القسم الثاني
نهض الجميع على صوت قبطان الطائرة الخاصة، وهو يعلن قرب الهبوط في مطار القاهرة الدولي. كانت الشمس بكل ألقها تتسلل من الكوّات، وكانت الأهرامات تبدو من فوق أبعد ما يكون عن السماء. ارتدت المرأتان ثيابهما بسرعة، وذرفت المضيفة دمعة، وهي تضم أبولين دوفيل. خرجت دون أن تنظر إلى أحد، وغابت في غرفة القيادة. أخذت ضابطة المخابرات الخارجية مكانًا إلى جانب فرانك لانج، وربطت حزامها دون أن تفوه بكلمة. بدأت الطائرة الخاصة تخفف من سرعتها، وتهبط بالتدريج صانعة دورات لا تنتهي. قعد المضيفون الثلاثة، وربطوا أحزمتهم، وهم ينظرون من الكوّات.
- لم أعد أرى الأهرامات، همهم فرانك لانج، وهو ينظر من الكوة.
كانت كل القاهرة هناك تحت قدميه تحترق بالشمس حتى في شهر يناير.
- لم أعد أراها، أعاد، وهو يلتفت نحو أبولين دوفيل.
- من الأفضل ألا تراها، همهمت ضابطة الدي جي إس إي.
ضربت العجلات بأرض المَدْرَجِ، وأخذت الطائرة الخاصة تهتز اهتزازات عنيفة، وتزفر زفرات مديدة، ثم هدأت فجأة، وبدأت بالتحرك رويدًا رويدًا حتى توقفت تمامًا. سارع المضيفون الثلاثة إلى فتح الباب، وإنزال السلم الذي عند قدمه كانت ليموزين بيضاء بالانتظار، وسيارة سوداء تسبقها وأخرى تلحقها. أحاط بالراكبيْنِ رجال جَهِمو الوجوه، وقبل أن يدخلوهما في الليموزين، استدارا على صوت كعب نسائي ينزل بسرعة درج الطائرة الخاصة، ورأيا المضيفة، وهي تضع على عينيها نظارة سوداء ضخمة، وبحراسة اثنين من جَهِمي الوجوه تركب في السيارة السوداء الأمامية بعد أن ألقت على أبولين دوفيل نظرة خاطفة، فهمهم فرانك لانج، وهما يجلسان في صالون الليموزين الصغير:
- لقد انتهى دورها وبدأ دورنا.
وما أن قال كلماته حتى أحكم أحدهم رتاج الأبواب.
- شُفْتِ؟
- أنا لا أحب هذا.
مضت الليموزين البيضاء إلى جانب ليموزين أخرى سوداء يختفي نصفها وراء طائرة صغيرة، أبوابها مفتوحة، وكل من فيها مغشي عليه بمن فيهم السائق.
- لنشرب نخب كل هذا، كابتن دوفيل، قال رجل التحري الخاص، وهو يخرج قنينة نبيذ من بار الليموزين وكأسين. بوردو، علق، وهو يقرأ ماركة القنينة، هذا ما أفضّل.
- ومن هم برأيك؟
صب قليلاً من النبيذ في الكأسين، قدم إليها واحدة، واحتفظ بالأخرى. أعاد القنينة إلى البار، وهتف:
- تشن! تشن! قارعًا كأسه بكأسها.
- تشن! تشن!
أخذ كل منهما جرعة، فقال فرانك لانج:
- لا بأس به.
أعادت أبولين دوفيل:
- ومن هم برأيك؟
- وهل يخفى القمر؟
- إذا أمسك الأمريكان بنا قل الوداع لكل دور لنا.
- ليس على مثل هذه السرعة.
- وهل سيتحرك النظام عندما يصله خبر الإمساك بنا؟
- سيتخبص النظام، أفضّل هذا، وبعد ذلك سنرى.
جرع كل ما في كأسه، وأعاد:
- لا بأس به بالفعل.
تناول القنينة من جديد، وهو يفحص بطاقتها:
- بعضٌ آخرُ من هذا، كابتن دوفيل؟
جرعت كل ما في كأسها، وقالت:
- لِمَ لا، وهي تمدها.
صب فرانك لانج الخمر في كأس الشقراء السماوية، ثم في كأسه، وبعد أن أعاد القنينة إلى البار، تراخى، وهو يشعر بغامر السعادة. تنهد، وهمهم:
- يعجبني كل هذا البذخ لدى الأمريكان.
