الفصل الأول

7 0 00

الفصل الأول

23 يوليو 2003

سجن..أم درمان

إليكِ ..

الآن فقط بإمكاني أن أبوح لك بالحكاية المحرمة، حكاية رجال لم تعد تحتملهم المدن والمطارات في كل هذه الارض الرحيبة ، رجال ضاقت عليهم الجبال والصحاري فارتدوا

طريق السماء، رأيتهم وكانوا يخلعون ابنائهم واموالهم كي يعرجوا في مراكب الدماء، هل كانوا على حق ام كانوا على باطل ؟؟ تركت لك ولهم الحكم فانا مشوش الذاكرة.

ساحكي لك سر انكساري، ووصولي إلى هذا السجن المشبع بالمجرمين والمظلومين، بعد فقدي في زحام الحياة وصخب السوق رهافة تلك (الكلمات الست)، سر القمة والقاع!

سأحكي لك تلك الحكاية التي ربما تصادر قبل البدء، أو تحرق بعد الطبع ..!! وهل ستطبع وتكون وثيقة إدانة لجسدي وفمي، وقيدً أدبياً يذهب بي إلى السجن ؟؟؟ لست أدري

..!! لكنني على أية حال لم أعد أبالي، فحياتي في السجن أرحم من أن

تتخبط أكتافي بأناس فقدت القدرة على أن أعيد تشكيل حبهم في القلب من جديد..فدائما علمتنا إطارات الصور إذا ماتهشمت ان نضعها في أقصى الغرفة المظلمة.. لكني هنا

سأخرجها إلي النور..سأستدعي لك الحقائق عارية كي تصدمنا وتصدمهم .

سيدتي..الآن فقط بعد خمسة عشر عاماً من التوغل في الصمت والصراع والجدل، نجحت في عقد صفقة تاريخية، كتلك التي يوقعها أحدهم نيابة عنا بالأحرف الأولى ، عندما

يهم ببيع جزءاً حميماً من الوطن باسم (معاهدة تاريخية)، وهل يظن أولئك أن الوطن المغدور سينسى باقي اسمائهم الخائنة؟!

لم أتوصل بعد لسر التوقيع السياسي لماذا يكون بالأحرف الأولي؟! هل هو اتفاق (جنتلمان) حقيقة كما تقول المصادر الدبلوماسية؟!

لكن مع ذاكرتي كانت الصفقة عادلة، مجرد حرفين (م.ش) _ هوية للراوي _ لا يهتم بهما أحد، ولا توجب الملاحقة القانونية، مقابل أن تتخلص ذاكرتي من عذابها الليلي

وهي تشاهد العالم كله يساق كرهاً أو حباً، كي يزين شفاه (أمريكا) بدمنا المسال

من شرق (كانوا لايفقهون قولاً)، إلى غرب سقط (في الحمأ المسنون).

فوحدنا في هذا العالم نعرف ـ نحن المحرومون من الإدلاء بشهادتنا ـ أن امريكا تلفظ أنفاسها الأخيرة، ونرى وحدنا تسرب الروح من مدنها الخاوية على الرغم من هذا

الكبرياء المفضوح! أحاول في أسى أن أقنع نفسي بأن صفقة بيعي ذاكرني للمارة والسابلة، كانت عادلة كي أستريح وأستسلم لصوت نفاقي الداخلي المداهن بتلك المقولة

الشيطانية: (ليس بالإمكان أفضل مما كان).

هل سيغفر لي أبناء الشهداء أن أبيع ذاكرة ممهورة بالدم والقصف، ورجال خرجوا فجأة من تاريخ هزائمنا إلى قارعة النصر، ذاكرة على جدرانها كل يوم تتسلق أجساد الشهداء

كشجر الياسمين، ذاكرة شاهق على جانبيها أشجار الصنوبر، وبقيت تلك الاشجار شامخة رغم احتراقها مرتين: مرة (بالنابالم الشيوعي)، وأخرى (بالعنقودي الرأسمالي).

ذاكرة .. على شبابيكها وشما لألف معركة نشبت بين أجسادنا الطفولية وطائراتهم ودبابتهم، التي كانت تحيل الجبال إلى رماد، وقلوبنا إلى جبال يتهاوى حولها الخوف!

فكيف تباع مثل تلك الذاكرة؟!

ذاكرة.. لمدة خمسة عشر عاماًلم تسر في جنازة أوتشهد موت أحد تعرفه قد مات كما يموت البشر بشيخوخة أو مرض! بل كلهم اقتحموا حياتهم الجديدة لحظة توقف الرصاص في

إحشاء جماجمهماو على قارعة الجبين بين العينين، إما برصاص العدو أورصاص الصديق العدو!

هل تعلمي أني الآن مسجوناًفي قضية مختلفة تماماًعما تعرفيه عني،ربما أكون في نظر البعض لصاً تحت المادة 179،وربما أكون في نظر آخرين أسطورة لا تنتهي حكاياتها،

لا أريدك أن تحاكميني مثل محاكم أمن الدولة، ..ساعة واحده ومسرحية هزلية - لم تعد تنطلي على أحد _ ثم أراني متأرجحا في بهو ذاكرتك جثة هامدة ،فحكمك ربما هو

الوحيد الذي بقي يعنيني..فهل تراك أيضا ربما تغادري حنيني ولا تلتفتي؟!

سأحكي لك عن تلك الأساطير التي هربتها من شفتي وعيوني إلى خلف حدود الرئتين،ما ظننت أن صدري المقبرة سيتسع لكل تلك النعوش الكنوز، ولكل تلك الحكايات من جبال

أفغانستان إلي شاطئ دجلة، أو لكل أولئك الأبطال السريين،الذين دخلوا حقيقة التاريخ من أوسع أبوابه، يواجهون سيف القتل والسجن والتشريد، لكنهم ممنوعين من دخول

كتب التاريخ في مدارسنا، وممنوعين من أن نحكيهم قصصاً وأحاجي نوم للصغار، عوضاً عن حكايات المسخ أبطال الكرتون.

