4
لو قُدّر لأهل غرناطة قراءة الغيب هل كانت تبدو السنوات القليلة التي أعقبت ضياع بلادهم قاعا لا قاع بعده ، للمهانة و الانكسار؟
عاشوا هَمّ يومهم لا يُهَوّن عليهم ما ورد في المعاهدة من ضمانات تصون حقوقهم في التجارة والعبادة و ممارسة حياتهم بالشكل الذي يرتضونه، ولا يخفف من وطأته ان الكونت تانديا حاكمهم الجديد كان يسوسهم برفق ، وأن دي تالاقيرا كبير أساقفة غرناطة كان يجتهد رغم شيخوخته، في التواصل معهم إلى حد تعلم اللغة العربية ومطالبة المبشرين بتعلمها . ولكن زمن الاحتلال هو زمن الاحتلال، وأهل غرناطة شغلتهم هموم عديدة خيّمت على حياتهم، كذلك الصليب الفضي الكبير المشرف على المدينة من فوق أبراج الحمراء.
كان أمر المعاهدة السرية بين أبي عبد الله محمد الصغير و الملكين الكاثوليكيّين قد افتضح و شاع. سلمهم الملك الصغير مفاتيح الحمراء فكافئوه بثلاثين ألف جنيه قشتالي وبصون حقه الأبدي في ملكيّة قصوره وضياعه و ممتلكات أهل بيته. (( أخذ المنحوس حقوق ملكيته الأبدية ورحل ))، عاشوا يومهم تثقلهم مرارة اكتشاف انهم بيعوا كقطيع أبقار أوغنم .
رأوا الهجرة الجماعية للأشراف وعلية القوم والأغنياء، هرج و مرج، ركض محموم، بيع و شراء ، كل شيء يباع، وكل شيء يشترى : بيوت و ضياع وجنّات و مخطوطات ثمينة وسيوف أورثها الأجداد و أجداد الأجداد. ((اشتريا
أبا جعفر ، فالثمن بخس و الشراء مكسب))، و أبو جعفر كبغل حرون لا يريد بيعا أو شراء،غاضب لا يرى في رحيل السفن إلا نعوشا سابحة.
رأوا الأمراء ينتصّرون . سعد و نصر ولدا السلطان أبي الحسن سميا نفسيهما الدوق فرناندو دي غرانادا و الدوق خوان دي غرانادا وزاد سعد على أخيه درجة، فالتحق بجيش قشتالة مقاتلا في صفوفه . (( استرح في قبرك يا أبا الحسن . . . نم قرير العين حتى تهب عليك رياح الجنة . . . تاجرت ذريتك في تجارة نادرة فأوفت و أبلت بلاء حسنا يا أبا الحسن !))
و الوزير يوسف بن كماشة الذي فاوض باسم الأمة ، وأعد المعاهدتين العلنية و السرية كلل مسريته بالتنصر و دخول سلك الرهبنة .
كان أبو جعفر وهو يخطو في عقده السابع يزداد صمتا . صمت كثيف يحجب عن عيون أقرب الناس إليه إعصارا داخليا . لا ينام أو ينام ساعة أو بعض ساعة، ثم يقعد حتى إذا انفصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود، خرج من البيت يمشي في الحي في انتظار فتح أبوابه ، وما إن تفتح الأبواب حتى يغادره. يهبط إلى رصيف حدره، ويسير محاذيا النهر يتملى السبيكة وقلاع الحمراء وقصورها والأشجار المزروعة على الضفتين : أشجار السرو و النخيل و الصنوبر على سفح التلة في الجهة الأخرى من النهر، وأشجار التين و الزيتون و الرمان و الجزر و الكستناء من جهة البيازين . يمر بالأشجار يتفحصها ويحدق في النهر . وعندما يصل إلى الجامع الأعظم يكون النهار طالعا ومستتبا، يدور بعينيه في الساحة منتبها للحركة الدءوبة للباعة و الشارين ولألفة الأصوات التي تناي على بضائعها، ثم يواصل سيره ويشرّق حتى غرناطة اليهود وباب نجد، ثم يعود أدراجه إلى الأسواق يمر بزنقة العطارين ودرب الفخّارين و الزجّاجين و النحّاسين و الصيّاغ، ثم يدخل إلى القيصرية و لا يترك زقاقا من أزقتها العديدة إلا و يمشي فيه متأملا الأقطان و الأصواف و الحرير ، المنسوج منه و الخام، و الرجال المنهمكين في القياس والوزن و البيع و الشراء و تسليف العملة
و تبديلها، ثم يخرج من القيصرية إلى شارع الساقطين، و منه مّرة أخرى إلى رحبة المسجد الجامع، يدخله و يتوضأ ويصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر و ركعتين سنة، ثم يقفل عائدا إلى حارة الوراقين حيث حانوته.
