3
لم يكن المؤذن قد أذّن لصلاة الفجر بعد ، ولا ديك الجارة صاح صياحه المتكرر، عندما انطلق حارس من حراّس الحمراء الذين أنهيت خدماتهم يركض في الطرقات صائحا بكلمات غير مترابطة بعضها مفهوم و بعضها الآخر غامض . كان الصوت الموتور العالي يقول من بين ما يقول إن جنود الروم يدخلون الحمراء اليوم و يتسلمون مفاتيحها.
قام أبو جعفر من نومه و راح يحسب الأيام مرة في عقله و مرة على أصابعه، وجدها سبعة و ثلاثين يوما.
ظل جالسا في مكانه. سمع صياح الديك مرة و مرتين و ثلاثا، ثم أذّن المؤذن و طلع النهار و تقدّمت ساعاته.
الصوت الذي أيقظ أبا جعفر أيقظ سعدا ، فجلس واجما في عتمة الحانوت لا يدري إن كان ما سمعه حلما أم علما، ثم قام و انتعل سباطه و تدثر بملفه الصوفي وخرج إلى الطريق.
مشى يتابع الأزقة الملتوية الهابطة إلى باب الدّقّاق . و عندما اجتازه طالعته التلة الحمراء غائمة في بنفسج السحر و القصور من فوقها ناهضة تحميها أسوارها و أبراجها. لعله كان كابوسا. تقدم إلى قنطرة القاضي وعبر إلى الجهة الأخرى من النهر، ثم عاد و عبر القنطرة ثانية إلى جهة البيازين و حدق في ماء النهر . كان حدرُّه يجري في أمان الله، وشجرة التين التي أكل من تينها الأخضر قبل شهور قليلة على حالها واقفة . تعّرت غصونها ولكن الغصون
هناك . تطّلع إلى أعلى الطريق ، كان مهجورا و ما زال . سار باتجاه قنطرة الهرّاسين، وجلس على مصطبة حجرية على ضفة النهر و راح ينتظر . رأى الأفق من وراء القصور يتلون بورد الصباح أجورانا غائما ممزوجا بزرقة السحر، ثم يشتعل أرجونا صريحا . كانت الشمس على شروق، ثم أشرقت في سكون مطبق يعززه تغريد عصافير متفرقة . ثم طلع النهار و تحددت الحمراء بكامل هيبتها: الأسوار المسننة التي تستعصي ، و الأبراج العالية ، و القصور المنيفة ، و اشجار السرو و النخيل خصيبة و سامقة و ممتدة . هدأ وكاد يدير ظهره و يمضى عائدا إلى الحانوت و لكنه سمع صوتا واهنا، أرهف السمع ، تأكد. كان صوتا بعيدا و يقترب . بعد فترة ميّز قرع الطبول و نفخ الأبواق و رنين المثلثات . هل يتقدمون لاستلام الحمراء؟ هل يتقدمون من الجهة الشرقية حيث لا يملك رؤيتهم ؟ هل صح كلام الرجل ؟ ظل متحجزا في مكانه يتابع قرص الشمس في بدمه ، رغم البرد القارس ، رجفة المحموم.
قرب الضحى رأى سعد جنودا قشتاليين يرفعون صليبا فضيا كبيرا فوق برج الحراسة . و عندما انتهوا من تثبيته رفعوا علم قشتالة و راية القديس ياقُب ؛ثم صاحوا بلغة أعجمية كلاما لم يميز منه سوى اسمي فرديناند و إيزابيلا، ردّدوه ثلاثا ثم دوّت الطلقات في الفضاء .
لم ينتظر سعد المزيد بل ركض كالممسوس صاعدا تلة اليازيين حتى وصل إلى الحي راح يعوي في الشوارع : (( دخلوا الحمراء، رأيتهم )) ، (( أخذوا الحمراء، سمعتهم )) ، (( يا اهل البيازين ، رأيتهم ، سمعتهم )).
كانت الطرقات مقفرة ، لا بشر، لا دواب، لا طيور، و الأبواب مغلقة كأبواب القبور و هو يعوي بينها ، و يركض حتى وجد نفسه في الحانوت عاريا من ملَفّه الصوفي و سّباطه. انهد جالسا و انخرط في النشيج .
فَاجأ سعد نعيما فوقف حائرا لا يدري ماذا يفعل أو يقول، ثم تحرك متعثرا يبحث عن جرة الماء ليفرغ منها شربة لزميله .
_ ماذا حدث يا سعد . . لماذا تبكي هكذا ؟!
ولكن سعدا كان يواصل انتحابه، ولم يملك نعيم سوى أن يعود لجرة الماء.
ملأ طستا و حمله إلى صاحبه، مسح له وجهه برفق ثم انحنى على قدميه و راح يغسلهما من وحول الطريق و آثار الدماء التي خلفتها الحجارة و الأشواك .
