1
ذلك اليوم رأى أبو جعفر امرأة عارية تنحدر في اتجاهه من أعلى الشارع كأنها تقصده . اقتربت المرأة أكثر فأيقن أنها لم تكن ماجنة و لا مخمورة . كانت صبية بالغة الحسن ميّادة القد ، ثدياها كأحقاق العاج ، و شعرها الأسود مرسل يغطى كتفيها ، وعيناها الواسعتان يزيدهما الحزن اتساعا في وجه شديد الشحوب .
و لما كان الشارع مهجورا و الحوانيت لم تزل مغلقة ، وضوء النهار لم يبدد بنفسج السحر بعد فقد بدا لأبي جعفر أن ما شاهده رؤيا من رؤي الخيال . حدّق و تحقّق ثم غالب دهشته و قام إلى المرأة و خلع ملفّه الصوفي و أحاط به جسدها و سألها عن اسمها و دارها فلم يبد أنها رأته أو سمعته . تركها تواصل طريقها و ظل يتابع مشيتها الوئيدة و حركة خلخاليها الذهبيين حول كاحلين لوثتهما، و حول طريق تخوض فيه قدماها الحافيتان .
و رغم البرد القارس و صفير رياح تعصف بأشجار الجوز المغروسة على جانبي الطريق ، بقي أبو جعفر واقفا بباب حانوته حتى أرسلت الشمس خيوط صفراء واهية حددت معالم الشارع .
في الحانوت تبادل مع نعيم كلمات معدودة ، ثم انتحى ركنا و جلس صامتا . لم يفت الصبي وجوم معلمه ، فاستبدل بصخبه المعتاد حركات وجلة محكومة، وراح يعمل بين رغبة في إتقان عمله إرضاءً له، وقلق عليه يشتته ويدفعه إلى اختلاس النظر إليه بين لحظة و أخرى .
_ ما اسمك يا ولد ؟
كان الرجل مديد الطول مهيب الهيئة لا يختلف مظهره عن أولئك الكبار الذين يفزعونه، فما إن يستوقفه واحد منهم حتى يقفز مبتعدًا كأرنب بري نفور . رفع عينيه متسلقا الجسد العالي حتى وصل إلى عينيه ، كانتا زرقاوين وديعتين . لم يركض ، تمتم .
_ نعيم.
_ و أين أهلك يا نعيم ؟
_ رحلوا أو ماتوا . . لا أدري .
مد أبو جعفر يده و أطبقت كفه الكبيرة على يد الصغير الذي تبعه بفتح ساقيه على اتساعهما ليواكب خطوته.
أطعمه أبو جعفر وآواه و علّمه أسرار الحرفة، دربّه على دباغة جلد الماعز و صباغته و إعداده، وعلّمه ترتيب أوراق المخطوط ولصق الغلاف، سمح له بالقيام بكافة المهام باستثناء مهمتين كان يفضّل أن يقوم بهما بنفسه ويطلب منه كعب المخطوط مرة و ثانية و ثالثة و رابعة ذهابا و إيابا حتى يحكم خياطته . ثم يترك له لصق الكعب في الغلاف و وضع الكتاب في المكْبس وبعد أيام عندما يُخرج الكتاب من المكبس يقوم أبو جعفر بكتابة العنوان و اسم المؤلف واسم المالك بماء الذهب أو بغيره حسب الطلب، ثم يزين الغلاف ويزخرفه .
يحترق أن يسمح له معلمه أن يقوم بذلك ويلح فيناوله ورقة وهو يبتسم .
_ هاك ورقة اكتب عليها الفاتحة .
فيشعر أنه وقع في شر أعماله لأن خطه كان يتعرج صعودا وهبوطا كالسكة الجبلية.