وفي اليوم التالي يكرر الجولة نفسها أو لا يكررها فيبدأ بزيارة ابنه ووالديه في مقبرة سهل بن مالك، يقرأ لهم الفاتحة، ثم يقطع الحي من أقصاه إلى أقصاه ليذهب إلى مقبرة الفخارين؛ ويلتقي بصديق له تحت التراب، يحدثه قليلا .
كان أبو جعفر يتفقد عمائر المدينة ، مدارسها و جوامعها وروابطها وزواياها و أرباضها و حدائقها؛ كأنما يتعين عليه أن يرسم تفاصيلها و يحيط . يخرج من بيته ويعود ثم يخرج، لا يتبادل حديثا مع أحد و إن حكمت الضرورة ينطق بكلمات مقتضبة و لا يزيد .
و في الحانوت لم يكن هناك عمل يذكر وقد شحّت الأرزاق بعد أن هاجر من هاجر، وبقي من صرفته الهموم و ضيق ذات اليد عن الانشغال بغلاف جميل لمخطوطة جديدة.
كانت زوجته تعزو صمته لضائقتهما المالية ؛ فتحاول إيجاد مخرج و لكنها كلما فتحت له باب أغلقه.
_ بع بيت عين الدمع.
_إنه لَحسن وهبته لأبيه فورثه عنه.
_والمخطوطات؟
_تبقى لحسن و سليمة. لم يبق لي ما أتركه لهما إلاها.
_بإمكانك التخفف من أجر سعد و نعيم .
_ لا أهل لهما فهل ألقي بهما إلى الطريق !
_ لا داعي إذن لدروس الصغيرين.
_سليمة تحب الدراسة و حسن يحتاجها.
أبو جعفر يسلك كأنما الحال مستورة و الزمان هو الزمان.
_من أين يا أبا جعفر و كيف ؟
_لم يبق لي في الدنيا إلا القليل، دعيني أفعل ما أريد !
و لكن الهموم التي تأكل قلوب الكبار و تسارع بخطواتهم إلى القبر لا تقدر على الصغار وهم يشبّون عن الطوق فتحملهم سيقانهم وتعلو، تنبض قلوبهم في حضرة الصبايا و كحل العيون و النهود المستوردة كأنما تقصد مكايدة خيالاتهم التي تزداد اتقادا.
كان سعد ونعيم يضحكان وهما يسترجعان الأيام الأولى لتعارفهما . يقول سعد : (( قلت صبي مغرور في حجم الفأر ، مكتوم اللون مثله )) فيجيبه نعيم (( و أنا قلت ابتلاني أبو جعفر برفيق ثقيل الظل، نكد !)).
لم يعودا مجرد زمليين قضت ظروفهما بالبيات معها في الحانوت الذي يعملان فيه بل صاحبين يألف كان منها تاريخ الآخر وكأنما هو تاريخه الشخصي، لا يفترقان فيقول أهل حارة الوراقين (( سعد و نعيم مؤخرتان في لباس واحد )) كانا دائما معا يشاهدهم الناس في رواحهما و غدوهما في ملابس متشابهة يتبادلانها أحيانا رغم أن ملابس سعد كانت تبدو فضفاضة بعض الشيء على نعيم و ملابس نعيم ضيقة قليلا على سعد .
كان سعد يكبر نعيم بعام واحد، له وجه أسمر منحوت يشي بشيء من تجهم أو صرامة ، نما شاربه فأخفى الكبر النسبي للأنف و غلظة الشفتين. أما العينان الكحلاوان اللتان كانتا تستوقفان الناظر في سنوات سابقة فقد بدتا أقل اتساعا بعد بروز عظمتي الحاجبين و إن بقي ذلك الشيء المميز للوجه كله : عمق سواد العينين ونظرة عتب حزينة تنفي ماتشي به الملامح من الصرامة . كان سعد متوسط الطول مربوعا و عريض المنكبين ، أما نعيم فكان أنحف من صاحبه وله
الطول نفسه تقريبا ، لون بشرته يضرب إلى الصفرة، وملامح وجهه أدق ، وشعره كستنائيّ أملس، يعلو شفتيه زغب أشقر يتحرق لرؤيته ينمو. لكنه لا ينمو ، وكانت ملامحه الدقيقة وعيناه العسليتان الملتمعتان ذكاء تضيفان على الوجه عذوبة و ملاحة.
