القسم الثالث

2 0 00

القسم الثالث

كانت الشمس تغمر ساحة التحرير بذهبها، وأبولين دوفيل في فستانها التفتا الأبيض، وكأنه يوم عرسها. رفعت رأسها إلى سماء يناير البِلَّوْرِية، وابتسمت، فابتسم فرانك لانج هو الآخر. فكر في غيوم باريس، واتسعت ابتسامته. لم يكن يحب اللون الرمادي، كان يحب اللون الذهبي. نظر إلى شعر الشقراء التي تسير إلى جانبه، كان من بين أولئك الذين يثيرون الحسد، لكن الناس من حوله لم يكونوا في حال يسمح لهم بإرهاق أرواحهم. كانوا يتنادون، ويتجمعون، وينظرون إلى الناحية الأخرى. في ساحة الحرية، كان الكل ينظر إلى الناحية الأخرى، وفي الناحية الأخرى كان الخطر، حتى الشمس كانت خطرة في الناحية الأخرى.

- أنتما أمريكيان؟ وصلهما صوت أنثوي من ورائهما.

التفتا، فرأيا شابة سمراء مبتسمة ترتدي الجينز، وتلف شعرها بشال زهري، فتاة ذلك المساء مع القبط الأعظم في السفارة الأمريكية.

- نحن فرنسيان، قال فرانك لانج.

- وهذه عروستك؟

ضحك رجل التحري الخاص، وهو ينظر إلى أبولين دوفيل، وأبولين دوفيل تقول:

- أنا عروس النيل.

- أجمل عروس! هتفت الشابة إعجابًا قبل أن تقول: تعالا من هنا قبل أن يظنكما الناس أمريكيين. الناس لا يحبون الأمريكيين.

- والفرنسيون؟ سأل فرانك لانج.

- الناس يحبون الفرنسيين، لكن هذا غير مكتوب على وجوهكم. وهم على كل حال لا يقرأون في معظمهم الفرنسية.

وأطلقت الشابة ضحكة عذبة.

داخل خيمة زرقاء، قدمت للفرنسيين الشبان الثلاثة الذين كانوا في ذلك المساء مع القبط الأعظم في السفارة الأمريكية، وهم يدورون بحاسوب محمول:

- هذا علاء، وهذا جمال، وهذا غالي، إنهم ينادون كل شبان القاهرة عن طريق الفيسبوك. هذه عروس النيل... قالت الشابة، وهي تضحك.

- أنا أبولين، قالت الشقراء الفرنسية، وهي تضحك.

- وأنا فرانك.

- أنتما أمريكيان؟ سأل الشبان الثلاثة معًا.

ضحكوا كلهم، والشابة تقول لأبولين دوفيل وفرانك لانج:

- ألم أقل لكما.

- نحن فرنسيان، قالت الشقراء الغولية.

- وأنتِ، توجه فرانك لانج إلى السمراء المصرية، لم تقولي لنا اسمك.

- أنا لا اسم لي، قالت الشابة، وهي تطلق ضحكتها العذبة، وترفع رأسها. أنا أمزح... كاميليا، اسمي كاميليا.

- كاميليا، أعاد فرانك لانج.

- غادة الكاميليا، قالت أبولين دوفيل.

- كانت أمي تحب اسكندر دوما الابن، وكل شيء اسمه فرنسا، وكانت تريدني أن أدرس في باريس.

- تعرفين الفرنسية إذن؟

- ليس كثيرًا. أقرأها ولا أتقن التكلم بها. سأترككما بعهدة "الثلاثي المرح"، قالت كاميليا والشبان الثلاثة يضحكون، ولا تتركانهم أبدًا، فالناس يتواردون تباعًا، وبين لحظة وأخرى ستكون المواجهة.

- المواجهة؟ سأل فرانك لانج.

- كيف كانت ثورتكم؟ كانت بالمواجهة، أوضحت كاميليا.

- تقصدين أحداث 68؟ استفسرت أبولين دوفيل.

- أقصد أحداث 1789. أول ثورة في التاريخ، فالثورات أولها وآخرها كلها واحدة.

وهتفت بالشبان الثلاثة قبل أن تذهب:

- خذوا بالكم على عروس النيل!

- من عينينا الاثنتين، أكد الشبان الثلاثة معًا.

انشغل الشبان الثلاثة مع حاسوبهم المحمول، فجلس فرانك لانج أمام الخيمة في طرف، وأبولين دوفيل في طرف، وراحا ينظران إلى ساحة التحرير، وهي تمتلئ بالناس، بالشباب من الناس، وهي تمتلئ بالشمس. صارت الشمس حامية، فرفعت أبولين دوفيل وجهها إليها، وأغمضت عينيها. بدا أنها تبتسم، والضوضاء تكبر شيئًا فشيئًا، وكأنها لا تسمع شيئًا. غفت قليلاً، فامحت ابتسامتها، واربد وجهها. نادت، وهي تغفو: لانج! جاء لانج، فوجدها ترتعد.

- أبولين، ماذا دهاك؟ سأل فرانك لانج، وهو يأخذها بين ذراعيه.

