2
كان أبو منصور جاالسا على مصطبة المعلم في الحمام يمين البوابة . رد تحيتهما متمتما وأشار بيده إلى الخزانة التي صفت فيها المناشف المطوية النظيفة. حمل سعد ثلاث مناشف وصعد خلف سيده الدرجات الثلاث التي توصل إلى المقصوره الغربية، حيث عاونه على خلع ملابسه وستر عورته بإزار لفه حول خاصرته. طوى ملابس سيده بعناية ولفها في منديل حريري كبير، ثم خلع ملابسه سوى السروال وصرّها في منديل قديم . أسلم اللفافة الكبيرة والصرة الصغيرة إلى أبي منصور الذي أومأ برأسه ولم يقل شيئا ولم يتطلع إليه.
قبل أن يدلفا إلى الحمام الجوّاني دخل سيده إلى بيت الخلاء، فجلس سعد على إحدى المصطبتين الشرقيتين ينتظر. لم يكن في الوسطاني إلا ثلاثة رجال. جلس اثنان منهم كلُّ على مصطبة في مواجهة سعد، وراح الثالث الذي كان طويلا ونحيفا يقطع القاعة ذهابا و إيابا بين بابها المفضي إلى البرّاني ؛ وبابها المفضيإلى الجوّاني.
ترى ما الذي أصاب أبا منصور؟ كاد سعد يسأله إن كان مريضا ولكنه استحى . ليس من عادته أن يجلس في المدخل كغيره من أصحاب الحمامات . بل يجلس أحد معاونيه لاستلام الأمانات ، وينطلق في حركة نشطة بين الجوّاني والوسطاني حاملا صابونة لهذا وطستا لذاك، مئزرا أو منشفة ، يحكى المُلح؛ ويطلق النكات ويثير قهقهات رواد الحمام الذين يمسكون خصورهم من شدة الضحك. كان رجلا بدينا في الخميسن أوالأربعين من عمره، بشرته وردية
وملامحه دقيقة وذقنه ملساء، له رأس صغير وكرش كبير يهتز اهتزازا وهو يضحك . لكنه اليوم كان يجلس ساهما زاهدا في أي سلام او كلام. (( من الذي يضمن ؟! من الذي يضمن ؟! )).
رفع سعد عينيه فرأى الرجل النحيل يمر من أمامه في دورته المتكررة ؛ وهو يتمتم بهذه الكلمات لنفسه ، ويواصل المشي وقد ارتفعت كتفاه الضيّقتان حتى كادتا تلامسان أذنيه . صاح أحد الرجلين الجالسين مقابل سعد : ((أصَبْتَنَا بالدوار يا أخي لمَ لا تهدأ وتجلس مثل الناس !)) ولكن الرجل لم يعره اهتماما واستمر في دورتَه و تمتماته.
كان الجوّاني مكتظا بالرجال، منهم من جلس على بلاط مصطبة بيت النار يتصبب عرقا من البخار، و منهم من نزل المغطس ليسقط الجنابة قبل الحمام ، و منهم من استلقى على ظهره أو بطنه مسلما نفسه لخادمه أو لغيره من العاملين في الحمام يكيسه أو يُلّيفه أو يسكب الماء الساحن على رأسه . وكانوا جميعا يشاركون في الحديث فتتقاطع أصواتهم من طرف الحمام إلى طرفه الآخر، حتى من دخل منهم المقصورة الخاصة بإزالة الشعر كان يسهم بما لديه من وراء الستار الذي يحجب عريه الكامل .
جلس سعد و سيده متربعين في مكانهما المعتاد بالقرب من أحد أجران الماء الساخن. مد سيده ذراعيه على امتدادهما وغسل سعد الكيس وصبنّه، ثم بدأ بتكييس اليد اليمنى فالذراع اليمنى وتحت الإبط، ثم انتقل إلى اليد اليسرى . قال أحدهم :
_ يا أبا جعفر . . . يا أبا جعفر الله يرضى عليك، نحن لا نختار بين بديلين بل هو قدر مكتوب . نحن مهزومون فمن أين الاختيار ؟!
قاطعه آخر :
_ أنا معك، الاتفاقية شر لا بد منه . كان مولانا في مأزق و المواجهة التي كان
يريدها ابن أبي الغسان محكوما عليها سلفا، فما الذي يملكه أو نملكه نحن أمام جيوشهم الجرارة و الأنفاظ الُلمباردية الجديدة ؟!
قال أبو جعفر :
_ بإمكاننا محاربتهم، أقسم برب الكعبة أنه بإمكاننا محاربتهم .
كان سعد يتابع الحوار بأذنيه و لا يملك أن يرى أيا من المتحدثين إذ كان يجلس مقابل سيده لا يرى من الحمام سوى الحائط و جرن الماء إلى يساره.