كان نعيم وهو في الرابعة عشرة من عمره يبدو طفلا . وكان رغم ذلك ، غارقا في الحب حتى أذنيه، يعيش حالة من الوله المتجدد المستمر . يرى صبية يفتنه جمالها فتتسارع دقات قلبه، ويشتعل وجهه فيتبعها كالممسوس ، يسأل عن اسمها و أهلها و عنوان دارها. تحمله قدماه كل يوم إلى حّيها لعله يرها.
يردد اسمها و يكتبه في حجاب صغير يتحرز به أسبوعين ، ثلاثة، و ربما أربعة ، ثم تظهر حبيبة جديدة تحل محل القديمة في قلبه وفي الحجاب.
يضحك سعد متندّرا على نعيم الذي يغضب من صاحبه ويخاصمه نهارا أو بعض نهار . و في الليل عندما يغلقان باب الحانوت يتحرق نعيم لإنهاء الخصام فيبادئ سعدا بالحديث:
_لقد أسأت إلي . . .
_آسف، لم أقصد إلا مداعبتك.
تتكرر الافتتاحية بينهما إلى حد أنها أصبحت تضحكهما وهما يرددانها كطقس أليف و طريف يؤذن بانطلاق الحديث المحجوز الذي يتدفق بقوة و صخب.
***
كان على سليمة أن تقنع جدها بالسماح لها هي و أخيها أن يذهبا . قال أبو جعفر :
_إنه موكب كباقي المواكب ، لا أرى داعياً للذهاب !
_أرجوك يا جدي، أرجوك ، دعنا نذهب .
_ لا داعي !
ولكن سليمة عادت تلح في اليوم يالتالي و ناصرتها جدتها التي قالت إنها لا ترى ما الذي يمنع ذهابهم (( ما دام ذلك يفرحهم و يسري عنهم ))، ثم انتحت بأبي جعفر جانبا و همست :
_ يا أبا جعفر ، الصغار صغار ، الحداد لا يليق بهم و لا صبر لهم عليه، دعهم يذهبون لأجل خاطري.
حين تنشغل سليمة بأمر ما تنهمك فيه انهماكا كاملا، فلا يقوى أي من أهل الدار و لا كلهم مجتمعين على زحزحتها بعيدا عنه . و حين ترغب في شيء تظل تطلبه و تلح ، و لا تكل و لا تمّل و لا تهدأ و لا تترك أحدا يهدأ إلا عندما تحصل عليه . تقول أمها (( في سليمة من البعوض صفتان: الزن و عدم المنفعة !))، فتضحك أم جعفر و تقول (( إنها كالملكة بلقيس تريد أن تأمر فتطاع و لا يملك أحد أن يأمرها بشيء !)) و كانت أم جعفر كثيرا ما تشير لها مداعبة باسم بلقيس بدلا من سليمة و كانت رغم كلامها المازح، قلقة على حفيدتها التي لا تعرف حتى كيف تقلي بيضة و من في سنها من بنات الجيران يعاوّن أمهاتهن في شتى الأعمال المنزلية . وأخوها الذي يصغرها بعامين يفوقها دربة و نشاطا ، يرسلونه إلى فرن الحي فيحمل على رأسه السمك او الفطير المطلوب خبزه، و ينتظر و يحاسب الفراّن ، ويعود إلى الدار بالمخبوز من الطعام.
ولم يكن أبو جعفر قلقا مما يقٌلق زوجته و زوجة ابنه، إذ كان يعرف أن كسل البنت يعوّضه نشاط من نوع آخر . كان عقلها نشطا كطاحونة لا تكف عن الدوران ، تراقب و تتأمل و تسأل و تنهمك . وكانت وهي بعد لم تبلغ التاسعة من عمرها ، قد أتمت ثلث القرآن حفظا، وتقرأ بسهولة ويسر و تكتب بخط واضح وسليم ، يطري عليها أستاذها لسرعة فهمها و استيعابها ما يشرحه لها من قواعد النحو .
يرق قلب أبو جعفر و هو يتطلع إلى حفيدته فيرى أنها و إن أخذت عنه زرقة العينين، فقد أخذت عن أبيها تلك النظرة المتوقدة بحضور متألق و ذكاء وحيوية . كانت البنت في تلك الأيام منشغلة انشغالا شديدا بما يتردد عن اكتشاف عالم جديد . سألته:
_ لماذا جديد؟
_لأنه اكتشف حديثا . . . لم نكن نعرف انه موجود من قبل .
_لكن يا جدي هذا لا يجعله جديدا ! عندما سمعت العبارة لأول مرة تخيّلت أنه عالم خلقه الله مؤخرا، و تصورت ان أشجاره شجيرات صغيرة ، و أن كل المخلوقات فيه صغيرة حديثة الولادة.