- مارغريت كين في خطر، همهمت أبولين دوفيل.

- ما لها عروس النيل؟ سأل غالي، أحد الشبان الثلاثة، وهو يترك صاحبيه داخل الخيمة، ويقترب من أبولين دوفيل.

- هل هي مريضة؟ صاح الشاب جمال من مكانه.

- إذا كانت مريضة نادينا على الطبيب، قال الشاب علاء من مكانه، لقد كان هنا منذ قليل.

- لا شيء، قال فرانك لانج، لقد حلمت حلمًا مزعجًا.

ضحك الشبان الثلاثة، وعلق غالي:

- مزعجًا أكثر من الكابوس الذي نحن فيه!

في تلك اللحظة، سقط حجر على الخيمة الزرقاء، وانطلق الرصاص، ووصلتهم صرخة، فذهبوا جميعًا ليروا، والصرخات تتكرر، والطلقات تتتالى، والحجارة تترامى. كانت هناك معركة حقيقية بين أفراد الشرطة والبلطجية من ناحية وشباب وشابات ساحة التحرير من ناحية، وكانت القنابل المسيلة للدموع التي يلقيها أفراد الشرطة تعود إليهم بعد أن تلتقطها الأيدي الجسورة، وتلقيها عليهم. اختلط الشبان الثلاثة بالمنتفضين، وبقي فرانك لانج وأبولين دوفيل يقفان في مكانيهما حائرين، فوصلهما صوت كاميليا من ورائهما:

- ما كان عليكما أن تخرجا من الخيمة الزرقاء!

- كاميليا، صاحت أبولين دوفيل، وهي تستدير، ثم وهي تقفز جاذبة كاميليا من ذراعها: لا تعرضي نفسك للخطر.

- يجب أن أوقف الأوباش، نبرت كاميليا.

- ليس أنت، يا دين الكلب، ابتهلت الشقراء الفرنسية.

- ربنا معي، قالت كاميليا بكل ثقة.

- سأذهب أنا، قال فرانك لانج.

وهو على بعد عشرة أمتار، التفت على صراخ أبولين دوفيل، فرأى كاميليا بين ذراعيها، وهي مخضبة بالدم، وأبولين دوفيل تبكي، وتشد كاميليا إلى صدرها في الدخان، كما لو كان دخان بركان صامت منذ العام 1919. في تلك اللحظة، جاء أحدهم يركب جملاً، وهو يعدو بأقصى سرعة فاصلاً المنتفضين عن بعضهم، ذهبوا بالمئات من الناحية التي كان فيها فرانك لانج، وبالمئات من الناحية التي كانت فيها أبولين دوفيل، وهم يحاولون الإمساك به، إلى أن تمكنوا من ذلك. عندما نجح رجل التحري الخاص في الالتحاق بأبولين دوفيل لم يجدها، كانت جثة كاميليا هناك في حقل من الدم والرماد، ولم تكن هناك عروس النيل.

* * *

كانت القدم تزداد في ساحة التحرير بشكل لا يصدق، وليحول الجيش دون المصادمات، طوّق المتجمعين من كل النواحي. وجد فرانك لانج نفسه بين عشرات الآلاف من القاهريين، فنظر إلى أبعد نقطة تستطيع عيناه الوصول إليها بحثًا عن أبولين دوفيل، ولم يقع عليها. أين ذهبت أبولين دوفيل؟ هل ذهبت أم أنهم اختطفوها؟ ومن هم الذين اختطفوها؟ تقدم من أول شخص كان أمامه، وسأله إذا كان قد رأى فرنسية شقراء ترتدي فستان تفتا أبيض. قال إنه رأى واحدة ترتدي فستان تفتا أبيض، ولكنه ليس متأكدًا إذا ما كانت فرنسية. تدخل آخر، وقال إنه رأى فرنسية سمراء ترتدي فستان تفتا أبيض. لكن ثالث كان يعطيهم ظهره، وهو يجلس على كرسي، وفي حضنه حاسوب محمول، قال إنه رأى فرنسية شقراء ترتدي فستان تفتا أسود. استأذن أحدهم محدثه على الهاتف المحمول، وقال إنه رأى واحدة ترتدي فستان تفتا أبيض لكنه ليس متأكدًا إذا ما كانت فرنسية أم غير فرنسية. جاءت على كلامهم شابة، وسألت إذا كان فستان التفتا الأبيض طويلاً أم قصيرًا، أجابها فرانك لانج قصيرًا، فقالت إنها رأت فرنسية شقراء ترتدي فستان تفتا أبيض طويلاً، فستان أشبه بفستان أختها العروس قبل أن تموت قتلاً في الليلة التي زفت فيها، وضحكت بسعادة كما لم تضحك من قبل، وعلى ضحكها أخذ كل من كان حولها يضحك، حتى أن فرانك لانج ضحك هو الآخر.