_ هل أنت مريض يا أبا جعفر ؟
لم يجبه أبو جعفر ولم يلتفت إليه ، بل ظل مطرق الرأس زائغ العينين، شاردا. انقضى النهار وطيف الصبية مائل أمام عينيه . كان مضطربا وحزينا وإن لم يتملكه التوجس إلا في اليوم التالي حين سمع بأمر اجتماع الحمراء ، و ترددت الشائعات عن غرق موسى بن أبي الغسان في نهر شنيل ، فهل تكون الصبية العارية إشارة صادقة كالرؤى و النبوءات ؟
استتب تطيره وترسخ في قلبه بعد أيام معدودة عندما حكى له نعيم عن امرأة وجدوا جثتها عارية تطفو على صفحة النهر . سأله :
_ في حَدَرُّه أم شِنَيل ؟
_في شِنَيل .
_ إذن لا مفر !
تطلع إليه نعيم مستفهما ولكن أبا جعفر ظل صامتا ولم يفسر شيئا من كلماته . ابتلعت دوامات النهر الأمل الباقي، وانفرط عقد الأمة وتيتمت العباد.
لثلاث ليال لم تنم غرناطة ولا البيازين . تحدث الناس بلا انقطاع ليس عن المعاهدة، بل عن اختفاء موسى بن أبي الغسان . استغرقهم الخبر الذي انتشر من نهر شنَيل إلى عين الدمع ،و من باب نَجْد إلى مقابر سهل بن مالك . سرى في الشوارع و الحواري و الجنّات . حمله ماء شنَيل من أطراف المدينة ثم دخلها مع نهر حَدَرُّه وانتقل إلى ضفته الغربية ، ومنها إلى السبيكة والحمراء وجنًّة العريّف، وإلى ضفته الشرقية، ومنها إلى القصبة القديمة و البيازين، ثم تجاوز الأسوار والأبواب والأبراج وأطواق الكروم إلى جبل الثلج من ناحية وجبل الفخّار من الناحية الأخرى.
قال البعض إن ابن أبي الغسان خرج من اجتماع الحمراء، وقد قرر أن يقاتل
القشتاليين، وقاتل جموعهم وحده، ولما أصابوه وكادوا يظفرون به ألقى بنفسه في النهر.
وقال البعض الآخر : بل قتله محمد الصغير لينفذ ما يريد دون مخالفة و لا معارضة . سلم الشقيتو المنحوس البلد و باعها، وما كان بإمكانه أن يفعل و ابن أبي الغسان يقف له بالمرصاد .
و قال فريق ثالث لا أغرق نفسه و لا قتلوه، بل صعد إلى الجبال ليدرّب الرجال ويستعد.
و قال فريق رابع ، غرق أم لم يغرق لا فرق، ليس هذا زمانه و لا زماننا فلنحمل ما نقدر عليه من متاع و نرحل فبلاد الله واسعة ، أو نبقى مسلمين أمرنا لله وللأسياد الجدد و نعيش .
كيف ؟! كان السؤال يقطع في روح أبي جعفر كنصل باتر يتّقيه كباقي العباد بالحديث مع نفسه ومع الآخرين . وكان يحدث نفسه حين مرّ المنادي معلنا بنود الاتفاقية. اتجه إليه ووقف ملاصقا له . استمع إلي شروطها كاملة ، من شرطها الأول الذي يقضي على ملك غرناطة والقادة و الفقهاء و الحجّاب و العلماء و المفتين و الوجهاء بتسليم المدينة في مدة أقصاها ستون يوما، حتى شرطها الأخير الذي يقضي بتعهد الملك فرديناند و الملكة إيزابيلا بتنفيذ كافة ماورد في المعاهدة والتزام من يخلفهما من أبناء وأحفاد بما جاء فيها. و عندما تحرك المنادي قاصدا مكانا آخر تبعه أبو جعفر .
الناس في غرناطة تسمع و تتقصى وتجمع التفاصيل، و حين يعلن المنادي الخبر أو يعتلي إمام المسجد المنبر قبل صلاة الجمعة ، يسهب فيه ويفسره ويدافع عنه، ينصت الناس من باب التأكد أو المضاهاة، و يملئون بأنفسهم الفراغات بالحقائق التي جمعوها وأسقطت من القول المعلن .