ضحكت من نفسها و قالت :
_ كنت بلهاء!
سمح أبو جعفر لسليمة و حسن بالذهاب لمشاهدة الموكب و اشترط أن يرافقهما سعد و نعيم . و قال لحسن :
_احرص على أختك فقد يكون هناك شباب قشتاليون يتطاولون على بنات الناس ، انتبه و أبقِ يدها في يدك و لا تغفل عنها لحظة.
بعد يومين توجه الأربعة، حسن و سليمة و سعد و نعيم ، إلى المكان المعلوم . و رغم نسمة باردة إلا ان السماء كانت صحوا و أشعة الشمس تضفي على النهار دفئا محببا في صباح ربيعي . وكان الأربعة يتحدثون و يضحكون في صخب مستثار بالرحلة التي انتزعوها انتزاعا؛ و بالموكب العجيب الذي يتوقعون مشاهدته.
و كلما اقتربوا من المكان زاد الزحام حتى إذا ما وصلوا وجدوا الطريق مكتظة بالبشر، وكذا شرفات البيوت و النوافذ و الأسطح المطلة على الجانبين .
كان الناس يتحدثون و يضحكون و يتصايحون ، أو يشترون لصغارهم من الباعة المتجولين لوزا أخضر و تينا مجففا و فطائر محلاة بالعسل.
ثم هدأ الناس، وسكتت الأصوات ، و اشرأبت الأعناق ، و تثبتت العيون على أعلى الطريق . ميّزوا قرع الطبول و نفخ الأبواق و رنين المثلثات و الأجراس و هي تقترب و تتعالى فيزداد صمت الناس و تتسع عيونهم كأنما بإمكانهم أن يروا أكثر . ثم ظهر حاملو البيارق الملونة و من خلفهم العازفون بملابسهم القشتالية، السراويل الضيقة المقطوعة على حجم الجسد و السترات المزينة و القبعات.
هتف رجل بالقشتالية :
_إنه هو . . . هذا هو . . . انظروا !
كان يشير إلى فارس يتقدم معتليا حصانا أبيض مطهما، يطأ الأرض بخفة متهاديا كأنما يتيه بحسنه.
_يعيش كريستوبال كولون . . . يعيش كريستوبال كولون !
رفع الرجل الملتحي قلنسوته السوداء وحيا الناس بها و ابتسم ابتسامة عريضة معتدة كأنه ملك على الملوك.
قالت سليمة بحماس متقد :
_ يقولون إن الأرض التي اكتشفها كلها ذهب و فضة ، إنه في طريقه الآن إلى برشلونة لإعطاء الملكين ما وجده من الكنوز:
قال حسن :
_ولم لا يأخذ الكنوز لنفسه ؟!
قالت سليمة .
_ لا يملك !
سألها سعد .
_لماذا ؟
أجابته:
_ لقد دفع الملكان المال اللازم للرحلة . . كأنهما استأجراه للقيام بها، انظر يا سعد . . انظر !
بعد مرور الفرسان الذين يتبعون الأدميرال ظهر في الموكب رجال يحملون أقفاصا كبيرة بها طيور مدهشة الألوان ، بعضها صغير كالعصافير، و بعضها متوسط الحجم كالببغاوات، و بعضها كبير كالأوز، منها ما له مناقير كبيرة لم تشهد لها مثيلا، و أعرف دقيقة كالتيجان . و من بعدهم مر رجال يحملون صناديق زجاجية بها مخلوقات غربية : عناكب ضخمة، و حيات عملاقة، و زواحف هائلة يفزع الإنسان من مجرد النظر إليها . كان الناس يتابعون الموكب مبهوري الأنفاس موزعين بين التوقد و الخوف من ذلك العالم الجديد المجهول الذي اكتشفه الفارس.
بعدها ، وكأنما أراد منظمو الموكب أن يلتقط الناس أنفاسهم، مر حاملو النباتات، فامتلأت الطريق بسعف نخيل ليس بنخيل ، و أفرع أشجار لا يعرف المرء نوعها، و ثمار غربية منها الملتحف بغطاء بنيّ كالصوف ، و منها المغطى بقشور كانه قٌدّ من جذع نخلة . ثم تقدم فرسان آخرون يحملون كمن سبقهم علبا من زجاج مغلقة على المعروض فيها ، يلتمع التماعا في ضوء الشمس ، يخطف الأبصار . صاحت امرأة : (( إنه الذهب ! )) (( الذهب )) ترددت الصيحة ثم انعقدت الألسنة و تسارعت دقات القلوب و اتسعت العيون تُحَدّق في العلب التي تحمل تبرا (( مالاً من الذهب ))، أو قطعا كملة من الذهب الخالص .