سأستدعي البطولة التي فاضت وكست وجوه (الشهداء ) فخرجوا علينا فجأة وميضاًمن ميدان هزائمنا المتخم برزونامة الخسائر، و بعروض الجيوش التي لا تصنع انتصاراً،

خرجوا إلى قارعة النصر التي لا يعرفها فيهم أحد، لكن في لهيبها الآن تعاد صياغة أقطاب العالم.

سأستدعي لك أرامل الشهداء والأيتام .. ساستدعي الراهبات زوجات المساجين وأبنائهم المشردين..

سأستدعي الوصايا التي كنا نجدها دائما في جيوبهم بجوار مصحف صغير ومرآة ومشط وبقايا حبات التوت المجفف ، تلك الوصايا التي كان نصفها حبر وأكثرها دم..

سأستدعي تجار الحرب والمرابين في بورصة الموت..وكل تلك الأقنعة ..والخوارج الجدد..

سأستدعي أقفاص جوانتنامو ممتلئة بالبرتقالي _ وبعدهم أحببت اللون البرتقالي _ وهي في شموخها الحزين وليلها المدوي بالقرآن تتحدىفي صمت على الشاطئ الآخر لأمريكا،صخب

العري وكذبة وإنكسار تمثال مس ليبرتي ( الحرية الخدعة) ، تلك الحرية التي حرمونا منها بتهمة ملامحنا الشرق أوسطية.

وسأكتب لك كيف أحببت أمةً ووطناً دون تفاصيل وعناوين انتماء تمسخ هذا الحب، فقد كنت والناس ينحازون إلى جماعات وفرق أنحاز إلى إيمان أمي البريء.. إيمان العجائز..

عجائز ما وراء النهر في نيسابور، وتلك الدهشة والصرخة للعجوز في وجه الزمخشري: (أفي الله شك؟!) واحتار الزمخشري، ومضت العجوز

لبيتها مطمئنة !!، فما كانت بحاجة إلى ألف دليل على وجود الله.

نعم إيمان أمي التي ترملت في السادسة والعشرين من عمرها،بعد أن تقيئ أبي أمامها طحاله من مرض أصابه، لكنها رفضت أن يدخل رجلاًآخرمن باب خرج منه نعش أبي ،وأغلقت

علينا قلبها وتهيئت لنا بكل جوارحها، وأشعلت عمرها وربيع أنوثتها بعد أن غلفته بخريف الفقد من أجل عيون خمسة أيتام _كنت أصغرهم ولم أبلغ عامي الأول بعد _ وأحرقت

أمي العمر شمعة بعد شمعة وسنة بعد سنة وهي تزيين لنا كعكة الحياة القاسية، كي تضيئ بهذا الحريق طريق أيتام وعره.

فبعد رحيل والدي بأربعة أعوام اجتاحتنا مصيبة من عيار الدهشة الكبير، ففي منتصف ليل شتوي تحول بيتنا العائلي الكبير فجأة الى ثكنة عسكرية، وصراخ وفزع كنت في

عامي الخامس، لكنه يوماًبقي وشماًفي الذاكرة، اتذكره فينخلع قلبي.. وأعرف أنها الحكاية التي كانت بعد ذلك في عقلي الباطن توجه بوصلة

قدماي باتجاه البحث عن وطن لا يستبيحه على بابا والأربعمائة ألف مخبر .

يومها اُنتِزعت من لحافي ورأيته يمٌزق أمام عيني، كان الجنود كالمعتوهين أو المجانين يتبادلون الصياح وهم يقلبون كل شئ يصادفهم في البيت، كل فرشنا القطنية والحفتنا

بعجوها بالسكاكين يبحثون في داخلها عن شئ ما ..سمعتهم يقولون منشورات.... وأظن أولئك الجنود وهم بتلك الحماقة والأمية لو وجدوا تلك المنشورات السرية في ألحفتنا

لن يستطيعوا قراءتها !صادروا بفوضى شديده مكتبة أخي (محمد ) الكبير والتي كانت عنده كأجمل عروس ؛كان مهووسا بالقراءة و كثيرا ماضاع وقته بين القطارات عند عودته

من المدرسة ، كان في كل مرة يكتشف انه نسي النزول في المحطة التي بجوار بيتنا لاستغراقه في قراءة كتاب أو قصة! ربما يتحول محمد بعدها لقراءة أعمق في التاريخ

والثورات وكل ماهو ضد الحكومة، أتذكرالان جيدا كيف غامرت أمي_ وكنت معها صغيرا متشبثا بعبائتها _ ووصلت إليه رغم ألف مخبر يحاصرون المدينة الجامعيةكي تدس في

جيبه بعض المال ، وتدس في أيادي أصدقائه سلة طعام كاملة، فقد

كان يقود المظاهرات من سكنه الجامعي إلى شوارع العاصمة، يومها رأيت الرصاص كالعصافير يحط في الشوارع وبكيت حرقة في عيني وأنا لا أعرف أن الفضاء مملوء بالقنابل

المسيلة للدموع.

ورحل الجنود بعد أن انتزعوا عمي الوحيد من بين أجسادنا وأرواحنا، وتحت كعوب البنادق وهدير الصراخ رموه داخل السيارة الجيب ، وبقي مقعده في القلب راعفا وسريره

في البيت تسعة أعوام شاغرا ، فقد حكم عليه خمسة عشر عاما في لاشئ ..!!

أتذكر يوم نطق الحكم عليه وعلي من معه، وكان يذاع على الهواء ، أمرتنا أمي أن نتصنع ضجيجا عندما يأتي اسم عمي كي لا تسمع جدتي الحكم كانت الأحكام قاسية ضد

تهم ملفقة من خيال الحاكم المهزوز، كانت الاحكام كلها خمسة عشر عاما فما فوق، وبالفعل اذيع حكما بخمسة عشر عاما ضد عمي لكن ذاك الحكم وصل جدتي بدهاء النساء

ثلاثة أعوام فقط.

