القسم الرابع

3 0 00

القسم الرابع

كان آلاف المصلين في ساحة التحرير، بحراسة عشرات الأقباط، فالخوف كان كبيرًا من هجوم أبناء النظام على الرغم من دبابات الجيش. لكن لم تكن تثير اهتمام فرانك لانج الحركات المتوائمة للمؤمنين، حركات جميلة أقرب إلى حركات الرياضيين، وإنما ما تعنيه كل تلك الحركات من إعلاء وتسامٍ. كل من يظن أن المسلم يتواضع بين يدي الله لهو مخطئ بلا ريب، قال فرانك لانج لنفسه، والخضوع في هذا اللقاء العابر مع الله شكلي ليس أكثر كالطاعة التي يحاول العابد التركيز عليها، بينما كل ما في الأمر أن العابد والمعبود شيء واحد، الفرق أن للأول خصائص عادية، وللثاني الخصائص نفسها، ولكنها ليست عادية، وهكذا يغترب الإنسان في الله، فلا يعي جوهر كونه، يترك إرادته لإرادة الله، وعقله لعقل الله، وإذا ما أعاقه شيء عن تحقيق ذلك كالبحث عن أبولين دوفيل، يقلب العلاقة رأسًا على عقب، فيغترب الله فيه، ويغدو جبارًا كما لو كان الله، ويكون له سلوك حاكمه المستبد، فهل اختطف هؤلاء أبولين دوفيل؟ هل أرادوا باختطافها تعميم بؤس وعيهم أم وعي جوهرهم، وبالتالي قطع علاقتهم بالأعلى والأسمى الذي صنعوه على صورتهم؟ لم يكن متأكدًا من أي شيء. كان فرانك لانج يريد أن يعرف من اختطف الشقراء الفرنسية لينقذها، وبعد ذلك ماذا يهمه أن يكون هؤلاء ما يكونون، بعد كل شيء لم يكن مصريًا. كان يحب مصر، لكنه لم يكن يحبها أكثر من أبولين دوفيل. أبولين دوفيل. الله مغتربًا فيها. وفي الأخير قال لنفسه، لا، جوهر بنيتهم لا يؤهلهم لاختطاف روحهم، فهم روح الله، ليس الله الغفور الرحيم، فلهذا شروط لديهم، الله الجبار المستبد، على الأقل في ظرف المرحلة، وشرط المكان: ساحة التحرير.

أخذ طريقه بين مئات آلاف الموجودين في ساحة القيامة، واقترب من مجموعة كبيرة من العمال الذين كانوا هم أيضًا يصلّون كغيرهم، ويعبدون أنفسهم على طريقتهم، إلى درجة يجلون بها قوتهم، فلولاهم لما اشتغلت الماكينات، هذا إذا ما كانت هناك ماكينات في مصر، ولما اعتبروا ماكينات هم أنفسهم. نعم، الفرق بين أن تكون ماكينة وأن تعي كونك ماكينة وتداوم على الإنتاج كالفرق بين أن تكون الله وأن تعي كونك الله وتداوم على العبادة، فهل اختطفوا أبولين دوفيل كيلا يداوموا على الإنتاج، كيلا يواصلوا اغترابهم عما ينتجون؟ سيكون فعل الاختطاف بالنسبة لهم فعلاً استثنائيًا، خلاقًا، مخالفًا للواقع، فكّر فرانك لانج. ولكن لا، لن يجرؤوا على ذلك، لأنهم مجردون من ذواتهم، حتى فعل الثورة لن يغيرهم. إنهم غير أنفسهم، فكيف تريدهم أن تكون أبولين دوفيل لهم دافعًا للوقوع على أنفسهم؟ وهل هم يفكرون أساسًا في الوقوع على أنفسهم؟ هل يفكرون أصلاً في أبولين دوفيل كوسيلة لوعي جوهرهم؟ وإذا ما حصل، فهل سينجحون؟ وكيف ينجحون، وهم ضحايا أبديون لنظام لم يزل قاعدًا هنا؟ حتى بعد سقوطه، سيظل قابعًا هنا بأدواته وأشيائه. لن يسقط النظام في الرؤوس، قال فرانك لانج لنفسه، فكيف تريده أن يسقط في الواقع؟