* * *
عندما ظهرت الليموزين البيضاء والسيارتان السوداوان على شاشات كاميرات السفارة الأمريكية في غاردن سيتي، شرّع الحراس البوابة على مصراعيها، فدخل الموكب منها إلى الطابق التحت الأرضي. حلّ أحدهم رتاج أبواب الليموزين، وفتح باب الصالون الصغير المتحرك، ليخرج فرانك لانج، فأبولين دوفيل، ويجدا نفسيهما بين عشرات الحراس. انتزع أحدهم المسدس من عن خاصرة رجل التحري الخاص، وطلب إليه وإلى ضابطة المخابرات الفرنسية أن يتبعاه إلى المصعد، ومن المصعد إلى مكتب السفير بينما كان في الممر عشرات آخرون من الحراس. أدخلهما مرافقهما من باب ضخم منجد في قاعة كبيرة ستائر نوافذها كلها مسدلة، وأغلق الباب. تقدما من مقاعد جلدية ضخمة على الجدار خلفها العلم الأمريكي ولوحة لجورج واشنطن، وما أن جلسا حتى وصلهما صوت السفير الذي دخل من باب جانبي:
- أرجو ألا تزعجا نفسيكما بالوقوف.
لكنهما وقفا، فسلم عليهما السفير بحرارة، وهو يكرر:
- أرجوك، موسيو لانج، أرجوك، مدموزيل دوفيل.
مشيرًا إليهما بالعودة إلى الجلوس.
- أتمنى أن تكونا قد أمضيتما رحلة طيبة.
- رحلة طيبة، همهمت أبولين دوفيل، تستطيع أن تقول ذلك.
- وأنت، موسيو لانج؟
- في الواقع أنا على عجل من أمري لأعرف لماذا نحن هنا.
ضغط السفير على جرس، وقال:
- سأطلب لكما عصير مانجا، للمانجا في مصر طعم استثنائي، المانجا شيء هائل.
- لكل شيء في مصر طعم استثنائي، رمى فرانك لانج.
- ليس كطعم المانجا.
أطلت خادمة مصرية محجبة برأسها الجميل من الباب الجانبي، فأمرها السفير:
- ثلاث أكواب عصير مانجا.
جذبت الخادمة رأسها الجميل بعد أن هزته سمعًا وطاعة، وعادت تغلق الباب الجانبي.
- بعصير مانجا أم بغير عصير مانجا لن يتبدل من الأمر شيء، رمت أبولين دوفيل.
- بلى، سارع السفير إلى القول.
- ماذا علينا أن نفعل؟ سأل رجل التحري الخاص.
- ليس هي، ولكن أنت.
- ليس هي!
- ألم أقل لك لماذا كنت أرتعش في فيراريك؟ قالت ضابطة المخابرات الخارجية.
- هي ستنزل ضيفة عليّ حتى... لم يكمل السفير جملته لمقاطعة فرانك لانج إياه.
- لماذا لم تقل رهينة؟
- كل هذا الجمال رهينة! أمام هذا الجمال الدبلوماسية تبدل مفرداتها!
- أشكرك، يا سعادة السفير، هذا لا يبدل شيئًا من كوني رهينة.
- أنتم الفرنسيون أكثر منا سرعة وأكثر منا مباشرة على الرغم مما يقال عن مقدمات الحب لديكم.
دخلت الخادمة المحجبة على رؤوس أصابع رجليها، وضعت أمام كل واحد كوب عصير مانجا ضخمة، وخرجت على رؤوس أصابع رجليها كما دخلت.
- ومع ذلك، ليس في مقدمات الحب، عارض فرانك لانج.
- بلى بلى، فنحن نذهب إلى فعل الحب بسرعة ومباشرة دون مقدمات، همجية ربما ورثناها عن الهنود الحمر.
- لأن الهنود الحمر هم أجدادكم؟ رمت أبولين دوفيل ساخرة.
- وما يدرينا بعد كل القرون التي مضت وانتهت بزوالهم؟
- تريد القول إن الهنود الحمر ذابوا فيكم؟ تهكم فرانك لانج.
- أو إننا ذبنا فيهم، علق السفير، وانفجر وحده ضاحكًا.
رفع كوبه، واقترح عليهما:
- بصحة الهنود الحمر.
- بصحة مصر، هتف رجل التحري الخاص.
- وبصحة مصر، أضاف السفير الأمريكي.
- بصحة مصر، همهمت أبولين دوفيل.
أخذوا عدة جرعات عصير مانجا، ووضعوا أكوابهم.
- ماذا عليّ أن أفعل لإطلاق سراح أبولين دوفيل؟ سأل رجل التحري الخاص.
- الاتصال بوزير الداخلية من طرفي ليوقف كل أعمال الاستفزاز بين الجاليتين المسيحية والمسلمة، وإفهامه أن فرنسا تتخلى عن النظام تمامًا.
- ولكن فرنسا لم تتخل عن النظام، ولن تتخلى، وما أن يصلها خبر احتجازنا حتى تتدخل بشتى الطرق في سبيل إطلاق سراحنا.
- أعرف هذا، ولكن...