ماعرفته بعد ذلك من حكايات النساء المعزيات والمتلصصات،اللواتي كن يتوافدن أحياناًبطيبة وأحياناًبخبث علي بيتنا لتقصي

الأخبار، أنعمي متهم بقلب نظام الحكم، وأن بحوزته كتاب لرجل اسمه (سيد قطب) .. وظل هذا الاسم يثير في جوانحي الفزع...كنت اخاف ان أرى اسمه و أنا صغير على أي

كتاب في بيتنا.. خوفا على لحافي الجديد الذي سهرت أمي عليه تطرزه بالستان الأخضر..!! كنت أتخيل سيارات الشرطة والجنود القساة يقتحمون بيتنا مرة اخرى.. وكنت

أفزع من اسم (سيد ) كيرا .. لأنه بموته واقفا بمبادئه التي ما ساوم بها سواء اتفقت معه او اختلفتت، كان يعريني من الداخل كنت أتخيله دائما هو المنتصب واقفا،

والمشنقة هي التي تتدلي على جسده، سمعت أنهم اختلفوا عليه فيما بعد وهم يتسامرون على أرائك الغيبة ويتسائلون ..هل كان أشعري ..؟؟ أم نصف ولي.. وباستفهام غير

برئ ..يسألني أحدهم لم كان يحلق لحيته!!؟؟

كنت أجيب في غير براءة أيضا، و لم لحي كبيرة تحلق الدين وتحرق البخور للسلاطين اللصوص ..؟؟!!!

بقي عزاء عمي الذي مات ولم يمت عدة ايام ، كانت النساء يبكبن أمام زوجته، لكني كنت أراهم وأتبعهم بشغف الصغار إلى

خارج حديقة البيت، وهن يتهامسن عن جمال بيتنا وأنه بُني من الأموال التي قبضها عمي من إسرائيل كونه جاسوساً!

لكن الأيام الأصعب كانت في المدرسة، كنت في الصف التمهيدي وكانمعيأكبر أبناء عمي وصديقي ياسر الذييكبرني بعام واحداً، نواجه عيون زملائنا الصغار، كنانسمعهم

وهم يتهامسون بأن في بيتنا جهاز (لاسلكي) كان يستخدمه عمي في الاتصال بإسرائيل،كان خيال الصغار أوسع من خيال الحكومة في التلفيق!كان كل وحد منهم يملك تقنية

(أجاثا كريستي ) في نسج القصص البوليسية حولنا!كنت أحس بصمتهم فجأة حين نباغتهم بدخول الفصل وكنت أعرف أنهم يتحدثون عنا، كنت أحمل في جوانحي حساسية اليتم وبصمات

أم علمتني أن لا أكون جارحاً،فكنت أنزوي في نهاية الفصل بين دمعتين أحس بملوحتيهماالآن، لكن ابن عمي كان لديه من الشجاعة الأدبية والفصاحةماينسيه ذاك الهمس

حولنا،أوربماكان لا يبالي بحساسية مفرطة مثلي والتي عانيت منها في حياتي بعد ذلك طويلاً.

أتذكر أن كل اقربائنا أصابهم الذعر في ذلك اليوم ولا أنسى عم محمود الرجل الكبير الوقور كيف اختفي في حمامات المسجد، عندما وصلت الشرطة في اليوم الثاني لأخذ

عمتي، كنت أرى في عينيه قهر الرجولة،بالرغم من أنه كان أكثر رجال قريتنا شهامة وشجاعة،وكم كنا ننسج حوله قصصاً منالبطولات الخارقة، لكن ظلم الحكومة كان جباراً،

فلا يترك لرجولتك أي هامش من المناورة أو إدعاء الرجولة، فإما أن تكون رجلاًوتمنح رقبتك للسيف وأطفالك للجوع، وإماأنتكون ملحقاًبمجالسالنساء تتجاذب معهن الحديث

الذي لايشكك في نزاهة الحكومة

وأصبحتبذلكأمي المدللة فجأة رجل لعائلتين، عائلة أيتام هم ابنائها، وعائلة سجين هم أبناء عمي وأمهم التي لا حول لها ولا قوة، لا أنسى كيف ارتدت يوما في الليل

لبس الرجال وخرجت لسطخ منزلنا، حين أحست أن لصا يحاول منذ ليلتين أن يسطوا على منزلنا.. كانت تريد ان توهم اللص أن في هذا البيت رجال..!!

وبدأت تنفق مالها ميراث أبيها صاحب المال والنفوذ، على الرغم منكل الأصوات التي تعالت من عائلتها معترضة عليها،وتستجديها كي تبقي شيئاًلنفسها ولعوز الشيخوخة،كانت

تراهن علينا أننا رأس مالها الذي لا يتلف.

وكسبت الرهان لقد توفي الكثيرات ممن نصحنها وقد ادخرن عوز الشيخوخة الذي أصبح ميراثا متنازعا، لكنهن فقدن أبنائهن حتى في لحظات موتهن الأخيرة، وقامت هي بكل

إجراءات دفنهن، ولكنها حين ماتت كان حول سريرها أكثر من مئة قلب بين اللهفة والبكاء، ورحلت ولم تترك غير ذكريات حميمة متناثرة عبارة عن سرير وأريكة وغرفة صالون

صغيرة وفرن طهت فيها أجمل الاطعمة التي لازال أحفادها يتذكرونها بحسرة ، قضت في تلك الشقة خمسة وعشرون عاما، احتفظ محمد بكل شيء في مكانه، كانت هذه الشقة هي

خلوته بعد ذلك وعالمه الوحيد الذي يوصله بأمي ويجد فيه راحته من صخب الدنيا.

