأولى، فقد ضحك وقال: بل كنت أعنيك أنت تحديداً، فقد رأيت فيك الطفلة الباكية الخائفة التي ملأت الدماء وجهها وملابسها الممزقة، رأيت فلسطين الأرض والطين بين يدي، ودفاعاً عن فلسطين التي كانت تعاني بين يدي فعلت ما فعلت… عندما تعودين إلى منزلك قولي لأمك أنه كان يقصد فلسطين الطفلة الباكية، لا فلسطين الخريطة والمكان… فلسطين الجسد النابض بالحياة، لا فلسطين التي ماتت بسبب اتفاقات أوسلو المخزية، وبسبب من باعوها لأعداء الأمة والدين.

قولي لأمك أنني قصدتك أنت لا تلك…

كان كلام عبد القدوس جميلاً رائعاً ومؤثرا لدرجة جعلتني أطلق العنان لعيني لكي تبكي، فقلت له وأنا باكية العينين: أنت تبالغ، أنت تجامل.. فقاطعني سريعاً وقال: أنا من ذلك النوع الغبي الذي لا يرى سوى لونين اثنين في هذه الدنيا.. الأبيض والأسود، ولذلك فأنا وللأسف لا اعرف المجاملة أو المبالغة، بل أنا من ذلك النوع الذي يفضل النقد من خلال الكوميديا السوداء، أو المصارحة من خلال الصراحة، فأنا صريح لدرجة الوقاحة والفظاظة أيضاً..لا أجامل ولا أبالغ، فقد كنت أنت من أعني بفلسطين التي هتفت لها، وأقسم لك على ذلك.

وأردف قائلاً: ألن تقرئي علي رسالة أمي وأبي؟ فقلت له طبعاً سأقرأ لك ما تريد، وأكتب كل ما تقوله، فأنا اليوم متفرغة بالكامل لك.. لك وحدك… ما إن قرأت السطر الأول من الرسالة التي كان الأستاذ عابدين قد أعدها نيابة عن والدي عبد القدوس حتى أشار لي بيده لكي أضع الرسالة على الطاولة، وأن أقربها نحوه لكي يتمكن هو من قراءتها.. وضعتها كما أشار، وكنت أقلب الصفحة القديمة التي ينتهي من قراءتها واضعةً مكانها صفحةً جديدة… فقرأ كل تلك الأوراق، وقال لقد جاء دورك الآن لتكتبي ما أمليه عليك… وبالفعل قام الغضنفر بإملائي رسالة كلها تفاؤل بغدٍ أفضل.. غد يحمل معه الحرية والنصر.. كانت كلمات تلك الرسالة تجعل من أكثر أهل الأرض تشاؤماً متفائلا… بل وتجعل من نار الفراق والاشتياق برداً وسلاماً من شدة ما تحمل كلماته من معانٍ إنسانية خالصة… لا أدري من أين كان الغضنفر يملك كل ذلك الصبر الثابت والعزم النابض، والمعنويات التي تعانق غيوم السماء.

توقّف بعد أن أنهى رسالته لوالدته، ونظر إلي فنظرت إليه، ونطقت شفتاه دون أن يلفظ لسانه الأحرف، فقالت الشفتان: مريم مريم مريم، فهمت ما نطقت به شفتاه، وكررت عليه الاسم، فهزّ رأسه بالإجابة: نعم.. وعندها قال:

- إلى أختي الصغيرة الصامدة، أدعو الله أن تكوني بصحة جيدة وأن تكون معنوياتك ممتازة، فأنت زهرة كتب الله لها أن تحيا بين الأشواك… أشواك قاسية ظالمة تحيط بك من كل حدب وصوب، إلا أنك أقوى وأكبر من تلك الأشواك الطفيلية التي ملأت…

صمت عبد القدوس وقال لي من خلال شفتيه.. فلسطين.. فلسطين.. ملأت فلسطين..

فكتبت ملأت فلسطين، وعاثت بها فساداً وإفساداً، أشواك جاءت من كل أصقاع الأرض لتدنّس الأرض التي بارك الله بمسجدها وما حوله… صابرة أنت أعلم، مؤمنة أنت أعلم، وأعلم أيضاً أنك ما عدت الطفلة الصغيرة التي بكت لأيام عديدة، وحزنت طويلاً جداً على استشهاد والدها، والدك استشهد، وهذا شرف وعزة ما بعده شرف وعزة… فيا ليتني استشهدت بدل أن أظل حبيس قبري الاسمنتي المسمى زنزانة العزل الانفرادي.. سلّمي لي على أخواتك وخاصة على تلك المقدسية المشاكسة. صمت عبد القدوس وقال لي مرةً أخرى من خلال شفتيه.. شيرين.. شيرين، فهمت الاسم وكتبت تلك المقدسية المشاكسة شيرين التي كانت وما تزال شوكةً قويةً وعنيدة في أرضنا المباركة، تلك الشوكة التي قرّرت أن تزيح أشواك الظلام التي تحيط بك وبها، إنها مقدسية قوية تستحق كل إجلالٍ واحترامٍ، مثلك تماماً يا أختي الصغيرة.

الفرج قادم.. قادم، وأقسم لك بالله أنه أقرب مما تتخيلين، فبشّري أخواتك الوردات، فالأشواك مصيرها إلى الزوال، والحرية لمن أحب أرض الحرية… بعد ذلك قال لي عبد القدوس عدة أبيات من الشعر كتبتها، وشرح هو لي معناها، فهي أبيات تعود للشاعر عبد الله بن معاوية عندما كان في سجنه… فقد قال ابن معاوية وحفظ عنه عبد القدوس الذي ردّد تلك الأبيات قائلاً:

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها… فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا.

إذا دخل السجّان يـوماً لحاجـة.. عجبنا وقلنا: أجاء هذا من الدنيـا

ونفرح بالرؤيـا فجلّ حديثـنا… إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا

فإن حسنت كانت بطيئًا مجيئها… وإن قبحت لم تنتظر وأتت سعيا

اليوم يا فلسطين رأيت في منامي بعد أن صليت الفجر ونمت قليلاً انتظار طلوع الصبح، رأيت حمامةً بيضاء تحمل لي معها رسالةً، وتأخذ مني رسالةً، ذلك ما رأيته في منامي، وهذا ما تحقق سريعاً بوصولك اليوم لزيارتي على عكس ما حدث مع ابن معاوية الذي كانت رؤيته للأحلام الحسنة يتأخر حدوثها، أما رؤيته للأحلام القبيحة فيتعجل في تنفيذها… أنا يا فلسطين على عكس ابن معاوية تماماً فدائماً ما تتأخر رؤياي القبيحة، وغالباً لا تحدث، أما رؤياي للأحلام الحسنة فهي سريعة الحصول لدرجة أعجز عن فهمها… أنهى عبد القدوس كلامه موجهاً إياه إلي، فقال: وداعاً وإلى اللقاء بإذن الله يا زعترةً برية قطفت من جبال فلسطين.. وداعاً يا فلسطين.

******

الفصل الخامس

سعيدةٌ أنا ولكن…