- من هنا إلى هناك، تدخلت أبولين دوفيل موجهة الكلام إلى رجل التحري الخاص، افعل، يا لانج، ما يطلبه منك سعادة السفير.
- عين العقل ما تقوله مدموزيل دوفيل، علق السفير، من هنا إلى هناك، لأن الأمور تتفجر بشكل مُدَوِّخ، قبل عدة أيام الاعتداء على كنيسة القديسين في الاسكندرية ويوم أمس على الكنيسة المعلقة في القاهرة القديمة واليوم على المتحف القبطي.
- وهل سيسمع وزير الداخلية لي؟ أنتم بكل ثقلكم لم يسمع لكم، وأنا...
- عندما يعرف أن مدموزيل دوفيل في خطر سيسمع لك.
- في خطر؟
- إذا ما لم يسمع لك، لكنه سيسمع لك.
- سيناور.
- هذا شيء طبيعي أن يناور، لكنه سيسمع لك.
- لن يسمع لي.
- سيسمع لك.
- لن يسمع لي.
- إذا حصل شيء لمدموزيل دوفيل فرنسا لن تسكت، وستتخلى عن النظام ما لم يسمع لك.
- إذن لماذا لا تقتلونني ونختصر كل شيء؟ أليس هذا ما تسعون إليه، أن تتخلى فرنسا عن النظام، وأن تأتوا بأصحابكم؟
- ألم أقل لكما إنكم أنتم أيها الفرنسيون أكثر منا سرعة وأكثر منا مباشرة على الرغم مما يقال عن مقدمات الحب لديكم؟ في السياسة لا بد من مقدمات نحن أدرى الناس بها، وإلا لما كنا قوة عظمى، لما كنا أعظم قوة.
- أعظم قوة في مادة النكاح السياسي، تريد القول.
- موافق، في مادة النكاح السياسي.
- اتركني إذن أتصرف.
- سأتركك إذن تتصرف.
- سأفكر في كل هذا.
- ستفكر في كل هذا.
- ربما بدأت بالطرفين المتناحرين قبل اتصالي بوزير الداخلية.
- لن تحتوي ردود فعل كل طرف بسهولة، ولكن ابدأ بهذا أو ذاك، كل الأمر يعود إليك طالما بقيت مدموزيل دوفيل ضيفة عليّ.
تبادل فرانك لانج والكابتن دوفيل نظرة طويلة حائرة. خلال ذلك، ضغط السفير الأمريكي على الجرس، فأطلت الخادمة المحجبة برأسها الجميل من الباب الجانبي.
- قولي للسائق أن يحضر، أمر سعادته.
- ها هو هنا ينتظر الإذن بالدخول، قالت المحجبة الشابة.
- فليدخل إذن.
دخل السائق، مصري في الأربعين من عمره، وانحنى بين يدي السفير الذي أمره:
- خذ موسيو لانج إلى الهيلتون، وبعد ذلك ابق معه، وكن طوع يده.
انحنى السائق دون أن يفوه بكلمة، ونظر إلى رجل التحري الخاص منتظرًا أن يرافقه. تناول فرانك لانج كوب عصير المانجا، وجرع منه جرعة كبيرة. مسح شفتيه بظاهر يده، وقال، وهو يعيد الكوب إلى مكانه:
- حقًا للمانجا في مصر طعم استثنائي.
- ألم أقل لك؟ قال السفير مسرورًا.
- هيا بنا، طلب رجل التحري الخاص إلى السائق.
وخرج وإياه من الباب الجانبي.
- تعالي معي مدموزيل دوفيل، هلا أردت؟ طلب السفير الأمريكي من الضابطة الشقراء، وهو ينهض.
- دعنى أولاً أنهي كوب عصير المانجا، قالت أبولين دوفيل مناكدة، وهي تنقل كوبها إلى شفتيها. للمانجا في مصر طعم استثنائي.
- خراء، للمانجا في مصر طعم خراء، نبر بعصبية.
- خراء هائل، يا سعادة السفير، قالت بعد أن جرعت كل كوبها، ولحوست حوافها.
ذهب السفير إلى الباب الرئيسي لمكتبه بقدم عصبية، وفتحه، وهو ينادي الحراس، ويشير إلى الكابتن دوفيل صائحًا:
- خذوا لي هذا الخراء إلى زنزانة تحت!
تدافع بعض الحراس من أجل الإمساك بها من ذراعيها.
- ليس هكذا تعامل واحدة تنزل ضيفة على وزارة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، رمت في وجه سفير البيت الأبيض، والحراس يدفعونها بشراسة.
- وزارة خارجية ولايات متحدة قفاي، لا؟
- بلى بلى، أجمل قفا!
- بسرعة أكثر من هذا... بسرعة أكثر من هذا...
بصقت عليه، وهي تمر به، مما اضطر الحراس إلى لويها من ذراعيها، ودفعها بشراسة أكثر، وهي تصرخ من الألم.