سمعت بعد ذلك كيف منع أحفادها من دخول شقتها تلك فقد كانوا ينهارون حين لا يجيدونها على أريكتها في تفاصيل رائحتها والذكريات، تلك التفاصيل الحميمة معهم ، حدثوني

عن نفس

الأريكة التي كانت تجلس فيها وتختم القرآن فتصيبهم رهبة المكان والزمان

لكن الآن سيعرف أخوتي..هؤلاء الكبار،الذين أكملوا تعليمهم الجامعي الراقي ولأول مرة _ولتسامحني أمي أني أبوح الآن بعد رحيلها بسرها الذي خبئته سنينا_ ربما

يعرف إخوتي الآن أن أمي بعد ما انتهت من بيع آخر أرض تملكها، وقد شارف إخوتي على إنهاءدراستهم الجامعية، وقد كانوايقيمون في العاصمة بعيدا عنا وكنت الوحيدالذيأجلس

معها،يوم قررت أن تعمل _ وهيالماهرة في الخياطة _ واتفقت مع أحد مصانع الملابس الجاهزة أن تخيط لهم في المنزل بالقطعة، فكانت تأخذ القطع سراًإلى البيت، وتسهر

عليها في الليل دون أن يعرف أحد سواي، واستمرت عامين حتى أكمل إخوتيتعليمهم، وأصبحوا مرموقين وكسبت هي الرهان، فقد كانوا حولها كالفراشات باقي عمرها.وهي التي

ما كانت تعرف بعد حديث الرسول عليه السلام،الذي يحكي في ما معناه عن امرأة تزاحمه في دخول الجنة،وحين سأل عنها قيل له أنها لم تتزوج بعد وفاة زوجها وجلست تربي

أيتامها.

أتذكر الآن بخشوع حكمة أخي (محمد) الكبير التي كان يحدثني بها عندما التقيته بعد سبعة عشر عاماً من الفراقلأول مرة هو وشقيقتي (هدى)، في مكة على سقف من حنين

وبكاء، أول مرة أحس أنه أبي وأمي .؟؟

وكانت أمي رحمها الله قد توفيت ..هل اعتراني احساس يتم الأبوين من جديد؟؟ أم يتم الغربة كل تلك الاعوام بلا أهل هو الذي ولد في هذا الاحساس ،قال محمد يومها

: إن البر بالوالدين ليس أمراًسهلاً، فهناك آباء وأمهات يحرمونكمن أن تبرهملكن رحمة الله كانت بنا كبيرة ، عندماوهبنا أماًبرتنا صغاراًوأعانتنا أن نبرها كباراً،كان

يحكي لي عنها عن السبعة عشر عاماًالتي لم أرها فيها وحرمت دفئها، كان يتكلم وكأنها ليست امرأة بل حكاية وأسطورة!وكيف قضت سنوات مرضها بالسرطان لآخر يوم وهي

في خدمة الجميع، تراجع القرآن لأحفادها على الهاتف رغم بعدهم عنها مئات الأميال، وكيف يسافر لها ابن أخي الصغير كي تصنع له طعامه المفضل على عكازيها في أيامها

الأخيرة،وهي تشاكسه بالضحك وهو يشاكسها بالقبل.

قال لي (محمد) وعينه تلمع : تعرف أني وإخوتك قسمنا على أنفسنا أعمال البر وصلة الرحم التي كانت تقوم بها وهي مريضة مقعدة لكننا عجزنا ثلاثتنا أننكون مثلها!

إن صلة الرحم والبر بالقلوب والحب لا بالمال والجسد،فيوم موتها في العزاء اكتشفنا أناس يبكونها أكثر منا، لم نكن نعرف منهم أحداًوحدها أخذت سرهم ورحلت، فأخفيت

دمعتي وأنا أحس بأني الوحيد الذي حرمت من كل هذا الحنان، رغم أني كنت أحب شئ لها في الحياة.

لا أدري كيف سمحت لي أن أرحل من أحضانها ذات شتاء إلى أفغانستان..؟؟!! إلى (جبال الهندكوش)،حيث ستتغير كل طرق حياتي وتفاصيلي وملامحي إلى حكاية كماالخيال، وتُحرم

عليّالمطارات والأوطان وأن أجلس لحظة مطمئنا دون أن توترني دقات الأبواب ليلا، كنت أتعجب من جلدها وهي تودعني وتعرف أن رجوعي ربما يكون مستحيلاً، كنت أمازحها

أن تدعو لي بالشهادة،فكانت تخفي دمعتين أعرفهم حينمايتأرجحانبين البقاء والانهمار،وتقول: بوديأن تكون شهيداًلكن لا أدري لا

أستطيع أن أقولها الآن. كانت تكلمني بعاطفة أم حميمة مشتعلة المشاعر تجاه (آخر العنقود)،كما كانت تحب أن تناديني بها فقد كنت صغيرها اليتيم المدلل، لكن كيف

لو عرفت أن الغربة القاسية اقتاتت من همسي وشاعريتي الني كنت أشاغبها بهما وهي تحكي لي حكايات أبيها ذو النفوذ والمال، وكيف أُخرجت عنوة من المدرسة من الصف

الأول كي تتزوج، وكانت تحكي لي كثيراًعن تفوقها الذي حرمت منه،وعن مدير المدرسة الذي بكىلخروجها.

ماعرفت أن المدارس لا تصنع أمهات،لكن الأمهات يصنعن مدارس لها طعم خاص.

لم يعبر ذهني يوماًأني سأبقىحياًبعد كل ما عبرني منلحظات الموت،وانكفائي بين الشظايا (المتوهجة) التي كانت تدور بالموت فوق رؤوسنا، وخروجي ذات يوم من انفجار

قذيفة نابالم على بعد أمتار مني يومها أغلقت عيني وكنت أفتحها ببطئ وخوف كنت أظن أني قتتلت وأصبحت إما في الجنة أو في النار...!!.

ما عرفت أني سأعيش وأرى أميتموت بعيداًعن عناقي الأخير وبكائي الأخير، وينتصر الوطن !! ويمنعني من أن أتحسس وجهها

وأقبل يدها،لم يمهلني حتى ساعة كي أحكي لها عن سنين الغربة والقتال والجمر الذي قبض على أيدينا،وقصص أصحابي الذين يتوالدون في قلبي من المطار إلى الكفن،وقصص

الخوارج الجدد الذين شوهوا صورة الرجالالمتسلقين سلم الدماء الصامت.