سبائك كبيرة لم يسمع الناس إن في الأرض لها مثيلا . . هتفت امرأة :
_ يعيش كريستوبال كولون !
تردد الهتاف أكثر خفوتا هذه المرة و كأنما الدهشة و الانبهار سحبتا مافي الأبدان من قوة.
هتفت سليمة
_ليس عالما جديدا، إنه عالم مختلف، هذا هو كل مافي الأمر!
ولم تكن المدهشات قد انتهت بعد إذ ظهر في نهاية الموكب الأسرى . و سرى الهمس بين الصفوف :
_أهل البلد . . إنهم أهل البلاد . . . سكان العالم الجديد !
كانوا يمشون بخطى وئيدة وأيدهم مقيدة خلف ظهورهم يحيط بهم الحراس من الجانبين . كانت لهم ملامح دقيقة وأجساد نحيلة لا تخلوا من هشاشة ، و الرجال كالنساء تنسدل شعورهم ، سوداء ملساء طويلة ، تغطي أكتافهم. و رغم الملابس القشتالية التي كانوا يرتدونها إلا أن أختلافهم كان واضحا و بيّنا بسبب ملامحهم أو نظرة عيونهم أو الريش الملون المنغرس في عصبات تحيط برءوسهم . و كانت هيئتهم على غرابتها لا ثير النفور ، بل على العكس تماما من ذلك ، ربما لملاحة الوجوه ورشاقة القدود وربما لسبب آخر . ولكن بعض القشتاليين كانوا يضحكون . التفتت سليمة إلى سعد :
_ ما الذي يضحكهم؟!
_ لا أدري !
كانت الضحكات قد فاجأت سعدا أيضا و أربكته ثم استفزّته.
صاح نعيم :
_سعد ، هل ترى هذه الصبية ؟
_أية صبية ؟
_ الاسيرة التي ترتدي ثوبا أبيض .
أشار نعيم بيده إلى فتاة ممشوقة كالعود كانت تعثرت و سقطت على الأرض ، و حاول أحد الحراس إعانتها على النهوض فدفعته بكتفها و تحاملت و قامت وحدها رغم يديها المقيدتين وواصلت المشي .
_ ترى ما اسمها؟
_و من يدريني !
_ليتني أعرف اسمها !
مر الموكب مجللا بنقر الدفوف ودق الطبول و المزاميز ، تتداخل تلاوين أصواتها مع رنين المثلثات المعدنية و صخب الناس و ضحكاتهم . و لم يعرف الصغار الأربعة أين ذهبت البهجة التي كانت تتقافز في قلوبهم ، بل الحق أنهم لم ينتبهوا إلى ذهابها و حلول مسحة حزن على الموكب و عيونهم . كانوا يراقبون في صمت الأيدي المقيدة خلف الظهور ، و الخطى الوئيدة و الرءوس المطرقة و النظرة المفاجئة التي تطالعك حين يرفع الواحد منهم عينيه إليك فيحدق فيك كما تحدق فيه .
قالت سليمة :
_ لم لا نرجع إلى البيت ؟
_ نرجع . . أين ذهب نعيم ؟
وقفوا ينتظرون عودته و طال انتظارهم و راحوا يضربون أخماسا بأسداس. و أراد سعد ان يذهب للبحث عنه و قيّده وعده لأبي جعفر بأنه لن يترك حسن و سليمة وحدهما (( و لا طرفة عين !)) و انتظروا أكثر ثم حسم سعد أمره :
_نعود إلى البيازين ، و قد يكون نعيم سبقنا إلى هناك .
لم يقل إنه ينوي إعادتهما ثم الرجوع إلى مكان للبحث عن صاحبه .
في رحلة العودة كان حسن و سليمة يؤكدان أن نعيما عاد إلى المدينة فيقول لهما سعد إن ذلك بالضبط هو ما حدث ؛ و لكنه لم يكن يصدق ما يقوله لهما ، يثقل قلبه القلق.
ساروا بصمت في طرق جبلية غربت شمسها فغامت الألوان على التلال لتخبو و تسلم نفسها لليل الوشيك . و كان سعد يحدق في موكب الأسرى الذي ذهب . ترى هل حاصروهم من البر و البحر كما حاصروا مالقة ؟ هل جوعوهم حتى أكل من جرؤ منهم لحم حصانه؟ هل قصفوا بيوتهم و اقتحموهم عليهم و اقتادوهم أسرى ؟
مطلع الصيف : الجو أكثر دفئا بعد أمطار غزيرة حمّلت المكان برائحة العشب المبلل . يقول الكبار سقطت بلّش مالقة و القشتاليون قادمون .