ورغم أن المنادي لم يعلن ، و لا إمام المسجد أشار إلى تفاصيل اجتماع
الحمراء الذي أقر المعاهدة، فقد عرف أبو جعفر كغيره من أهل المدينة ما دار فيه :
أبو القاسم بن عبد الملك ويوسف بن كماشة ، الوزيران اللذان أوفدهما الملك للتفاوض، دخلا القاعدة بصحبة دي ثافرا مندوب ملكي قشتالة وأرجوان . وكان ثلاثتهم يحملون نص المعاهدة لقراءتها . بكى أبو عبد الله محمد الصغير وقال : إن الله كتب أن يكون شقيا، و أن يتم ضياع البلاد على يديه . انتحب الوزراء والقادة والعلماء ورددوا لا حول و لا قوة إلا بالله و لا راد لقضاء الله . اعترض موسى ابن أبي الغسان على الاتفاق ، وطالب الحاضرين برفضه؛ ولما لم يجد من يسانده غادر القصر غاضبا و اعتلى حصانه واختفى . كرر الحاضرون انه لا مفر من قضاء الله، وأن شروط المعاهدة أفضل ما يمكن الحصول عليه . . . بكوا و وقعوا .
كيف يتعهد ملك بتسليم ملكه؟ وكيف يقضي بتعهد قادة البلاد وفقهائها وكافة أهلها بأن يسلموا طواعية قلاع الحمراء وحصنها وأبراجها ؛ وأبواب غرناطة والبيازين وضواحيها ؟
سار أبو جعفر خلف المنادي في حشد كبير من الناس، زاغت العيون من العيون، والرأس مال يحجب مرآته المكسورة ورعشة الجفنين، والذرعان انهدلتا على الجانبين . تحركت الأقدام وئيدة ثقيلة في فضاء صامت يتاكد صمته مع رنين صوت المنادي وحفيف أوراق الشجر المصفرّة الجافة .
و لما ذهب المنادي وانفرط الحشد ، وجد أبو جعفر نفسه يسير وحيدا في برد الشارع لا يقصد مكانا بعينه، بل تحمله قدماه اللتان تألفان الطرقات . يقول لنفسه هذا المنحوس ليس أولهم و لا آخرهم . يقول سيذهب أبو عبد الله ولن يخلفه – منحوس أو غير منحوس – سوى ملوك الروم . تتزعزع أحشاؤه للخاطرة فيدرؤها عن نفسه ، يغلق دونها بابه ويحشد وراءه الأسانيد والوقائع و الحجج. كل شيء يتبدل إلا وجه الله ذو الجلال . ألم يعقد السلطان يوسف
المول معاهدة أحط وأسوأ مع القشتاليين وجاء السلطان الأيسر و ألغى المعاهدة وحاربهم ؟ والسلطان أبو الحسن كان يدفع الجزية ثم توقف عن دفعها ورد رسولهم : ((قل لملكي قشتالة إن دار السّك لا تنتج إلا السيوف هذه الأيام )) .
وهذا الزغيبي المنحوس ألم يبدأ ولايته بمقاتلتهم حتى أسروه؟ من يدري ما الذي يحدث غدا ؟! ليس أولهم و لا آخرهم ، جاء كما جاء سواه، ويذهب كما ذهبوا وتبقى غرناطة محروسة بإذن الله و إرادته .
كان يجتهد في تهدئة نفسه المطوّقة وهي تضرب بجناحيها مستريعة على حد السكين. يكرر لها غرناطة محروسة وباقية ، يشاغلها بالكلام، يمد لها عبر الشباك يده، يلامس ريشها المبتل وبدنها الراجف، يحنو ويعطف ويُربّت ويغني لها همسا أغنية أليفة تطيب لها.
مالت شمس الضحى على الطرقات، ثم مالت أكثر وغابت وأبو جعفر يواصل السير حتى وجد نفسه على ضفة شنَيل. حدّق في مائه فأتاه طيف الصبية العارية كأنها تخرج من الماء إليه‘ ثم حدّق فلم يرى سوى تجعيدات الماء ، ثم عاد فرأى الصبية على صفحته عاجية تكبر في الموت حتى غطت صفحة النهر فارتج جسده وراح يتصبب عرقًا.