وحملتها كل القلوب والأعناق نعشاً إلي المقابر إلا قلبي الممنوع من دخول الوطن! فأتذكر بكائية (مارسيل خليفة)، و كانت تبهرني وأنا صغيراً، وهو يهتف: (من أين

أدخل للوطن؟!)، وكنت وقتها مهموماً في البحث عن: (كيف أخرج من الوطن؟!). كان يريد مارسيل أن يدخل من بوابة الفقراء، سحر الاشتراكيين في ذاك الزمان.لكن بقي مرسيل

وحيداًيغني لوهج المقاومة، ورحل الإشتراكيون بعرق العمال وبأثمان قطن الفقراء،يفتحون مطاعم (مكدونالد) ويتاجرون في الجينز واللبان ،الذي حرموه على شعوبهم البائسة.

مذهلتي.. كما كنت أحب أن أناديك دوماً بها، وكنت أرىكيميائها تتألق في عينيك، بعد اليوم لا تنتظريني على شباك

(النت)، ففي هذا السجن المتواضع بالكاد نجد ورقةًبيضاء، أو قلماً غير معطوب، أو مروحة تحرك هذا السكون الحار.

أتذكرين؟.. وأنت تحاصريني تطلبين السباحة في أعماقي، كي تفتشي لآلئ وأكفان الشهداء، وتبحثي في دواخلي عن (الحكاية المحرمة)، التي كنت أخاف عليك منها، وأهرب

منك خوف البصاصين والحكومات (الهكرز)، التي استباحت خصوصياتنا باسم حماية الشعب!

واختزلت أسماء الشعب الملايين في اسمٍ واحدٍ ، تفجعنا صورته كل صباح في صحفنا اليومية، ويقال الآن بأن تلك المساحة أصبحت محجوزة لأبنائهم وورثة عرشهم ! وأصبح

وطننا الذي كان خراج سحابه تأتي من كل اليابسة، أصبح الآن صوراً باهتة من دول وأسماء وأعلام وعلي بابا واحداً لكن في صورة سبعين حرامي!

وفي الليل أغلقي هاتفك ياسيدتي، فالصوت الشجي الذي كان يأتيك كمدفئة لصقيع الفراق، وكضحكة طفل تعشقين تحليقه

وتهويماته، متنقلاً ومرتعشاً بالنبرات بين القلب والروح لن يأتيك بعد اليوم. فكلماتي ما عاد مسموح بعبورها الحدود، وصوتي الآن مكبلاً بصوت حارس أجش، ربما حباله

الصوتية لم تجرب مرة واحده نبرات الهمس، وجسدي الآن محاطاً بالأسوار الشاهقة! على الرغم من أن كل بلادنا لم يبقَ بها شيئاً شاهقاً!

حتى تلك الراية المشنوقة فوق السارية على كل أسوار القصور في بلادنا، انظري إليها بتمعن، أحياناً أكاد أتحسس دموعها وهي تشهد تحتها الزيف، وجموع الخوف والإنكسار

تهتف تحتها لصاحب السوط، وصاحب الأرصدة، وعشيقة الملك.

فكيف سترفع رايتنا رأسها وملايين الرؤوس تحتها بالذل محنية؟!

سيدتي .. و أتسائل.. هل قلبك سيعلو نبضه حتى شهيق التوقف ، و يصيب عينيك ارتعاشة برق منهمر بالملح في ذلك الصيف الحار، و يدخل قلبك في حالة طوارئ وإنعاش، كما

كان يحدث له دائماُ عندما يتم توقيفي أو اعتقالي أثناء عبوري تلك الخطوط الوهمية للإنجليز ، والتي تسرطنت في قلوبنا وتدامينا عليها وأصبح أسمها حدوداً.

قلبك الذي لم يتعافَ بعد من صدمة غيابي الأخيرة، عندما تم توقيفي في تلك البلد الحدودي مع العراق. واعتقالي في أبشع مكان للسحل، على الرغم من أنهم أكرمونا بإعفاء

أجسادنا من حلقات التعذيب، التي كانت تضج بالحياة والصراخ حولنا كانت تهمتنا تشكيل خلية مقاومة واجتياز الحدود، ومن ثم قاموا بترحيلنا قسرا بعد ً ثلاثين يوما

من إرهاق التحقيق لنا مغمضي العيون، وحبسنا في زنزانة تحت الارض، حين فتحت لي أول مرة ورأيت خمسة وأربعون رجلا يثقلهم الصمت ويحدقون في كانت زنزانتهم بعرض أربعة

أمتار في خمسة امتار ، لا أدري لما جاءني إحساس أنهم (جرذان )كان المنظر كئيبا ومظلما وبعد أن أصبحت (جرذا ) جديدا معهم أنام سيافي (أي على جانبي ) كما كان

يطلب منا شاويش السجن ، فكنت أضع رأسي عند قدمى زميلي في متوالية تستفيد من كل سنتيمتر من تلك المساحة المتاحة لنا ، اكتشفت فيما بعد أن كلهم أطباء وعلماء

ومهندسين وطيارين و قليل من الحمقى جاءوا بالخطأ وسط تلك الكوكبة، كانت الزنزانة تجمع الفكر من أقصى اليمين الى أقصى الشمال، قاعده وإخوان وتبليغ وبعث وتهريب

آثار،وايضا

فدائيين كانوا يريدون اجتياز الحدود وجواسيس لإسرائيل وآخرين ضحية تصفية حسابات حكام الجوار، لكن أكثر قضية كانت مضحكة ، كان محمود الذي أوقعه نفاقه في شر أعماله

وكان مقاول بناء هاله ذات صباح أن رأى تمثال سيادة الرئيس مفتتا في الميدان الذي يمر منه كل يوم الى عمله، لم يفكر كثيرا ذهب وأحضر شرشفا وجمع التمثال في جنازة

نفاق، وذهب و اشترى على نفقته الخاصة صنما آخر للرئيس وفرح بما أنجز ، و ذهب للشرطة برفات سيادة الرئيس المفتت في الشرشف كي يثبت إنجازه، وهناك كانت الطامة

، فقد اقتيد محمود بتهمة تحطيم الصنم ، إن الشرطة ورجال الامن لا يعترفون بالفاعل المجهول لابد أن يتحمل شخصا ما المسئولية عن كاهلهم، كان محمود يعذب كثيرا

كي يعترف ، كنا نحزن له ونضحك منه بعد كل جلسة تعذيب تطاله، كان يجسد مآساة أمة تبني كل صباحا صنما لحاكمها لكنه لا يرضى منها الا أن يكون إلاها صغيرا .