شكرهم رجل التحري الخاص، وراح يشق طريقه بصعوبة بين جمهور ساحة التحرير. نادوه، فلم يلتفت، وأخذوا ينظرون إلى بعضهم البعض كمن فقدوا شيئًا من فرديتهم. راح أحدهم يضرب صورة طاغية البلاد بقدمه ضربًا عنيفًا، وهو يلهث، فانتقل اللهث إليهم، بينما هم جامدون لا يقومون بأدنى حركة، ومحدث صاحب الهاتف المحمول يصيح من الطرف الآخر: آلو! أنت لم تزل معي؟ آلو! آلو! أين ذهبت؟ آلو! آلو! آلو! أنت هنا؟ آلو! آلو! آلو! آلو...

سأل فرانك لانج ثلاثة شبان معهم شابة بشعر أشقر قصير وقامة متوسطة إذا كانوا قد رأوا شقراء باريس ذات الثوب التفتا الأبيض، فقال الأول إنه رآها، وهي ذهبت من هنا. قال الثاني بل من هناك، ذهبت من هناك. قال الثالث لم تذهب لا من هنا ولا من هناك، بل من هنا، من هنا. نظر رجل التحري الخاص إلى الشابة، فوجدها تبكي. قالت: لأنهم يكذبون كلهم، وهي وحدها التي رأتها، وابتسمت لها، قبل أن تذهب من هنا، من هنا. مسحت دموعها بأصابع مرتعشة، وهمهمت: لها شعر طويل كشعري قبل أن أقصه، وهي أطول مني قامة، القامة التي تمنيت طوال حياتي أن تكون لي، لكنها تشبهني في كل شيء. هل أذهب معك بدلها؟ صاحت الشابة بفرانك لانج. قل إن هذا غرضك، أن أذهب معك! لما كنت قذرة، كنت أذهب مع غيرك، كنت صغيرة ودون عقل، وكنت أذهب دون أن تعرف أمي. وبعد ذلك، عرفت أمي، وقالت لي ألا أذهب مع أحد لأنها هي لم تذهب مع أحد مرة واحدة طوال حياتها، وبدأت تُفهمني كيف أتصرف، كانت تفكر عني في كل شيء إلى حد لم أعد أشعر بحاجة إلى التفكير، عند ذلك توقفت عن الذهاب مع أحد. والآن تريدني أن أذهب معك؟ اُغْرُبْ عني، أيها النذل، يا ابن المومس! ابعد بعيدًا... بعيدًا... ابعد بعيدًا... بعيدًا... بعيدًا... ابعد بعيدًا... بعيدًا... بعيدًا... بعيدًا... ابعد بعيدًا جدًا... ابعد بعيدًا أبعد ما يكون...

ابتعد فرانك لانج، وهو ينظر إلى الشابة باستغراب، والشابة تنظر إلى نفسها غريبة عن نفسها، بقي يبتعد إلى أن لفت انتباهه أحدهم كان يرتدي قميصًا مخططًا، ويسير على غير هدى، ومن حوله كل أفراد أسرته، وهم يرجونه العودة إلى الدار، ويتوسلون إليه، بينا هو يردد: سأتزوجها، سأتزوجها! سألهم فرانك لانج إذا كانوا قد رأوا أبولين دوفيل، والشاب الذي يبدو فاقدًا لقواه العقلية يردد دومًا: سأتزوجها، سأتزوجها! أبولين دوفيل؟ من هذه؟ ممثلة؟ سأل الأخ الأكبر. والشاب ذو القميص المخطط يردد: سأتزوجها، سأتزوجها! والأب: أستاذة؟ سأتزوجها، سأتزوجها! والأم: أجنبية؟ إذا كانت أجنبية، فهي إذن جاسوسة. سأتزوجها، سأتزوجها! والأخ الأصغر: رقاصة؟ سأتزوجها، سأتزوجها! وفرانك لانج: أبولين دوفيل فرنسية شقراء ترتدي فستان تفتا أبيض. والشاب ذو القميص المخطط بدل أن يردد سأتزوجها، سأتزوجها، أخذ يردد: أبولين دوفيل، أبولين دوفيل! اقتربوا من مجموعة شبان كانوا حائرين لا يجرؤون على تسلق عمود كهرباء لرفع العلم عليه. وفرانك لانج: أبولين دوفيل! والشاب ذو القميص المخطط: أبولين دوفيل، أبولين دوفيل... اختطف العلم، وبقدمي سعدان تسلق عمود الكهرباء، وراح فوق يلوح بالعلم، ويصرخ: أبولين دوفيل، أبولين دوفيل، أبولين دوفيل... وكل من كان في ساحة التحرير: تحيا الثورة، تحيا الثورة، تحيا الثورة... وملأ الصَّخَبُ العالم.