قضى أبو جعفر يومه في محل نومه، يجلس و يقوم، يدور بين الجدران الأربعة . هل أخطأ كل أهل البيازين حين ساعدوا أبا عبد الله على التمكن من حكم البلاد؟ ناصروه و اشتبكو مع أهل غرناطة من أجل هذا الزغيبي المنحوس . ساعتها لم يبد الفتى لا شقيا و لا منحوسا بل وعدا يُخلّصهم من مظالم أبيه الغراق حتى أذنيه في الملذات . انحازوا إلى ابن الحُرة و أغلقوا أبواب البيازين في وجه الطاغية أبيه فارتد عن الأسوار خائبا مخلوعا . هل أخطئوا في الانحياز _ وهم المظلومون _ إلى أمير مظلوم ؟ هل أخطئوا حين نَصّبوا الوعد بأمير عادل ؟ وما الذي أصاب الأمير الفتى . . . هل أعطبه الأسر وهزمته الهزيمة، أم أنه المسطور في اللوح المحفوظ ؟ وهل يسطر الله في لوحه هزيمة عباده الصالحين ؟! تأخرت النجدة . . . تأخرت . . . ولكنها قادمة من أهلنا في مصر و الشام و المغرب . . . سيأتون بأمر الله و إرادته . . . وإن لم يأتوا ؟!
تطلع أبو جعفر من طاقة في الجدار إلى الفضاء . لا أرض بلا سماء : يا أحكم الحاكمين يا صاحب الزرقاء العالية يا وعد الحق . . يا الله .
مالت شمس الضحى، ثم مالت أكثر في سكون . وأتى المساء وتوغل، و استتب الليل، و الناس في بيوتهم واجمون . كما لم يخرجوا في النهار إلى أعمالهم لم يأووا في الليل إلى فراشهم، وبقيت المدينة التي أطبق الصمت عليها في الصباح صامتة في الليل أيضا، ولكن أحدا لم ينم حتى الصغير حسن الذي ضربته أمه ضربا مبّرحا لم يفهم سببا.
كان حسن قد خرج للعب في الزقاق مع رفاقه، ولما لم يجد أحدا منهم مر على أخوين في بيت مجاور فاستبقته أمهما ليلعب معها في الدار.
لم تنتبه أم حسن لخروجه و لا لغيابه ، و لما أنتبهت أصابها الهلع و بحثت عنه في الحواري المجاورة فلم تجده. و ما إن دخل الصغير البيت ورأته حتى انهالت عليه بالضرب الشديد . بكى الولد و صاح مستنجدا بجدته التي هرولت إليه و انتزعته من بين يدي أمه و هي تصرخ فيها موبخة .
قضى حسن باقي اليوم منكمشا في ركن من أركان الدار . أعرض عن مشاركة أخته سليمة اللعب، و بقي مقرفصا في مكانه تنحر الدموع من عينيه، يمسحها بظهر كفه ، و يمسح مخاطه في طرف كمه في صمت.
ما الذي اصاب أمه؟ هل فقدت عقلها و أصبحت مجنونة، كذلك الرجل الذي يسكن الزقاق المجاور و يخافونه و يركضون فزعا لمجرد رؤيته؟ لم تضربه أمه أبدا حتى عندما كان يتسبب في كسر جرة أو إضاعة دراهم . ضربته كثيرا و بلا سبب ، و عندما انتزعته جدته من بين يديها ظلت أمه تنتحب . كان خائفا منها و خائفا عليها ، يبكي لأنها ضربته و يبكي أكثر لأنها تبكي . قالت له جدته و هي تعطيه قطعة من الحلوى و تمسح دموعه : (( اليوم دخل القشتاليون غرناطة خافت أمك ، ظنت أنهم سرقوك لبيعك في السوق )) و لو سمع حسن هذا الكلام من جدته في وقت آخر لضحك، فهل يباع الصغار كالحمير في الأسواق ؟! وهل تظنه حمارا ليصدقها ؟!
نادته جدته لإطعامه فلم يُلبّ دعوتها و لا هي كررتها . و لما آوى إلى فراشه بقي مؤرقا يفكر في سلوك أمه الغريب و سلوك جده أبي جعفر أيضا . ضربته أمه و علا صوته بالبكاء و لطمت هي وجهها و انتحبت ، و كان جده في الدار و لكنه لم يحرك ساكنا كأنه لم يسمع . فما الذي جرى لأهله اليوم . . . ما الذي جرى ؟!
لم يجد حسن إجابة عن سؤاله لا في تلك الليلة و لا في الليالي التالية . حتى عندما صار عمره سبع سنوات و اصطحبه جده إلى فقيه ليعلمه ؛ كانت ذكري ذلك اليوم تستحضر له لغزا يستعصي . عرف أنه كان يوما حزينا لكل أهل غرناطة ، و أن القشتاليين كانوا قد أخذوا نساء و أطفالا و رجالا أيضا من قرى مجاوزة و باعوهم فأصبحوا عبيدا. و لكنه لم يفهم لماذا ضربته أمه بهذه القسوة، و لا استطاع إدراك كيف يبيع رجل رجلا مثله أو طفلا أو امرأة . ثم إنه لم ير في جنود قشتالة ما ينفَّر أو يخيف . كانوا كغيرهم من الرجال لا تميزهم عن أبناء العرب سوى بشرتهم الأكثر توردا و ملابس مختلفة تثير إعجابه بستراتها الغريبة و سراويلها الضيقة و القبعات التي كثيرا ما يعلوها ريش ملون . و كان هؤلاء القشتاليون يبدون في أبهى حالاتهم حين يعتلون خيولهم و يمرون في ركب تسبقه البيارق الملونة ، و حاملو الطبول و نافخو الأبواق فيصبح الطريق بهيجا كيوم العيد .
فلماذا كل هذا الحزن لدخولهم المدينة ؟!