ومن هناك رُحلنا قسرا كل منا الى بلده، لكن قبل أيام جاءني الهاتف يُسر إلي بعودة ذاك السرب الذي اعتقل معي إلي بغداد من جديد، إنهم إخوان الهزيمة بلا ذنب

في شوارع بغداد، وطيور

مهاجرة التقت في فضاء القتل بلا تفاصيل، غير أجساد هي كل ما كنا نملكه في هذا الوقت الحزين، نعم.. وصلوا جميعاً إلى بغداد مقاومين رغم كل هذا الحصار... إلا

أنا هنا في السجن مكبلابعجزي.

أتذكر الآن في ألم، كيف كنا باحتراق نحاول الرجوع مرة أخرى إلى بغداد، كي نعيد تخفيف مرارة الهزيمة التي اجتاحتنا، ولم نكن طرفاً فيها، وكنا شهوداً عليها في

ذلك الأربعاء الحزين التاسع من نيسان (أبريل)، والدبابات الأمريكية تعبر الجسر متشحة بنصر زائف، ومزق الملابس العسكرية للجيش العراقي المنهك ملقاة على الأرض،

والأسلحة الصامتة المنكسرة متناثرة على جانبي الطريق، تحكي ظلم الحاكم ومرارة الاحتلال وخيانة الأمة، كانت الساعة الثانية عشر ظهرا ذاك الأربعاء عند فندق فلسطين

هي آخر لحظاتنا في بغداد بعد أن اتفقنا على الخروج بعد كثرة الخيانة والخطئ الذي التبس على الناس من أن المقاومين جاءوا دفاعا عن الحاكم والفوضى التي عمت المدينة

، بالفعل كان هناك متطوعين مخدوعين بتلك القيادة، لكن المجاهدين كانوا فقط

تحملهم فتوى فرض العين ودفع العدو الصائل، اتفقنا أن الأمر قد تحول إلى حرب عصابات وليس مواجهة وعلينا أن نعيد ترتيب أنفسنا من جديد .

بغداد سقطت؟! نعم.. لم يصدق أهل مدينة الرمادي كلماتنا وكادوا يفتكون بنا حين أخبرهم مرافقي، وكنت مشدوهاً مكلوما وقد وصلنا إلى الرمادي بعد سبع ساعات في الطرق

الملتوية وبعد أن كادت تتفجر سيارتنا مرتين كلما أردنا أن نعبر جسرا من الجسور التي كان يتقدم عليها الأمريكان، منذ يوم الثلاثاء تم البيع وقبض الثمن، وسكتت

المدافع ، ولم تطلق رصاصة واحدة ياسيدتي، كانت رائحة الخيانات مشبع بها الفضاء في الكرخ.. والمطار.. والثورة.. وكنا خمسة رجالاً، تونسيّ وأردنيّ وسعوديان، قد

تلاقينا على قدرٍ لم يعرف أحد منا الآخر من قبل، فقط تلك الأيام الخمسة الأخيرة قد جمعتنا تحت القصف المجنون والمدمر، وقبل السقوط الخياني المريع.

كان التونسي ياسر عائداً على قدميه ممزق الثياب والجوانح من كربلاء، بعد أن دفن كل أصحابه ولم ينجو إلا عشرون من مائتي

متطوع، بقوا وحدهم ثلاثة أايام يدافعون عن المدينة بعد أن انسحب الجيش وباع أسلحته مقابل ملابس مدنية يغادر بها مواقع القتال! وكانا السعوديان عائدين من البصرة

وبذات الحكاية: رصاص من الأمام ورصاص من الخلف، ربما أخبرك عنها يوما ماً.. فقد كانت أسوء أيام حياتي، منذ عرفت حلاوة السلاح ومرارة المنافي .

كنا مهمومين ما بين عدو نقاتله قذر في كل شئ حتى في قصفه وقتاله، وعدو آخر خلفنا يتربص بنا. وانتهى الكابوس.. وسقطت بغداد.. وسقطت معها آخر الأشياء القبيحة

أيضا.

وبدأ الحلم غضاً، حينما عدنا تهريباً عبر الحدود مرة أخرى في اليوم الرابع للسقوط.. ووصلنا إلى مدينة (القائم) الحدودية كان الناس ينظرون إلينا كأننا بضعة مجانين

فاتهم ركب الموت وجاءوا يلحقوا به الآن! لا أنسي لهفة الاطفال والنساء علينا وهم يوجهوننا نحو الشوارع التي لا يوجد بها جنود أمريكان ، حتى وصلنا الى بيت (

عبد القيوم الراوي ).

لم يكن يعرفنا لكن كنا نحمل له رسالة من صديقه المجاهد معنا ، احتفل بنا عبد القيوم في قلق ودهشة، أغرقنا بكؤوس الشاي على الطريقة العراقية وكانت الطائرات الامريكية

المقاتلة تعبر سماء (القائم) بانخفاض شديد تحذر أهل المدينة من المقاومة، فكنت أرى القلق بادى على وجه عبد القيوم، كان متخوفا أن يشي بنا أحد المنافقين فنقصف

وتكون كارثة، فقط في تلك اللحظات بدأ عبد القيوم وأقرباءه يغيرون نظرتهم للمتطوعين، وبأننا لم نأتي دفاعا عن حكم قد سقط بالفعل ، ناقشناهم أننا نريد بدأ المقاومة

بعدد قليل كما تعودنا في كل (الأوطان الجراح) التي خضنا فيها الموت وحضرنا رصاصتها الأولى في أفغانستان..وكشمير..والفلبين..وطاجكستان..