يقول الكبار : وصلوا و أقاموا معسكرهم خارج أسوار المدينة ، و حفروا الخنادق ، و أنشئوا أبراجا و جسورا خشبية ، و نصبوا المدافع اللمباردية. وصل الملك فرديناند . . . وصلت الملكة من قرطبة . يقول أبوه إن حامد الثغري الذي قاد دفاعا مستميتا عن رونده قد طلب منه بعد سقوطها ان يقود الحامية الموجودة في قلعة جبل الفارو المشرفة على مالقة . يقول أبوه : نزل الثغري من القلعة مع قواته و نحى حاكم مالقة الذي كان يريد تسليمها و نظم الدفاع عن المدينة . الكبار لا يتحدثون إلا عن ذلك ، يسمعون كلامهم فيفهمون بعضه و لا يفهمون بعضه الآخر . في الحالتين يعيدون ما يسمعونه لعبا و تشخيصا.
متعة الركض في الحارات و بحث الواحد منهم عن رفاقه المختفين خلف الأشجار و سرقة الحٌصرم من كروم لا يملكونها، كلها توارت أمام المتعة الجديدة. يوزعون الأدوار و يختلفون و يتعاركون . كلهم يريد أن يكون الثغري أو على الأقل مقاتلا من مقاتليه، ثم يقبل في نهاية الأمر أن يقوم بدور فرديناند او دور رجل من رجال حاشيته و فرسانه . لا شيء ينقصهم ، وفي البيوت و الطرقات وفرة : إناء فخاريّ يحضره أحدهم سرا من داره هو تاج فرديناند
يقلبه على رأسه ويشد قامته فيصير الملك ، وفروع الأشجار سيوف جاهزة، و الحصى الصغيرة دنانير الذهب ، و الحصى الأكبر الجواهر النادرة، و جلباب قديم يلفه صاحبه على رأسه يصير عمامة مهيبة تجعله تاجرا من كبار التجار .
الملك فرديناند تعلو رأسه الآنية الفخارية المقلوبة ينادي على ثلاثة من فرسانه و يطلب منهم التوجه إلى مالقة : (( قولوا لهم أن يسلمو المدينة )) ينحني الفرسان و يقبلون يده الصغيرة ثم يستديرون لينقلوا رسالتهم إلى الجانب الآخر ((الملك فرديناند
يطلب منكم التسليم )) تقترب الرءوس المعممة ، تتشاور. يقول التجار : نُسلم و إلا هلكنا .يقول الباقون : لا نُسلم . على درويش قائد المدينة أن يحسم الأ مر : سنسلم .
يظهر الثغري ممتطيا جواده الوهمي، يرفع سيفه في وجه درويش فيسقط على الأرض قتيلا و يهرب الآخرون . يقول الثغري وغصن الشجرة مشروع في يده : ((قل للملك إن سيدي الزغل لم يوكل لنا قيادة القلعة لنسلمها، سندافع عن مدينتنا)) . يقول مندوب الملك : (( ولكن الملك أرسل لك هذه الهدية)) يمد يده بالحصى الصغير و الكبير (( و سيعطيك إن سلمت له المدينة قصرا و مالا أكثر )) . يعيد الثغري الحصى لمندوب الملك و هو يقول في اعتداد : (( لا أريد منكم شيئا)) .
ثم تشتعل الحرب، ويشاركون جميعا في النزال بسيوفهم الخشبية، و تتسع الساحة لتشمل كرم العنب كله فيتفرقون في أنحائه كل اثنين يتبارزان حتى يهدهم التعب .
لعبتهم اليومية في الأسابيع الأولى للحصار قبل أن يشح الزاد و يتساقط الناس من شدة الجوع و تقعدهم بطونهم الخالية عن كل ركض و لعب . حتى الحُصرم الذي كانوا شغوفين بسرقته يستطيبون لذعته الحادة كرهوه و حموضته تلسع جوفهم و تحرقه حرقًا.
يرفض أبوه أن يذبح حصانه، تبكي أمه : سيموت الصغار جوعا . . .
و يصيح هو كاذبا : من قال إنني جائع . . . أقسم بالله العظيم أنني لست جائعا . . . و يبكي جوعا و خوفا على الحصان .
أبوه لم يذبح حصانه، أمه تقطف أوراق العنب و تغليها في الماء و تطعمهم . تدق سعف النخيل حتى يصبح دقيقا كالطحين و تعجنه بالماء و تسويه . . فيؤكل .
لم يحجب خفوت ضوء الغسق عن سليمة وجه سعد . . . لم تفهم اختلاجته و لا اجتماع الصفاء و الكدر على صفحته المرتعشة بحزن عميق أحسته و إن لم تحط به . و لما رأت تلك الدمعة التي انحدرت من طرف العين خلسة مدت يدها إلى يده و أمسكت بها .