* * *

سقط الليل على ساحة التحرير دفعة واحدة بعد موت الشمس، ولم يزل الناس يتواردون إليها. كانوا بمئات الآلاف، وهم في معظمهم كانوا شبابًا. نصبوا الخيم الملونة أو من ورق الجرائد والكرتون، وجلسوا تحتها. كانوا يتراسلون عبر هواتفهم وحاسوباتهم المحمولة، ويتنادون. كانوا يبدون أسياد أقدارهم، وفي الواقع كانت تلك "الماكينات" الصغيرة كل الأقدار. كانوا وهم ينحنون برؤوسهم فوقها يضفون القدسية عليها، وكأنهم بين يدي إله قوي. كانوا لا يعون ما يفعلون، وكل ما يدعونه "ثورة" لم يكن سوى اندفاع عاطفي، أو، إذا شئت، تحت غمرة من الاندفاع. كالنيل عند فيضانه. هكذا كان يفكر فرانك لانج، وهو يبحث عن أبولين دوفيل. يفيض النيل فجأة، يتجاوز بمائه ضفتيه، فيجرف كل شيء، ثم يَشُحُّ، ويعود إلى ما كان عليه. كانت تلك الماكينات الصغيرة كالنيل الوسط الذي يعومون فيه، دون أن يكونوا أسياد أنفسهم بعد أن اختلست أنفسهم تلك الماكينات الصغيرة التي كانوا يظنون أنهم يتحكمون فيها بينما هي التي تتحكم فيهم، وتحاصرهم كما الجيش يحاصرهم، وتفرض إرادتها عليهم. لهذا كانوا يذعنون لها إلى حد التأليه، ويقدسونها دون أن يقدروا على منع أنفسهم من القيام بذلك، ككل شيء يقدسونه هنا. كالله. كالنيل. كعصير المانجا. لم يحلوا التكنولوجيا محلها كما هو في الغرب، لكنهم أضافوا مقدسًا جديدًا إلى مقدساتهم. وعلى عكس تعامل الغرب مع المقدس التكنولوجي بعقلانية فكر التنوير، يجري التعامل هنا مع المقدس التكنولوجي بطوباوية فكر الظلامية في أرقى درجاتها الثورية. لم يكن هناك فرق كبير بين هؤلاء الشبان الذين دون لحى وبين أولئك الشبان الذين بلحى والذين بدأوا يتواردون بدورهم إلى ساحة التحرير.

قدسوها، ففقدوا روحهم النقدية، فكر فرانك لانج. كان يقصد التكنولوجيا، وكان يبتسم بمرارة، وهو يقول لنفسه: ثورة دون روح نقدية ليست ثورة، إنها بكل بساطة امتثالية، ودائمًا ما كانت امتثالية اليوم كليانية الغد. تركهم يرسلون رسائلهم عبر حاسوباتهم وهواتفهم المحمولة إلى كل المصريين في مصر والعالم بحثًا عن أبولين دوفيل، وراح يخترق حلقة من الراقصين الهاتفين بسقوط طاغية البلاد، بشهوة تقترب من شهوة المضاجعة. كانوا يرقصون بقدم خفيفة، ولم يكن يبدو عليهم أنهم يحملون على عاتقهم أية مسئولية، ككل من لا يستحق الاهتمام، وكانوا جزلين. ليس بعد، قال فرانك لانج لنفسه، لم يحن الوقت بعد. كانوا يرقصون رقص المعافى من كل مسئولية، وكانوا جزلين، كانوا يُبدون ذلك علانية، ويعترفون لأنفسهم ما لم يكونوا يجرؤون على الاعتراف به. كانوا كالأطفال جزلين. كالخرّائين. دون أية مسئولية. كل أولئك البالغين لم يكونوا بعد بالغين. كانوا ثوريين حتى النخاع. كانوا يرقصون ويهتفون، وكأنهم لا يريدون أن يكبروا. دون أية مسئولية. جزلين. كالمنيوكين. ولكن إلى أي مدى يبلغ الجزل؟ تساءل فرانك لانج، وهو ينظر من حوله بحثًا عن أبولين دوفيل أو عمن يشير إليه كيف يقتفي أثرها.

اقترب من شاب وشابة، وهما يتكلمان بصوت عال دون أن يباليا بمن حولهما من بشر دنيا ساحة التحرير، ويقولان إنهما فكرا في الأمر جيدًا. الزواج لن يكون الحل، الزواج مسئولية، وهما لم يعتادا على ذلك. لنحب بعضنا هذا المساء، غدًا ربما أو بعد غد تكون الثورة قد انتهت، ويذهب كل واحد في طريقه.

- هلا ساعدتماني في البحث عن أبولين دوفيل؟ طلب فرانك لانج إليهما.

- أبولين دوفيل؟ سأل الشاب والفتاة معًا.

- فرنسية شقراء ترتدي فستان تفتا أبيض، أوضح رجل التحري الخاص.

- ولماذا لم تذهب إلى مركز الشرطة؟ بصق الشاب عابسًا.

- إلى مركز الشرطة! صاحت الشابة استغرابًا. ومع حال الخراء هذه في ساحة التحرير هناك مركز شرطة؟

- إنها مسئولية الشرطة على كل حال، عاد الشاب إلى القول عابسًا دومًا.

- اسكت أنت، أيها الرِّتْج المَهْبِلِي، وخليني أتفاهم مع الرجل، ردعت الشابة الشاب، ربما كانت زوجته. وماذا لو كنت زوجتك، وأضعتني كما أضاعها؟

- ولكنك لست زوجتي، صححها الشاب.