لكن كان الأهالي في الأسبوع الأول من سقوط بغداد يعيشون حالة من عدم التوازن، بما فيهم عبد القيوم و أهله كانوا مملوءين بالفرح ، فقد أصبحوا أحراراً يستطيعون

أن يصرخوا.. وأن يحلموا.. وأن يسافروا.. دون وصاية. وكانوا أيضا يضجون

حزناً لأنهم كانوا يحسون بالمرارة الجديدة ، مرارة الاحتلالوهم يشاهدون تلك الدبابات والطائرات تحيط بهم من كل مكان.

كانوا يعرفونبأنهم فلسطين جديدة أو أندلس أخرى..وتفهمنا مشاعرهم. لكن وعلى الرغممنفرحهم بنا كان في عيونهم خوف القصف، فالأمريكان إذاماشعروا بوجودنا هنا سيدمرون

كل المنطقة فماأسخف حضارتهم وهم يملوها علينا بعيونهم الزرقاء وقنابلهم الإنشطارية، حضارة مئتي عام من رعي البقر وسرقة العقول،لذاأعفينا الأهالي من إرهاق التوجس

وذهبنا إلى المسجد.

و التقينا بإمامه الشاب ذو اللحية الحمراء، ووجهه المهموم وفي غرفة بعيدة حدثنا بهمس، وأرانا المقاومين الجرحي الذين أخفاهم في المسجد و أنه يقوم الآن بتهريبهم

في سرية كاملة، لقد استنفذ كل ماله على هؤلاء الجرحي وبدا يقترض، كثير من أهل العراق ضحو بكل شئ كي يخفوا المتطوعين العرب، وينقذوا جرحاهم من المستشفيات حتى

أن البعض كان يذهب في سرية كاملة

ويشتري الجريح العربي من إدرة المستشفي ويقوم بنقله والتكفل بتذكرة عودته .

و اتفقنا مع الامام تلك الليلة أن نبدأ بالتجهز والعودة ، وها أنا في حزني اليومي أتلقى أخبار انتصاراتهم ، وأتحسس حرماني، وأعرف حينما تنهض ذنوبي جداراً قاسياً،

هل تراني أصبحت من الخوالف والمنافقين الآن؟!

آه ياعيون المها هناك بين (الرصافة والجسر)، فقدت فتنة الهوى تحت شظايا القصف، ولم تعد تجلبي غير خنجر تخبئيه في ملابسك، لتطعني به شبق الغزاة، ولم تعد تلك

الظبي تنام إلا في ملابس المقاومة، وضفائرها تتدلى على الزناد! أو في أحضانها تدفئ يتيماً خرج لتوه من موجة انفجار.

وأنا.. مسجون هنا.. في تهمة لا تنتمي لملامحي، ولا إلى تاريخ الذاكرة. ولكني راضياً ومطمئناً بدفع الثمن.. ثمن النسيان! نسيان (الكلمات الست)، تلك التي كنت

دائما أعلقها على الجدار، وفي إطار ساعتي كتبتها، وفي ساعة أخرى أنيقة أهديتها

لرئيس هذا البلدالمحزون ، وبعد عام رأيتها في معصم الرئيس وكان يقاتل بها في الجنوب ، يومها لم يكن يملك المال والرصاص الذي يرد به غارة العالم ، لكنه كان ينام

في غرف الفقراء والمساكين. ثم بعد أعوام الرخاء الكذوب، لم أعد أرى تلك الساعة في معصمه، ربما لم تعد أنيقة كفاية! أو أن تلك (الكلمات الست) أصبحت ثقيلة لا

يستطيع أن يتحمل تأنيبها! فهل نسي هو الآخر مثلي تلك (الكلمات الست)، كل الدلائل تقول على الأقل أنها أصبحت مؤجلة.

أليس كذلك يا سيادة الرئيس؟! أمازلت تذكرني؟! وكيف كنت من أعصابي أمد جسراً بالطائرات، ما بين الغنائم هناك ومخزن أسلحة جنودك الفارغة هنا! لم أكن أخاطر بنفسي

وروحي لأجلك ، إنما كنت أسير مشبعاً بوحي تلك الكلمات، لذا فأنا سعيد بأنني في سجنك هنا.. ولا تعرف عني شيئاً ، أتذكر تلك الأيام كيف كنت أجمع الذخائر والرصاص

الفائض من مخازن الأفغان في خضم تلك الأحداث الدامية في كابول وقتال إخوة الأمس بكل الأسلحة في معارك شرسة حول مقعد حكم لم يستقر لأحد حتى الآن، كنت أتعجب من

أولئك القادة السياسيون

كيف يتقدمون الصفوف في المعارك ونادرا ماكنا نراهم يتقدمون صفوف القتال ضد الروس ، تلك الأيام عرفت حكمة جديده أن آخر شئ يخرج من قلوب الأتقياء هو السلطان،

وعرفت أن شهوة الحكم مرعبة تتنضائل أمامها كل الشهوات الأخرى في النفس البشرية.

لقد كنت أتسول تلك الذخائر من أصدقائي القادة الميدانيين رغم اعتراض قادتهم السياسين الذين يخوضون معركة الكرسي، ووسط هذ الجو العاصف و الذي كانت تتغير فيه

حواجز الأحزاب والتنظيمات في شوارع كابول يوميا من طرف لآخر، ولم أكن أعرف على أي حاجز سأقتل .؟؟ نفذنا أسهل وأعقد جسر جوي، كم مرة كنت والموت وجها لوجه و كم

مرة نجوت من الرصاص الطائش على الحواجز. وها أنا الآن مسجون في تهمة مخجلة .