إذن من اختطف أبولين دوفيل؟ شبان الشبكات الاجتماعية؟ جمال وعلاء وغالي ومن شابههم؟ تساءل فرانك لانج. هم اختطفوها افتراضيًا، ولم يعملوا على إعادتها افتراضيًا. أدخلوها في عالمهم، عالم لا يلمس، كالله، كالقوة، عالم تجريدي. لهذا لن تفلت من بين أياديهم أبولين دوفيل، ككل شيء في ساحة التحرير، كل شيء في ساحة التحرير لن يفلت مما هو افتراضي، الإله تحت كافة صوره. وهؤلاء كلهم الأدوات. كلهم. فهم على اختلافهم يتشابهون كلهم. لكلهم صلاة واحدة تحت أشكال متعددة. صلاة واحدة. إله واحد. جبار. مستبد. بلحية أم بدون لحية. واحد. ذلك الغفور الرحيم لن يكون دوره. لن يجيء دوره. ربما بعد ألف عام. يكون الدين قد انتهى.

وعلى حين غِرة، فكر فرانك لانج في الأمريكان: هم من اختطفوا أبولين دوفيل. لأنهم لم يسقطوا النظام بعد. ككل رأسمالي الأمريكان يفكرون في الأسوأ حتى وإن كانوا متأكدين تمامًا مما سيقع. نعم، الأمريكان هم من اختطفوها، هم من احتجزوها، إلى أن يتم لهم كل شيء. وبعد ذلك، سيصفونها ربما، سيطلقون سراحها ربما. لكن مقابل ماذا؟ لم تعد لدعم الفرنسيين للنظام أية أهمية، والقوة الثالثة استقطبت القوة الثانية، وهذه أو تلك أمريكية. أمريكية دون عقد طبعًا. فهؤلاء كلهم ليسوا عملاء لأحد، لكن تحريكهم كان مدبرًا. على الأقل في جانب منه كان مدبرًا.

إذن هم الإسرائيليون. الموساد. الموساد هو من اختطف أبولين دوفيل. ليضغط على فرنسا، وليقول لأمريكا نحن حلفاء إلى الأبد. المقابل دومًا معروف. اتركونا منهم. من الفلسطينيين. اتركونا نتصرف على هوانا معهم بأمر هواكم. لن نخرج عن إستراتيجيتكم. نحن هنا تحت أمركم. ولكن بيننا وبينكم لن نترك مصر لكم وحدكم. لن تخرجوا عن إستراتيجيتنا. أبولين دوفيل. أبولين دوفيل. بالأمس كل مصر كانت تبحث عنها، وهي عندنا، واليوم كل العالم. لقد جعلنا منها ضمير العالم المعذب، وهذا دون أدنى غيرة.

ولماذا لا تكون الدي جي إس إي هي التي اختطفت أبولين دوفيل؟ سيتم الأمر على أيدي أفراد مخابرات فيما بينهم. سنختطفك لأننا نريد الضغط على حكومتنا، فلا تتورط في ساحة التحرير. طيب، ولكن ليس جميلاً أن أترك لانج وحده، ستقول الكابتن دوفيل. لا تخشي عليه شيئًا، فرانك لانج، سيتدبر أمره. الملاك دومًا ما يتدبر أمره. نعم، نعم، سأتدبر أمري، همهم فرانك لانج لنفسه. سأنيك أمي، هل أنت راضية؟ أبولين دوفيل، هل أنت راضية عندما أنيك أمي من أجلك؟ هل أنت راضية؟ سأنيك أمي، أيتها الوغدة! وبعد ذلك لن أتشرف بالعمل معك، أنا ابن القوادة! سأنيك أمي على الرُّحب والسعة، وسأتحرر إلى الأبد منك. هل تريدينني أن أنيكها الآن؟ ولكن أينها هذه الأم القحبة؟ كل ما أفعله من أجلك، وتتركينني وحدي كي أنيك أمي. لقد سبق لي ونكتها هذه الأم القحبة، لما طلبت مني ذلك. كنا في الحي اللاتيني، وأردت تقبيلك على الرغم منك بعد أن أكلنا ساندويتشَ تونس احتفالاً بالثورة هناك، أردت أن أقبلك بدافع الحماس فقط لا غير، فرفضت، وقلت لي اذهب ونك أمك، فذهبت ونكتها تلك الأم القوادة. كان ذلك فقط لأرضيك، فهل أنت راضية الآن، أبولين دوفيل؟ اخرجي برب السماء من مخبئك، وتعالي في الحال، وإلا فأرسلي لي إشارة كالعادة، تلفوني المحمول الفرنسي معي، وأنا لم أستعمله في القاهرة مرة واحدة.