- أعرف أنني لست مِلْكَك، المومس التي لك، ولن أكون، وأنا الآن أفهم لماذا لن أكون زوجتك، وبدأت الشابة تبكي.

- لا تبكي أرجوك، طلب الشاب من الشابة.

- لا تبكي أرجوك، طلب فرانك لانج بدوره من الشابة.

- اسكت أنت، يا فرنسي الخراء، صاح الشاب بفرانك لانج.

- بل أنت، اسكت أنت، يا دين فرعون! صاحت الشابة بالشاب، وهي تشد فرانك لانج من ذراعه، وتبتعد به تحت عيني الشاب الذاهلتين. تعال، سأبحث عن زوجتك معك.

- ليست زوجتي، همهم فرانك لانج، وهو يترك نفسه للشابة تسيره على هواها.

- ليست زوجتك! قالت الشابة دَهِشَة.

- ليست زوجتي.

- إذن هي أختك.

- ليست أختي.

- ابنتك؟

هز فرانك لانج رأسه نافيًا.

- ليست زوجتك وليست أختك وليست ابنتك وتريد البحث عنها بين كل هؤلاء البشر! أنت لن تجدها، يا دين فرعون!

- سأجدها.

- من تكون لك إذن وكل هذا الإصرار لمريض في رأسه على أن تجدها؟

- بمفهومكم، لا أحد، إنها ليست أختي ولا زوجتي ولا ابنتي.

- وبمفهومكم أنتم؟

- كل شيء.

- كل شيء وهي ليست زوجتك ولا أختك ولا ابنتك!

- كل شيء.

- وهل تقتل من أجلها؟

- أقتل أو لا أقتل، إنه السؤال.

- أرأيت؟

- الواقع أنني...

- كلكم إذن واحد، يا دين فرعون! همهمت الشابة حزينة.

انسحبت، وهي تنظر إلى أعلام الثورة التي تلوح بها مئات الأيدي حتى ضاعت بين الحشود.

في وسط غابة الأعلام كانت خيمة فيها مصباح قوي وخيالان يتعانقان، ثم ينفصلان، أحدهما يجلس، والثاني يحرك يديه بما يتوافق مع ما يقوله، ومن جديد يتعانقان، ثم ينفصلان، ويجلس الاثنان أحدهما مقابل الآخر، ويلوذان بالصمت، ومئات الأعلام فوقهما لا تتوقف لحظة واحدة عن الخفقان. وفي لحظة معينة، ظن فرانك لانج أنه يرى أبولين دوفيل بكل سلطتها وجمالها، فرفع ستار الخيمة، ونظر إلى داخلها. كان في الخيمة شابان ملتحيان، فسلم عليهما، وقال إنه يبحث عن أبولين دوفيل.

- أبولين دوفيل، أعاد أحد الشابين، وهو يمسك بيد الآخر.

- كانت هنا منذ قليل، قال الثاني.

- كانت هنا منذ قليل؟ سأل فرانك لانج مهتمًا.

- قالت إنها تريد الذهاب بحثًا عنك، قال الأول، وهو يترك دمعة تسيل على خده.

- أشكرك، أشكركما أنتما الاثنان، همهم فرانك لانج، وهو يهم بمغادرة الخيمة.

- انتظر، هتف الأول، فاستدار رجل التحري الخاص، والشاب يخرج مسدسًا من صدار الآخر. تركت هذا لك.

أخذ فرانك لانج المسدس بيد مترددة، وخرج.

وهو في الخارج، نظر إلى ظلي الشابين، وهما يخلعان ملابسهما، ويمارسان الحب بكل حرية.

- ماما، إلى أين أنت ذاهبة بابني؟ سألت المرأة الشابة العارية الكتفين أمها المحجبة.

- أريد أن أربيه بعيدًا عن كل هذا، أجابت الأم.

- ماما، أعيديه لي.

- فيما بعد، بعد أن ينتهي كل هذا.

- ماما، لن ينتهي كل هذا.

- سينتهي كل هذا.

وأخذت الأم تهدهد الصغير كلعبة، وتقول له:

- عندما تكبر لا تنس أنني ربيتك.

- ماما، سأربيه أنا.

- ليكبر مثلك وينسى أنك ربيته؟

- ماما، لا أحد يظل لعبة إلى الأبد.

- أنا لا أنكر ذلك، ولكن...

- ماما، كلنا نمضي من هنا، وفي النهاية نعي أنفسنا، ونصبح شيئًا جديدًا.

- لا أريده أن يصنع ثورة كثورتك.

- ماما، سيصنع ثورته.

لم تسمعا فرانك لانج، وهو يعود إلى القول للمرة الثانية:

- أنا أبحث عن أبولين دوفيل.

- ماذا يقول هذا الملاك؟ سألت الأم.