أوصل سعد حسن وسليمة إلى بيت أبي جعفر ثم اتجه إلى الحانوت . سأنتظره بعض الوقت ، فإن لم يظهر أرجع إلى مكان العرض لأبحث عنه . لمح ضوء القنديل يتسرب من تحت باب الحانوت فعرف أن نعيما قد عاد .
_ماذا حدث ، أين كنت؟
تلعثم نعيم وبدا مضطربا ثم قال على استحياء :
_مشيت مع الموكب .
_ و لماذا تمشي مع الموكب . . . ولماذا تذهب دون أن تخبرنا ؟!
قالها سعد بصوت عال محتد . و كان يعرف أنه سوف ينفجر في نعيم موبخا إن لم يجد لديه تفسيرا مقبولا لسلوكه .
_ماذا حدث ؟!
_ اهدأ يا سعد . . . لن أستطيع أن أجيبك إلا لو هدأت، فأنا أيضا مضطرب وحزين و لا أدري ماذا أفعل .
_ماذا حدث ؟
قام نعيم و أعد لقمة للعشاء . أكلا في صمت و عندما انتهيا قال :
_لقد وقعت في حب الصبية .
_أية صبية ؟
_ الصبية التي كانت في الموكب، ذات الرداء الأبيض.
_ثم ؟!
_أخذت قلبي يا سعد . . . و ارتعت فأنا لا أعرف حتى اسمها . ركضت خلف الموكب، و حاولت الوصول إليها فأخذت أحدث أصواتا لكي تنتبه. تطلعت إليّ و خلت شيئا كأنه القبول في وجهها ولكن الحراس دفعوني بعيدا . . . سقطت على الأرض .و كانت تتطلع فابتسمت ثم نقلها الحراس إلى الجانب الآخر من الموكب حتى لا أراها. مشيت بمحاذاة الموكب لعلّي اراها مرة أخرى ولكني لم أرها . . . ماذا أفعل الآن يا سعد ؟
_أطفئ القنديل و نم !
***
جاءت سليمة إلى الحانوت تسأل عن أبي جعفر و لم يكن موجودا ، (( عندما يأتي جدي قل له إن جدتي . . . )) لم يسمع سعد باقي كلامها . لحظة خاطفة أسرع من ومض البرق في السماء . غض الطرف لأنه لم يقدر على مواصلة التطلع إلى الوجه الذي رآه ألف مرة و لم يره أبدا إلا عندما سقطت الغشاوة عن عينيه فرأى ، و لما رأى تزعرعت أحشاؤه و غض الطرف .
لم ينم سعد الليل بطوله ، بقي مؤرقا يتقلب في فراشه كالمحموم، وفي الأيام التالية انقطع عن الذهاب إلى بيت أبي جعفر ، يطلب من نعيم الذهاب ، لو اقتضت الضرورة ، متعللا بعذر أو سواه . و كلما أراد أن يسرّ لنعيم بحبه تلجّم لسانه، وكلما حاول أن يغالب مافي قلبه ازداد مافي قلبه اتقادا .
بعد شهرين حكى لنعيم . تراقص نعيم طربا لكلمة ((أحب)) التي نطق سعد بها، لكن باقي العبارة ((سليمة حفيدة أبي جعفر)) وأدت الرقصة في بدنه و تركته واجما. غلبه الصمت لحظات . . . ثم قال (( حبها بعض الوقت ثم حب سواها !)) ، كان ما يدور في رأس نعيم مطابقا لما يشغل سعد . ما الذي يقوله أبو جعفر لو علم ؟ هل يقول ائتمنت سعدا على أهل بيتي فخان الأمانة. و هل لو طلب سعد الزواج من حفيدته يقبل ؟ ألا يقول إنه فقير و بلا أهل و يريد الزواج من حفيدته طمعا في مالها و مكانته ؟ عاد نعيم يقول :
_ حبها أسبوعا أسبوعين ثم تحول إلى غيرها . قلقت عليك يا أخي ، و قلت اغلق سعد قلبه في وجه النساء . . . الحمد لله انحلت عقدتك !
توقف نعيم لحظات ثم سأل :
_ كيف تحبها يا سعد ؟
_لا أفهم ؟
_أخي أريد أن أطمئن عليك . . .أريد ان أقارن بين طريقة حبك للنساء و طريقة حبي . . . قل لي بتفصيل التفصيل كيف تحبها !