بدأ فرانك لانج ينكش شعره، وينبش ذاكرته بحثًا عن أبولين دوفيل، فلربما وجدها فيها. عَبَرَ النيل إلى الماضي القريب، ولم يجدها ككل الناس الذين أضاعوا شيئًا غاليًا على قلوبهم، ولم يجدوه. كان الظلام شديدًا، وفي الأزقة بعض القطط الحبلى التي لم تكن تتوقف عن المواء. كان الناس يرشقونها بالحجارة كي تتوقف عن المواء، ولم تكن لتتوقف عن المواء. أخذت الأناشيد العسكرية تملأ الدنيا، فلم تتوقف القطط عن المواء. لم يعرف الناس أن الحرب انتهت، ولما تبدأ بعد، فالقطط لم تتوقف عن المواء. كانت أبولين دوفيل تحب القطط، فلم تتوقف القطط عن المواء، ولم يعرف الناس أن الحرب انتهت، وأنهم خسروا الحرب. لم تكن القطط تتوقف عن المواء، وكانت حبلى، فرشقها الناس بالحجارة، وفجأة، توقفت القطط عن المواء، وامتلأت الأزقة بالهريرات. كانت كل الهريرات ميتة، فاحتار الناس. كان الموت ما بينهم، فرموا بالهريرات في النيل كي يبعدوا الموت عن أبوابهم، لكن حيرتهم لم تنته.

عبر فرانك لانج النيل إلى الماضي البعيد، ولم يجدها أبولين دوفيل. ظن في البداية أنه وقع عليها في دهاليز الأوبرا، ولكنه عرف خطأه لما رفع القناع عن وجه أسود كانت كل أوروبا تغني له. الوجه كان أسود، وكان أجمل وجه، إلا أنه لم يكن وجه أبولين دوفيل. كان الوجه الأسود وجه الخير، الثدي المصري المرضع، ثدي كلما أراد أن يفعل بالأفواه خيرًا عضته الأسنان، وعملت بالثدي شرًا. لهذا كان للوجع صوت يُسمع في مصر، وكل أوروبا كانت تطرب على سماع صوت الوجع. كانت أوبرا الوجع شيئًا آخر غير ما كتبه فيردي، كانت شيئًا آخر، كانت ضحكات أبولين دوفيل في الفراش لما يبدأ عناقها الأسطوري مع أوزوريس أخيها. بحث فرانك لانج عن أخيها ليجدها، فوجدها تبحث عن أخيها، لكن الجريمة وقعت في الأوبرا عندما قُتِل أوزوريس، وقُطِّع، قبل أن يُرمى في النيل، ثم ضاعت أبولين دوفيل من جديد.

عبر فرانك لانج النيل إلى بلد السماء، ولم يجدها أبولين دوفيل. كانت بلد السماء مليئة بالعاهرات، فلم يتردد رجل التحري الخاص عن الذهاب مع إحداهن. سألها عن شقراء باريس لو كانت تعرفها، فقالت إنها تعرفها. قالت إنها كانت هنا قبل أن يدخل الإيمان قلبها، فتحجبت، وغادرت بلد السماء إلى بلد الدماء. أخذت العاهرة تبكي، وتقول إن أبولين دوفيل البركة، وهي تذرف الدمع لأنها لم تستطع أن تكون مثلها. كانت مثلها أيام المماليك، وكانت مثلها أيام الحشاشين، وكانت مثلها أيام الفاطميين، وكانت مثلها أيام العباسيين، وكانت مثلها أيام الأمويين، وكانت مثلها أيام أوائل الفاتحين، ولكنها اليوم لم تستطع أن تكون مثلها. أعطاها فرانك لانج كثيرًا من النقود، وعاد من حيث جاء.