- ماما، يقول إنه يبحث عن أبولين دوفيل، قالت المرأة الشابة لأمها، وهي تفتح تلفونها المحمول، وتنظر إذا كانت لديها رسالة جديدة. منذ أكثر من ساعة، وأنا أنتظر جوابًا على الرسائل التي أرسلتها إلى أصدقائي من أجل البحث عن أبولين دوفيل، قالت المرأة الشابة لفرانك لانج.

- كل مصر تبحث عنها، همهم فرانك لانج.

- هذا لأن مصر لم تعِ بعد نفسها، أوضحت المرأة الشابة.

- ماذا تقولين، يا شيطان حبي؟ سألت الأم.

- ماما، أنا أتكلم مع الرجل، ردت المرأة الشابة.

- أشكرك على كل حال، قال رجل التحري الخاص بأدب.

- اذهب إلى الناحية الأخرى من ساحة التحرير، الناحية الشرقية، نصحت الأم.

سار فرانك لانج على غير هدى، وعندما ابتعد، سألت المرأة الشابة أمها:

- ماما، لماذا الناحية الشرقية؟

- لا تدرين لماذا؟

- لا أدري.

- إنها الناحية التي تصعد منها الشمس في مملكة الأحياء، هناك حيث يولد البشر.

* * *

في قلب الصَّخَب، رمى فرانك لانج جسده على مقعد، وأغفى. حلم أحلامًا مزعجة رأى فيها أبولين دوفيل، وهي تُغتصب من قبل جماعة من الملتحين، وهي تُغتصب من قبل جماعة من اللاملتحين، وهي تغتصب من قبل جماعة من العسكريين. كانت في كل مرة تغتصب فيها تناديه، وهي تصرخ، وتبكي، وعندما لم يكن يأتيها، كانت تقهقه، وتتركهم يعبثون بجسدها ما شاء لهم العبث حتى يتعبون.

فتح رجل التحري الخاص عينيه فجأة على صرخات امرأة كان أربعة أو خمسة من المراهقين يحاولون اغتصابها في ركن معتم ومنعزل، فهب واقفًا، وذهب لنجدتها. عندما رأوه يطلع عليهم ومسدس بيده ولوا الأدبار، فارتمت المرأة على صدره، وهي تبكي، وتلهج بشكره.

- أبولين دوفيل، همهم فرانك لانج، وهو يشد المرأة بكل حنان الأرض، والمرأة تتركه يفعل.

بعد قليل، أبعدها عنه، ومسح عن وجنتها السمراء الدمع، فسألته المرأة:

- من هي أبولين دوفيل؟

- أنت.

- ولكنني لست أبولين دوفيل، ألقت المرأة، وهي تزيح نفسها متراجعة خطوة، ثم عدة خطوات، وبعد ذلك أخذت تركض، وهي تلتفت، من وقت إلى آخر.

- كابتن دوفيل، صاح رجل التحري الخاص من وراء المرأة، وأخذ يركض، هو الآخر، من أجل اللحاق بها. كابتن دوفيل، عاد إلى الصياح ثانية، ثم توقف عن الركض، وهو ينظر من حوله حائرًا.

- فرانك، جاءه صوت من ورائه، فالتفت. أخيرًا، قال الشاب غالي، كنا نبحث عنك طوال الوقت.

- أبولين دوفيل ذهبت من هنا، همهم فرانك لانج بكل يأس الأرض.

- تعال معي، طلب غالي، نحن لسنا بعيدين هناك.

وفي اللحظة ذاتها، انقض على غالي ثلاثة من الملتحين بأمواسهم، وهم يشتمون القبطي الذي كانه، ويسيلون دمه، ولولا تدخل فرانك لانج لأنهوا عليه. حمله بين ذراعيه كمن يحمل طفلاً، وذهب به إلى الخيمة حيث هناك صديقاه، بإشارات من غالي لم تكن كلها واضحة. أول ما رأى علاء الحال التي غالي فيها راح يجري في طلب الطبيب، وجمال يسأل بينما يمدد رجل التحري الخاص الضحية على فراش أرضي:

- من فعل هذا؟ لماذا فعلوا هذا؟

- كانوا ثلاثة من الملتحين، أوضح فرانك لانج.

- ليسوا من الملتحين، همهم غالي بصعوبة.

- إذن من؟ أبولين دوفيل بثلاث لحى، قال رجل التحري الخاص متهكمًا.

- ملتحون ولكن ليسوا بملتحين، أوضح جمال، بلطجية. يتسللون ويقومون بأفعال إجرامية كي يفرقوا ما بيننا.

حضر الطبيب جاريًا مع علاء، وضع حقيبته على طاولة تُطوى بعد أن رفع جمال الحاسوب المحمول عنها، وهو يقول:

- ليس فعلهم الإجرامي الأول.

- لنكن حذرين قال علاء.

- هل الجراح خطيرة؟ سأل فرانك لانج.

لم يجبه الطبيب، الذي انشغل بمسح الجراح، وتضميدها.

- اجلس فرانك، طلب جمال إلى رجل التحري الخاص، وهو يدفع كرسيًا من البلاستيك. كيف ضاعت أبولين؟

- لم يقولوا شيئًا في الفيسبوك؟ سأل فرانك لانج.