كان حسن و سليمة يلقيان المعتاد من التدليل في بيت الأجداد، و يلقيان المزيد منه لأنهما ولدا الغالي الذي اختطفه الموت قبل الأوان. و لم يكن أبو جعفر يأتي للصغيرين بكل ما يطلبانه فقط ، بل كان أيضا يعلق عليها الآمال العريضة . جاء لسليمة بمن يعلمها القراءة و الكتابة في الدار ، و عندما أتم حسن السابعة من عمره اصطحبه لفقيه ذي مكانة ليلحقه بحلقة درسه . و كان يقول لحسن : (( سقطت غرناطة يا حسن ولكن من يدري قد تعود على يديك بسيفك، أو قد تكتب حكايتها و تسجل أعلامها . لا أريد ورّاقا مثلي يا ولد ، بل كاتبا عظيما كابن الخطيب يسجلون اسمك مع غرناطة في كل كتاب )).
كانت سليمة في التاسعة من عمرها في اليوم الذي تطلع فيها سعد و غض
الطرف . لاحظت و انتبهت و أربكها مالاحظته، لأن وجود سعد كان أليفا و معتادا كوجود حسن و نعيم وجدّها و المعلم الذي يدرسها . أما نظرته وإحساسها فكانا غريبين جديدين لم تعرف كيف تتعامل معهما . شغلها الأمر يوما و يومين و ثلاثة، ثم تشاغلت عنه و تناسته حتى نسيته. و لم تكن سليمة منتبهة لأنوثتها كالعديدات من قريناتها اللائي يعدهن أهلهن في تلك السن للزواج. و كان أبو جعفر ، رغم أنه لم يشر لأحد بذلك قط، يتمنى في قرارة نفسه أن تكون سليمة كعائشة بنت أحمد ، زينة نساء قرطبة و رجالها أيضا، فاقتهم في فهمها و علمها و أدبها . . . لم ينشغل بأمر زواجها و لا شغلها به . كذلك أمها فعلت الشيء نفسه لأسباب أخرى تخصها ، كان تعلقها الشديد بابنتها يجعلها تجفل لمجرد التفكير في انفصالها عنها للإقامة بعيدا مع رجل غريب في بيت غريب.
كان بعض معارف أبي جعفر و أصدقائه ينبهونه إلى أن ما يتكلفه من نفقات تعليم حفيدته تبديد لا طائل من ورائه. (( لم يعد هذا زمان العلماء و الفقهاء يا أبا جعفر و لا حتى زمان النسّاخين. اللغة القشتالية قادمة لا محالة و العربية لم تعد بضاعة رابحة )) . كان أبو جعفر يسمع ما يقولونه و لا يعلق ؛و لكنه لم يفكر و لا لحظة واحدة في التخلي عن تعليم الصغيرين ليس فقط لأنه كان عنيدا في تحقيق رغباته، ولكن أيضا لقناعته بأن التراجع عن تعليم حفيديه تسليم بهزيمة قد يقدر الله ألا تقع في نهاية المطاف. لم تكن أحلامه قد تخلت عنه فكيف يتخلى هو عنها ؟! وكان يحلو له أن يتخيل أن كل ما هو كائن ليس سوى كابوس عابر ، لأن الله لا يمكن أن يترك عباده و ينساهم كأنهم لم يعبدوه و يعمروا بيته و قلوبهم بحبه و ذكره . . . ويرى أياما قادمة ينسحب فيها القشتاليون إلى الشمال ويتركون غرناطة تعيش بسلام في ظل الحرف العربيّ و صوت المؤذن . كان يعرف أن العمر لن يمتد لتشهد عيناه ذلك . . . يقول لنفسه إن روحه سوف تشهدها وهي تحلق في سماء المدينة ، يمامة بيضاء تنساب مرفرفة من أبراج الحمراء إلى مئذنة المسجد الجامع ، تحط في باحته لتلتقط فتات
خبز يلقيه لها الدارسون الصغار ، و تحلق و تسلك و تحط في نهاية اليوم على نافذة بيت في البيازين كان بيته و أصبح بيت حسن الغرناطيّ الكاتب ساهرا يغمس ريشته في دواته و يكتب .
و كان الصغيران يغذيان الحلم بتفوقهما، فسليمة تحفظ من الأشعار مالا يحفظه الرجال طالت لحاهم، و حسن يرسم الخط رسما و يستقيم سطوره كأنما هي إفريز بديع من أفاريز المساجد، و الصفحة تخرج من بين يديه متعة للناظرين ، و معلمو الصغيرين يستبشرون بذكائهما خيرا، فيغدق أبو جعفر في مكافأتهم حتى وإن اقتطع من ثمن ملف أو مركوب يتوجب شراؤه عوضا عن المرقوع البالي.