ليت رجال مكافحة الإرهاب أخذوني إلى أقفاص (جوانتنامو) أطهر بقاع الأرض الآن خارج سجادة الوطن، عندما قبضوا عليّ بناءاً على أوامر (الإف بي آي)، في 12 سبتمبر،

واقتلعوني

من أعمالي وشركتي ستين يوماً، أثارت الرعب في من حولي حتى أقرب الناس إلي، الكل كان يخاف أن يزور أطفالي، فقد كان الرعب بعد يوم القيامة الصغرى 11 سبتمبر في

نيويورك وواشنطن يجتاح الدول والأشخاص. وكان العالم في إجازة مفتوحة من العقل، الجميع سكارى بهذيان الخوف وما هم بسكارى، لكن عذاب الله كان بغرورهم شديداً.

وكنت أنا المقبوض عليه رقم واحد خارج أمريكا، حتى رجال الأمن الذين جاءوا يقتادوني، في قلق كانوا يسألونني: لماذا أنت؟! كان من ذهولهم يقولون لي: (أنت الوحيد

الذي يعرف لماذا نقبض عليك الآن، نحن لا نعرف شيئاً سوى أن ضباط (الإف بي آي) سيصلون غداً على متن طائرة خاصة للتحقيق معك!).

كان الكل قلق والكل مضطرب، وكنت أعيش حالة سكون وتأمل، منذ رأيت يوم القيامة الصغرى والمدن الورق والتكنولوجيا تتهاوى أمام الدم الفائر من الظلم، وتحولت الأسطورة

إلى رماد! وكانت تلك هي نقطة الميلاد الثاني لروحي

الجديدة، بعد أن ماتت تلك الروح وغرقت في السوق ، وكان 12 سبتمبر ميلاد آخر لحياة جديدة، ماكنت أصدق حكايات الناس عن غدر الصحاب، ما كنت أصدق تلك الحكاية الأسطورة

التي تحكي أن المستحيلاتثلاث:الغول والعنقاء و (الخل الوفي). لم أكن أصدق فكل أخلائي قتلوا أوفياء، وربما كنت أنا الوحيد الذي أحسست بأني خنتهم حينما حدت قليلاً

عن خط دمائهم.

أشيع في المدينة أني سلمت إلى أمريكا.. فغدر بي ذاك الصغير الذي علمته كل شئ ..جائني يحبوا بلا خبرة فعلمته كل فنون التجارة فتحت له كل أسرار العمل جعلته المالك

الحقيقي للشركة ولكنه قرر شيئا ما في غيابي مثل الخيانة، رأيته واقعا بعد ذلك.

وبعد ثبوت براءتي وخروجي كان ألمي أكبر من الإحتمال كان الخوف يسطر علي الوجوه التي طالما كانت تعيش معي تدعي صداقة حميمة

آه ..اين أنت شفيق ...اين أنت ازمراي...؟؟ رأيت جفاء الخوف ونأي من ظننتهم سيسندون القلب إذا ما انهار لكن

كانت آلة الدعاية عن الإرهاب تفزع الجميع حولي، رأيت عمل سنين طوال بدأ ينهار ، كنت مؤمنا بأن هذه نهاية طريق من حاد عن( الكلمات الست).

لقد وصل ضباط( الإف بي اي) للتحقيق معي، لا أخفيك كان في تلك الايام المرعبة كل شئ له رهبة، كنت أقاوم رهبة الحدث باستدعاء رفاق العمر والدرب الصعب و أيام المعارك

الرهيبة ويوم العيد في مأسدة الأنصار وشفيق متكئ معي بتبة بدر ننتظر الموت والقذائف فوقنا لايفصلها سوى ثواني، ثم وجدتني فجأة ذاك الصباح محاطا بين أربعة رجال

شقر وجها لوجه، كان كل منهم قد تمنطق على خاصرته بحقيبة سوداء ، لا أعرف هل كانت أجهزة تسجيل أم أسلحة شخصية، بخلاف حقائب سوداء أخرى كانت ممتلئة بالأوراق

وألبومات الصور.

صافحوني في أدب جم وعرفوني بأسمائهم التى لم احفظ منها شيئا ، بالطبع تلك الابتسامة و القناع الظاهر لم يكن مرآة دواخلهم حين احتدمت الأسئلة ..والأجوبة ، جلس

ثلاثة قبالي والرابع جلس على مقعد جانبي ولم يخلع نظارته السوداء ففهمت أن مهمته التركيز على تعبيرات وجهي عند أسئلة معينة ، امتد

التحقيق معي سبع ساعات كان رئيسهم مخضرما يعرف الكثير عن أفغانستان وعن أصدقائي، لكن مساعده كان يبدوا عليه الصغر والحمق حتى في طريقة طرحه للأسئلة مما كان

يستدعي تدخل رئيسه في إعادة طرح السؤال بطريقة أخرى، وكان الثالث مترجما من أصل لبناني كان نزقا ومستفزا ، بالطبع لم أنفي صلتي بأكثر من سألوني عنهم فلقد كانوا

من أعز أصدقائي ، لكن بحسرة قلت لهم: إنني منذ ثمان سنوات لم ألتقي أحداً منهم ..فقد غادرت المكان والزمان و انشغلت بالتجارة وتأمين وهم الحياة لصغار وزوجة

أصبحوا أيضا مطاردين بلا ذنب ، كان المحققون قلقين وغاضبين، ذهول الحدث كان يسيطر عليهم كانوا يحسون بخيبة ووهم تفوقهم وتكنولجيا لم تعد تصلح لمواجهة الدم الفائر،

وضعوا صور التسعة عشر أصحاب الطائرات داخل مجموعة صور أخرى وكانوا بسرعة يسألوني عن كل صورة وعيونهم لا ترتفع عن عيني تقتنص رد الفعل، كنت واثقا من كل معلوماتي

وإني لا اعرف أحداً ، لا اعرف الا كل القدامى الذين غادرتهم من عدة سنوات