* * *

أخذت الحجارة تُرشق على النازلين في ساحة التحرير، بدأت متفرقة، وما لبثت أن تكاثرت، وغدت تهطل كالمطر. كان مصدرها العمارات المحيطة بالساحة، من شرفاتها ونوافذها وأسطحها. ثارت ثائرة الناس، فقاموا، وقعدوا، بعضهم راح يجمع الحجارة التي شجت رؤوسهم وأدمتهم، ويعيد رشقها على أصحابها، وبعضهم راح يحطم بلاط الساحة، ويجعل منه أكوامًا يختبئ خلفها أو يرمي بها المعتدين. لكن حجارة السماء ظلت تهطل على رؤوس "نزلاء" ساحة التحرير، وبعد مضي بعض الوقت، أطلق المعتدون الرصاص، فسقط البعض قتلى. كان الغضب قد وصل أقصاه، فانقض الناس على المعتدين، بعضهم اخترق العمارات من أبوابها، وبعضهم تسلق جدرانها. وفي الوقت ذاته، كان أحد الصبيان يبحث عن شيء يأكله في صندوق القمامة الذي كان فرانك لانج قد رمى المسدس فيه لما وقع عليه، فتناوله بأصابع تنعم بالسعادة بعد أن نسي جوع بطنه، وأخفاه في صدره بسرعة لئلا يراه أحد، ثم أخذ طريقه إلى ساحة التحرير، هناك حيث تمكن النزلاء من تحييد بعض المعتدين، وسوقهم إلى نقطة جمعوهم فيها بعد أن خلعوا ثيابهم، وتركوهم عرايا.

بدأ الميزان يرجح في صالح المنتفضين، فتدخل الجيش المحاصر للساحة ليل نهار. كان الصبي قد تسلل تحت نظر فرانك لانج الذي آثر الحياد كل تلك المدة، ولما جاءت عينه في عينه، قال له:

- أنت الذي لا يكل عن البحث عن أبولين دوفيل؟

- أنا هو، أكد رجل التحري الخاص.

- تعال معي أدلك عليها، عاد الصبي إلى القول.

وذهب إلى جموع المتعاركين مع الجيش، يشجع هذا، ويعين ذاك.

- متى رأيتها لآخر مرة؟ سأل فرانك لانج الولد.

- هذا الصباح، أجاب الصبي، وهو لا يتوقف عن تشجيع هذا وإعانة ذاك.

- أين؟

- هنا في ساحة التحرير.

جرح الجيش أحدهم في ساقه، فرفعه الصبي بين ذراعيه، وهتف بفرانك لانج:

- لا تقف كالأبله هكذا!

سارع الفرنسي إلى إعانة الجريح على الذهاب إلى نقطة فيها فتاة محجبة تسعف الجرحى، وما لبث أن جاءه غناء الصبي من ناحية المتاريس:

بهية

أنا لن أكون غير من أكون

من أجل عينيك

بهية

مصر اليوم في غاية الجنون

من أجل عينيك

بهية

ما يهم لو كان بيتي المنون

من أجل عينيك

أخرج الصبي المسدس من صدره، وراح يلوح به حاثًا المنتفضين على التقدم إلى الأمام، فاخترقته رصاصة. خف فرانك لانج إليه، فهمهم الصبي "أبولين دوفيل"، وهو يبتسم، ثم أغمض عينيه، وثقل رأسه.

تناول أحدهم المسدس، وراح يطلق الرصاص على الجيش على الناس وعلى الله، فأمسكوه، وأمسكوا كل من أراد تخليصه، راحوا يمسكون كل واحد يشكون فيه، وكل واحدة، أمسكوا علاء وجمال وغالي، وأمسكوا عشرات مثلهم، مئات، فكبرت دائرة العراة الملعونين، ولم يقبلوا احتجاج أحد. رآهم فرانك لانج، وهم يحطمون أغصان أشجار ساحة التحرير، ويجعلون منها محرقة ومن الكثير من الكتب التي لم يدر رجل التحري الخاص من أين جاءوا بها. يُحكم عليهم بالإعدام حرقًا، قال أحد الذين جعل من نفسه قاضيًا.

وبينما كان بعضهم يُشوى في جحيم ساحة التحرير، كان بعضهم الآخر يرقص طربًا على صراخ المعذبين، فقرعت الطبول، وعلت الحناجر بالغناء كي تطغى على أصوات الهالكين:

بهية

أنا لن أكون غير من أكون

من أجل عينيك

بهية

مصر اليوم في غاية الجنون

من أجل عينيك

بهية

ما يهم لو كان بيتي المنون

من أجل عينيك

كشفوا عن وجوههم الحقيقية، فبانت خطاياهم، لكنهم قالوا "لكل خطيئة غفران"، وكأنهم يقولون "لكل خطيئة أبولين دوفيل". أخذوا يتعانقون عناق الداخلين إلى الجحيم، ككل منحرفي الأخلاق، وكل واحد منهم يهدم في خياله قصرًا، ويسعى إلى هلاكه الأبدي.