- لم يقولوا شيئًا، أجاب جمال بنبرة يائسة.

- أين سنجدها؟ قال علاء.

- لا أعرف، همهم رجل التحري الخاص. بحثت عنها في كل مكان، ولم أجدها.

- ومن هم برأيك؟ سأل جمال.

- خاطفوها؟ كل من هم في ساحة التحرير، ألقى فرانك لانج. الأحياء والأموات.

- كاميليا لا ذنب لها في شيء، همهم غالي بصعوبة.

- أنت لا تتكلم، أمر الطبيب.

- كاميليا قتلوها كي يختطفوا أبولين، عاد غالي يهمهم بصعوبة.

- ماذا قلت لك؟ قال الطبيب بعصبية.

- كاميليا تبحث عن أبولين دوفيل هناك في مملكة الموتى، قال غالي ودمعة تسيل على خده.

- ليست كاميليا فقط، همهم جمال، وهو يضع الحاسوب المحمول على الأرض. أختي سعاد تبحث عنها.

- كانت تخرج كل مساء، خطيبتي نعيمة، همهم علاء، كانت ممرضة تسهر على إحدى العجائز الثريات في غاردن سيتي.

- لم تعد تجلس معنا، أختي سعاد، أضاف جمال، كانت أمي تناديها "سعاد! أخرجي قليلاً من بين جدرانك الأربعة، وتعالي لتجلسي معنا".

- كانت تخرج كل مساء، خطيبتي نعيمة، عاد علاء إلى القول، وعندما أبديت اعتراضي، قالت إنها لن تخرج كل مساء بعد أن نتزوج، وإنها ستجد عملاً نهاريًا في أحد المستشفيات.

- سعاد، أخرجي قليلاً، كانت أمي تقول.

- سنتزوج إذن في الحال، قلت لنعيمة.

- دخلتُ غرفتها لأرجوها الخروج من أجل أمي، فوجدتها تبكي. أخذتها بين ذراعيّ، وأنا أقول لها سعاد لماذا تبكين؟

- قالت لي نعيمة أنت لم تزل طالبًا في الجامعة، فكيف نتزوج؟

- لماذا تبكين؟ لماذا كل هذه الدموع؟

- في أحد المساءات تبعتها، كنت لا أشك فيها، ولكنني تبعتها.

- لماذا تبكين، يا سعاد، يا أختي، يا حبيبتي؟ لماذا كل هذه الدموع؟ قولي لي.

- لم تذهب إلى غاردن سيتي، فذهب عقلي. دَخَلَتْ أحد أحياء الدقي القديمة، ثم اختفت في عمارة على وشك السقوط.

- الجراح ليست عميقة والحمد لله، قال الطبيب بعد أن أنهى تضميد غالي، وراح يعيد أدواته إلى حقيبته.

- وقفتُ حائرًا لا أدري ما أفعل، هل أدفع باب العمارة، وأدخل؟

- قامت سعاد فجأة، وراحت تجري صوب الباب. سعاد، إلى أين أنت ذاهبة؟ صحت من ورائها.

- تبقون على خير، قال الطبيب، هناك العديد من الجرحى، وغادر الخيمة.

- وأمي تصيح من ورائها، سعاد، يا حبة عيني!

- وفي الأخير قررت دفع باب العمارة، ومن باب لا يقفل لإحدى الشقق نظرت، فرأيت العديد من النساء والرجال. كانت النساء...

- لم أستطع اللحاق بها، كانت سعاد قد اختفت. وفي اليوم التالي...

- الجراح لا تلبث أن تندمل، همهم غالي.

- وفي اليوم التالي، جاء شرطي، وأخبرنا أن سعاد ألقت بنفسها في النيل.

جاء أحدهم، وبقي في فتحة الخيمة، وهو يسأل:

- من منكم فرانك لانج؟

قال فرانك لانج:

- أنا.

أشار الرجل إلى ناحية ليست بعيدة، وقال:

- هناك امرأة قرب فوهة ماء البيوت بانتظارك.

وذهب.

تردد فرانك لانج، فشجعه الشبان الثلاثة بحركة من رؤوسهم. عندما وصل إلى البالوعة، وجد غطاءها مرفوعًا. تدلى بقدميه، وقفز ليجد نفسه قرب سيل ماء. كان هناك زورق لم ير فيه أحدًا في البداية، وعندما اقترب منه، بان له ما في داخله من شتى آلهة المصريين القدامى إنسانًا كانت أم حيوانًا أم نصف إنسان ونصف حيوان. كانت الآلهة تحيط بأبولين دوفيل العارية داخل ناوسها، بينما يبدو عليها الوهن. لما لمحت فرانك لانج، مدت له يدها، فساعدته الآلهة على الركوب، لتعانقه الشقراء، وهي تتحرق شوقًا إليه. فتح فمه ليسأل عما جرى لها، لكنها أغلقته بسبابتها. وقبل الإبحار، خلعت عنه الآلهة ثيابه، وتركته يزيل كل أثر للوهن على طريقته من الجسد الأبيض بالعناق والقبلات. لم يكن الإبحار سهلاً على الآلهة للأخطار التي واجهتها، فالأفاعي والتماسيح والعقارب لم تتوقف عن الهجوم، كانت تسعى إلى عدم ذهاب الزورق بأبولين دوفيل إلى الناحية الأخرى من السيل، فيطلع النهار على العالم. ولما عجزت الزواحف عن تحطيم الزورق، حاولت ابتلاع الماء، لكن الزورق غاص في أعماق الأرض، ووصل إلى المحيط الأصلي أصل الوجود. كان فرانك لانج وأبولين دوفيل قد قاما بفعل الحب، فعل التجدد والانبعاث، وفي الصباح، وُلدت الشمس، وهي تأخذ شكل الجُعَل.