_ و لماذا نحاربهم ألم تكفنا عشر سنوات من الحرب ؟! هل تريد أن يحل بنا ما حل بأهل مالقه فنأكل البغال و الحمير و أوراق الشجر ؟!
_سينكّلون بنا بعد التسليم، و المعاهدة ليست إلا ورقة لا قيمة لها . لو سلمناهم غرناطة سيفرضون علينا الركوع حين يمر ركب القساوسة، و يرغموننا على الحياة في حي مغلق ليس له إلا باب واحد، ويشرعون سيف الترحيل على رقابنا. ما الذي يمنعهم من فعل ذلك حين يملكون البلد و يصبح لهم ؟!
انبطح سيده على ظهره فارتكز سعد على ركبتيه ومال بجذعه؛ وفرك له صدره وبطنه ووجه ساقيه، ثم انقلب سيده على بطنه ففرك له سعد ظهره.
_التسليم يرد شرهم عنا و يحفظ لنا حقوقنا.
_كيف؟!
كررتها أصوات متتابعة في حدة أقرب إلى الصراخ.
أزاح سيده يده واعتدل جالسا.
_المعاهدة تنص على معاملتنا معاملة شريفة واحترام ديننا و عاداتنا و تقاليدنا وحريتنا في البيع و الشراء. و من حقنا الاحتفاظ بأملاكنا وأسلحتنا و خيولنا.
و من حقنا اللجوء إلى قضائنا للفصل في خلافاتنا . حتى أسرانا سيعودون إلينا أحرارا معافين .
_حبر على ورق!
واصل سعد التكييس، و عندما انتهى مد يده إلى سيده ليشاهده بنفسه فتائل الوَسَخ التي أطلعها من جسده و التي يطلب رؤيتها كل مرة لكي يتأكده أن خادمه أحسن فرك جسمه.
أمسك سعد بالطاس و اغترف ماءً ساخنا من الجون ، و سكب على سيده، ثم بدأ في تصبين رأسه.
_لو فرضنا المعاهدة وصمدنا ستأتينا النجدة من عُدوة المغرب و من مصر و من بني عثمان .
_لن يأتينا شيء!
_بلي لن يتركونا نواجه وحدنا!
_أنا مع أبي جعفر ، و ابن أبي الغسان لم يمت كما يشيع المغرضون. لن يفلت القشتاليون منا ، نحن من أمامهم و رجال ابن أبي الغسان من خلفهم، وأساطيل مصر و المغرب و بني عثمان تطبق الحصار عليهم فلا يكون لهم من خلاص سوى الموت.
أشار له سيده بالتوقف عن سكب المزيد من الماء الساخن على رأسه وقال و هو يضغط على مخارج الألفاظ و ينظقها ببطء و قوة:
_غرناطة ساقطة لا محالة ، و ابن أبي الغسان كان أحمق يريد لنا خوض قتال لا قبل لنا به . الحمد لله أنه مات و أراحنا و استراح!
لم يفهم سعد ما الذي يحدث إذ قفز سيده فجأة من أمامه وانطلق راكضا. استدار سعد فإذا بأبي منصور يمسك بعصا غليظة و يركض مهتاجا . متي دخل أبو منصور الحمام ؟ و من أين أتي بتلك العصا وما الذي حدث؟ كان أبو منصور يزأر متوعدا و يصيح :
_مركوب ابن أبي الغسان أشرف منك و ألف من أمثالك يا كلب يا ابن الكلب.
سقط إزار سيده وهو يركض فزعا من عصا أبي منصور الذي استمر في ملاحقته و هو ويصرخ :
_أمك الساقطة و ليست غرناطة. يا غراب الشوم، اخرج من حمامي و إلا قتلتك !
اندفع المستحمون لكي يحولوا بين أبي منصور و ضرب الرجل؛ من كانوا في المقاصير المستورة ،أو في المغطس خرجوا عراة كما ولدتهم أمهاتهم، ومن كان جالسا أو راقدا يتحمم سقط عنه إزاره في الركض المفاجئ ، ووقف سعد مشدوها يعي أن عليه اللحاق بسيده، و لا يتحرك كأنما تثبتت قدماه في الأرض.
أن تهيم على وجهك نهارا و تستقبل المساء جالسا في زاوية المسجد تؤلمك قرصة الجوع و لا ينقذك منها سوى النوم متدثرا بملفك الخشن . . . ما الجديد في ذلك ؟
لم تكن المرة الأولى التي يجد فيها سعد نفسه بلا مورد رزق تواجهه أيام يبدوالمستقبل فيها مصباح شتائي يجثم عليه الضباب، فلا يكاد المرء يبصر فيه موقع قدميه .