جاء اللصوص، وجاء المجرمون، وجاء الحشاشون، وجاء الشعراء، وجاء الروائيون، وجاء الصحافيون، وجاء المعلمون، وجاء المحامون، وجاء الموظفون، وجاء القوادون، وجاء السياسيون، وجاء المتاجرون، وجاء كتاب النت، وجاء نقاد تحت الدرج، وجاء فلاسفة فك العتب، وجاء خطباء يوم الجمعة، وجاء خطباء يوم الأحد، وجاء خطباء يوم السبت، وجاء خطباء يوم القيامة، وجاء خطباء يوم الحساب، وجاء خطباء يوم الإباضة، وجاء خطباء يوم الأرض، وجاء خطباء يوم البيئة، وجاء خطباء يوم المومس، وجاء خطباء يوم الطفل، وجاء خطباء يوم الرذيلة، وجاء خطباء يوم الفضيلة، قالوا إنهم سمعوا عن الخطيئة في ساحة التحرير، لهذا هم جاءوا، وكأنهم يقولون إنهم سمعوا عن أبولين دوفيل. كانت أبولين دوفيل لبعضهم الكتاب الموحى به ولبعضهم الهرطقة، كانت الخير، وكانت الشر، كانت الخلاص، وكانت الضياع.

* * *

عزم فرانك لانج على مغادرة ساحة الملعونين، والعودة إلى باريس، لكن بشر الساحة راح يزداد، ويمنعه من تنفيذ ما عزم عليه. كانت الشمس تستعد للرحيل على زورقها، والناس يتواردون من كل دروب الجحيم. صاروا أكثر من مليون في جهنم، ولم يكونوا ليشعروا بالنار التي هم فيها. كانوا يهتفون، وهم يحملون أطفالهم على أكتافهم، وكانوا مغتبطين، وهم يحلمون بالحرية. لم تكن أبولين دوفيل معهم، كانت أبولين دوفيل فيهم. كانوا كلهم أبولين دوفيل، وهم لهذا كانوا لا يبحثون عنها، وقد وجدوها. لكنهم لم يكونوا كلهم مثلها. كانوا مثلها، وكانوا شيئًا آخر. لهذا كانوا يهتفون، ويهزجون. كانوا يحتفلون على طريقتهم بالحرية. كانت الحرية على مرمى حجر من شاشات هواتفهم المحمولة، وكانوا هم يهتفون، ويهزجون، ويتساءلون عن شكلها، فهم لا يعرفونها: الحرية. شكلها كالموت: الحرية. لهذا كانت الحرية جميلة. كالموت. كالقبلة المختطفة. كالعناق في النار. لهذا كانت الحرية جميلة. الحرية التي لم يعرفوها. لم يعرفوها أبدًا الحرية. في العصور الحديثة على الأقل. لم يعرفوها أبدًا الحرية. كانوا يهتفون، ويهزجون، ويتساءلون عن شكلها، فهم لم يسمعوا بها: الحرية. شكلها كأبولين دوفيل: الحرية. لهذا كانت الحرية ساحرة. كأبولين دوفيل. كشعرها الأشقر. كقدميها في النيل. لهذا كانت الحرية حلوة. الحرية التي لم يذوقوا طعمها. لم يذوقوا طعمها أبدًا. كانوا يهتفون، ويهزجون، ويحتارون، فماذا سيفعلون بها: الحرية. كانت تدق على أبوابهم، ويترددون: هل يفتحون لها أم يتركونها تذهب من حيث جاءت لئلا يزعجهم وجودها، فالحرية يزعج وجودها لمن لا حرية لهم. ماذا سيصنعون بها: الحرية؟ كيف سيصنعون بها: الحرية؟ رآهم فرانك لانج في عز صخبهم، وأشفق عليهم. قال: ضاعت إلى الأبد أبولين دوفيل. كان كل هذا الأمل الذي يطوقه من كل مكان كما يطوق الجيش ساحة التحرير يبعث في قلبه اليأس، وكان كل هذا التحرر من السلاسل والقيود في ساحة التحرير يعطيه انطباع العائم في بحر العبودية. تَخَرّأ الأمل، وغدا إبريقًا من النحاس في خان الخليلي، وكذلك التحرر تَخَرّأ، غدا عبّارة من عبّارات النيل. وصله صوت ناي من أقاصي الصعيد، وتراءت له حور مصر في خلاخيلها ودنادشها، حور مصر، آه! حور مصر، حور مصر التي من أجلها قام نابليون بحملته، وليس من أجل مسلات مصر، حور مصر، حور عواء الدنيا، حور مصر، حور مصر، يا أبولين دوفيل، حور مصر، الحور الذين هن في القرآن جئن، حور مصر، حور النعيم. بانت له ابتسامة متخرّئة، لكنها جميلة في تلك اللحظة من لحظات ساحة التحرير الحاسمة، ابتسامة متخرّئة، لم تكن غامضة، كانت بكل وضوح الخراء تحت قناديل الساحة المنتشرة هنا وهناك كنجوم آخر الأزمان. لماذا لست معي الآن يا أبولين دوفيل؟ همهم فرانك لانج، لتشهدي، فقط لتشهدي، فالوقت آخر الأوقات، لحظة لن تتكرر ثانية، لن يعيشها المرء مرتين، لحظة لن تُنسى، ستظل في الذاكرة ما بقي الخراء، لحظة مصرية، يا أبولين دوفيل، لهذا لن تُنسى، أبدية، كالأهرام، كأبي الهول، كأبي مِنجل. لماذا لست معي؟ الآن؟ لماذا لست معي الآن؟ هنا والآن؟ في ساحة التحرير؟ في ساحة الجحيم؟ في ساحة الخصوصية الخرائية؟ في ساحة العواء والعويل؟ في ساحة حاضر لا ماضي له ولا مستقبل؟ في ساحة الآن؟ في ساحة الزمن المعلق بين الأرض والسماء؟ إلى الأبد معلق؟ في ساحة الزمن الذي أنهى كل الأزمان؟ زمن متخرّئ! الآن؟ فقط الآن، ليس غير الآن، أما بعد ذلك، فالأمر سيان. الماضي؟ الحاضر؟ المستقبل؟ كل هذا ليس من شأننا، كل هذا من شأن ساسة الخراء.