وجد فرانك لانج نفسه وحيدًا قرب أهرامات الجيزة، تحت شمس كثيرة على الضفة اليسرى للنيل، وكانت عشرات الآلهة هناك، رع، وتوت، وشو، وجب، وأوزوريس، وإيزيس، وست، ونفتيس، وحورس، و...، و...، و... كان الناس أحرارًا فيما يعبدون، وهم لهذا كانوا يعيشون في وئام مع أنفسهم ومع غيرهم. وكانوا ديمقراطيون فيما بينهم، لأن التعددية روح الحرية والسلم والمساواة والعدل والإبداع والتقدم. لكنه تفاجأ بأخناتون، وهو يشعل النار فيها، ويهدم معابدها، ويخضع عابديها، ليعلى إلهًا واحدًا دكتاتوريًا جبارًا مثله.

في المتحف، لم يتمكن رجال الإطفاء من التغلب على النيران التي التهمته إلا بصعوبة كبيرة. كانت كنوز الإنسانية قد غدت رمادًا، وصرخات الإنسانية من ساحة التحرير قد ازدادت ارتفاعًا. لم يكن فرانك لانج ليعرف كيف يجدها إنسانيته الضائعة، بعد أن ترك أبولين دوفيل كمن يترك المرء شمسه في عتمة التاريخ. أخرج المسدس من جيبه، وألقاه في أحد صناديق القمامة.

وهو يخف عائدًا إلى ساحة التحرير، اعترض طريقه أعمى، وسأله إذا كان قد وجدها. قال إنه لم يجدها، فأخذ الأعمى يبكي، ويقول:

- لقد فقدتها إلى الأبد.

- كان ذلك كما في حلم، همهم رجل التحري الخاص.

والأعمى يعيد:

- لقد فقدتها إلى الأبد، ابنتي سناء.

- كان ذلك كما في حلم جميل، واصل رجل التحري الهمهمة.

حكى الأعمى:

- كانت لها أخت توأم اسمها وفاء، ماتت هي وأمها في الطريق إلى الحج. كانت ترافق أمها، ضربتهما الشمس، فماتت هي وأمها، وذهبت هي وأمها إلى الجنة. يا ليتني كنت أنا لأموت في أرض الله، فكل من يموت في أرض الله يذهب مباشرة إلى الجنة. طلبت من ابنتي سناء أن تقتلني في أرض الله، لكنها ذهبت، تركتني في أرض الشيطان، وذهبت.

- في الزورق كانت بين ذراعيّ عارية، همهم فرانك لانج، كانت كلها عارية بين ذراعيّ، لم أزل أشم رائحة جسدها، كان ذلك كما في حلم.

- سأموت في أرض الشيطان، همهم الأعمى، وسأذهب إلى الجحيم. حتى المتدين الذي لا يقطع فرضًا واحدًا المؤمن بالله ورسوله وكافة الأنبياء، من يموت في أرض الشيطان يذهب مباشرة إلى الجحيم.

- كان ذلك كما في حلم جميل، قال فرانك لانج من جديد، وأراد الذهاب، فأمسك به الأعمى.

- ابنتي سناء تركتني في أرض الشيطان، ولا أدري اليوم الأرض التي هي فيها.

انتبه رجل التحري الخاص إلى الأعمى، وكأنه يسمعه لأول مرة.

- عن أي سناء تتكلم، يا رجل؟ سأل فرانك لانج الأعمى بشيء من الحنق.

- عن سناء ابنتي، أجاب الأعمى، ابنتي التي بكيتها مر الدمع حتى صرت أعمى. ألم تكن تبحث عنها؟

- كنت أبحث عن أبولين دوفيل.

عاد الأعمى إلى البكاء، وهو يقول:

- ابنتي سناء، لقد فقدتها إلى الأبد.

كان فرانك لانج قد ابتعد، فصاح الأعمى من ورائه:

- قلت لي كيف اسمها؟

- أبولين دوفيل، أجاب رجل التحري الخاص، وهو يواصل السير باتجاه ساحة التحرير.

- كيف؟

- آ-بو-لين-دو-فييييييييييييل!

همهم الأعمى لنفسه، وهو يتأوه: أبولين دوفيل. ثم راح يطرق الأرض بعصاه، وينادي صائحًا:

- أبولين دوفيل! أبولين دوفيل!