في تلك الأيام كان يجتر الماضي، الماضي الأبعد، و الغصن ينمو تلقائيا، و الماضي الأقرب وقد صار مقطوعا من الشجرة تتقاذفه الريح . و كلما استعاد ما مر به تحضره تفاصيل جديدة أفلتت من ذاكره فيدهشه انها افلتت ،و يدهشه أكثر ظهورها المفاجئ، فيوقن بعد تأمل أن لا شيء يضيع، وأن عقل الإنسان صندوق عجيب صغير ما دام محمولا في الرأس ، ويحتفظ رغم ذلك بمالا يحطى أو يعد : رائحة البحر، وجه أمه، خيوط صفراء واهية تنفذ في خضرة أوراق الكروم المبللة بقطرات المطر ، خيوط الحرير على نول أبيه ، سعلة جده
في الصباح، ضحكات الصغيرة، مذاق حبة لوز أخضر ، جرة مكسورة يسيل الزيت منها، وحبة مسبحة مفروطة تدحرجت إليه في مخبئه خلف الخزانة.
بعد ثلاثة أيام من البحث عن العمل نهارا و النوم في المسجد ليلا، فكر سعد في طلب المساعدة من أبي منصور ، قال له:
_تركت سيدي، أقصد طردني سيدي وأبحث عن عمل .
-هل تعرف حارة الورّاقين؟
_أعرفها.
_اذهب إلى هناك واسأل عن حانوت أبي جعفر، قل له إنني الذي أرسلتك إليه.
ثم أردف:
_إن لم يجد لك عملا ، عد إليّ.
قال أبو جعفر وهو يقوم لمواصلة عمله :
_عليك أن تراقب كل ما أقوم به و ما يقوم به نعيم . و إن شاء الله تتعلم بسرعة . . . هل تقرأ و تكتب ؟
_ لا.
_ هذه مشكلة أخرى علينا التغلب عليها . تعال يا نعيم هذا سعد جاءنا من مالقة، سيكون رفيقك في العمل وعليك أن تساعده ، ألم تعد معلما ماهرا؟!
ابتسم نعيم باعتداد للمهمة الموكلة إليه ، ولكن سعدا لم يبتسم وهو ينظر إلى نعيم إذ رآه صبيا صغيرا له جسد نحيل ، وعينان عسليتان تلتمعان ببريق ماكر. لم يكن سعد قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره، ولكنه كان يشعر أنه رجل ولم لا وقد بلغ ونما جسمه واخشوشن صوته، وخط شاربه، فكيف يعلمه هذا الصغير الذي بدا له كفأر مكتوم اللون؟!
و في الليل تأكدت مشاعر سعد تجاه الولد وازداد منه نفورا، إذ كان ثرثارا يتحدث بداع و بلا داع. راح نعيم يسأله عن مالقة و عن أبيه و عن أمه و كيف وصل إلى غرناطة وحده، ولماذا لم يبق معهما، وأين كان يعمل قبل مجيئه إلى أبي جعفر.
كان الولد يسأل بلا كلل وسعد لا يرغب في الأفضاء بشيء ، فيجيب إجابات مقتضبة أو مراوغة.
و لما وجد نعيم أن سعدا ليس لديه ما يحكيه انطلق يحكي له عن نفسه. قال إنه لا يعرف ، لا يذكر ، لا أمه و لا أباه . كل ما يذكره هو تلك العجوز التي كانت ترعاه، ولما ماتت لم يجد سوى الطرقات، ثم التقى بأبي جعفر .
_تعرف يا سعد ، أنا لا أخاف المشي في الطرقات ليلا و لا الكلاب الضالة و لا متولي الشرطة وهو يسير منتفحا كأنه كيس طحين ، حتى العفاريت لا أخافها . يخيفني فقط أن يمرض أبو جعفر أو يصيبه مكروه.
قالها نعيم وقد اكتسى وجهه بمسحة حزن مفاجئ . مرت لحظة صمت ثم واصل حكايته:
_حملني أبو جعفر من الطريق إلى أم جعفر و طلب منها أن تحممني. و ما أن سكبت على راسي الماء الساخن حتى صحت بأعلى صوتي و قفزت بعيدا وفي نيتي الهرب من البيت، لكنها قبضت علىّ و قرفصت و أجلستني عنوة و أحاطت صدري بذراعها اليسري، و خصري بساقيها القويتين، فلم أعد أملك سوى الصياح طالبا النجدة. وكلما علا صوتي فركت جسمي بقوة أكبر حتى بدالي أنني ساموت بين يديها. حممتني النهار بطوله.
_النهار بطوله؟!
ضحك نعيم :
_ هذا ما شعرت به ساعتها !