فجأة، حط الصمت، صمت بقوة الصخب، صمت مزلزل للعقائد والنفوس، صمت مساوٍ بين المقدس والمدنس، صمت مهدم للأضرحة والقصور، وفي الصمت أصغى مئات آلاف المنتفضين، كان الإعلان عن سقوط الطاغية أشبه بفعل الطغيان، فعلاً جهنميًا، وكان سقوط الطاغية يعني سقوط شيء ما في نفس كل واحد، لهذا بدا البشر في ساحة التحرير دائخين، وهم يسمعون، مهمومين، متخرّئين، كما لو كانوا مصابين بإمساك في أحلامهم، كانوا مشغولين بذواتهم، فلم يصرخوا من الغبطة إلا بعد أن تأكدوا من أنهم بالفعل أحرار. أخذ فرانك لانج يصرخ معهم، كان لا يمكنه إلا الصراخ معهم، نسي أبولين دوفيل، وهو يجرفه كل هذا الموج، كل هذه العاصفة، كل هذا الزمهرير، كل هذا السُّعْر الجماعي، كل هذا الجماع التحرري، كل هذا القذف الرباني. ولأول مرة في حياته، عرف ما هي الغبطة بالمفهوم الديني، ما هو المقدس، الفوقي، اللازمني، اللاطبيعي. كان ذلك اكتشافه الذي لم يسبق معرفته لرجل التحري الخاص، لهذا أخذه الخوف بعد قليلٍ من الوقت، لئلا يفقد الغبطة. وشيئًا فشيئًا هدأ البشر، وتلاشى الهدير، كانوا ينظرون إلى أنفسهم ليروا كيفهم في زمن الحرية، ليعرفوا كيفهم الأحرار الذين هم في أثوابهم. بدا على وجوه بعضهم الخوف، وعلى وجوه بعضهم الآخر البطش: وجها الحرية للذين لا حرية لهم. ارتعدت فرائص البعض، فأخذ ينوح، وذهب البعض الآخر يبحث عن ضحاياه.