نزلوا بضابطة المخابرات الفرنسية طابقين تحت الأرض، ومن باب ضخم منجد أشبه بباب السفير أدخلوها، وأغلقوا عليها بالمفتاح، لتجد نفسها في جناح فخم، وكأنه جناح أحد فنادق الدرجة الخامسة. وفي الحال، ذهب عنها ألمها، ومن الذهول أطلقت ضحكًا مثلجًا متقطعًا، وهي تتفقد "زنزانتها" الأمريكية.
* * *
وفرانك لانج يجلس في المقعد الخلفي المريح للمرسيدس، طلب من السائق:
- لا تسرع.
- لا أستطيع، قال السائق.
- لماذا؟
- إذا لم أسرع كالباقين وقع حادث.
- لدي بعض الصداع.
- في مصر إذا لم تسرع، فلن تصل.
- هل الوقت ثمين في مصر إلى هذه الدرجة؟
- بل لأن الوقت بخس، بخس جدًا.
- إذن بسبب المسافة.
- بسبب المسافة؟
- الناس تحترم مواعيدها.
- الناس آخر من تحترم مواعيدها.
- فهمت.
- ماذا؟
- أنا أُسرع لأن الكل يُسرع.
ابتسم السائق، وهو يخفف السرعة، فأبدى فرانك لانج استغرابه:
- لماذا؟
- أنا أُبطئ لأن الكل يُبطئ، ألقى السائق.
وانفجر كلاهما ضاحكًا.
نظر رجل التحري الخاص إلى وجوه العابرين، كانت كلها تغرق في محيطات الهدوء. لم يكن العابرون يسرعون، كانوا يسيرون بهدوء، وكانوا لا ينظرون إلى بعضهم. كانوا كلهم يغرقون في محيطات الطمأنينة: أصحاب الجلابيب كأصحاب البناطيل من الرجال، وصاحبات الأحجبة كصاحبات الفساتين من النساء. كانوا كلهم يغرقون في محيطات السكون، ولم يكن يبدو عليهم القلق. كانوا يسيرون بقدم واثقة، ولا ينظرون إلى المكان الذي يضعون فيه قدمهم. كانوا لا ينظرون إلى شيء، ويسيرون بقدم واثقة. لم يكونوا يبتسمون، لأنهم لم يكونوا يبتسمون، ليس لأنهم لا يعرفون الابتسام، ولكن لأنهم لم يكونوا يبتسمون، وكانت وجوههم جميلة هكذا، دون أن يبتسموا. كانت وجوههم جميلة، ولكنها كانت كلها متشابهة، المرأة كالرجل، الطفلة كالطفل، الصغير كالكبير، كانت وجوههم كلها متشابهة. لهذا كانت وجوههم كلها أشبه بوجه واحد، أشبه بوجه جميل واحد، ينتهي الأمر بالناظر إليه إلى إشاحة وجهه. أشاح فرانك لانج وجهه، ونظر إلى الرصيف الآخر، فرأى الأشجار كلها أشجار مسامير مدببة. كانت أغصانها كلها أغصان مسامير مدببة، وعلى بعض الأغصان بعض حبات المانجا. المانجا في مصر شيء هائل. رأى رجل التحري الخاص مقاعد تحت بعض تلك الأشجار الغريبة، وكانت نساء محجبات سمينات يجلسن عليها، وهن يفتحن عن صدورهن، ويهوين بالمنشات، لشدة الحرارة. لم يكن أحد ينظر إلى صدورهن الضخمة، وكن يهوين بالمنشات، ووجوههن حمراء لشدة الحرارة، ولا أحد من العابرين ينظر إليهن أو إلى صدورهن. كن يهوين بالمنشات في ظل أشجار المسامير، ويمسحن عرقهن عن جباههن، ورأى فرانك لانج إحداهن، وهي ترفع حجابها إلى ما فوق فخذيها، وبمنشتها ترسل الهواء إلى كل جسدها، ولم يكن أحد من العابرين ينظر إليها.
فجأة عاد السائق إلى قيادة المرسيدس بسرعة، فسأله فرانك لانج:
- هل ما زلنا بعيدين عن النيل؟
- ليس كثيرًا، أجاب السائق، وهو يبطئ من جديد.
أخذت مجموعة من الظباء تهرب من إحدى المكتبات، وتقفز من فوق السيارة.
- ظباء! صاح فرانك لانج من الدهشة.
- هذا لأن الناس لا تقرأ شيئًا، أوضح السائق.
- ماذا؟
- هربت الظباء من الكتب بعد أن أصابها الملل.
- ولكن...
- إنها ظباء نجيب محفوظ.
- هل كتب نجيب محفوظ عن الظباء؟
- إنه الكتاب الذي لم يكتبه.
رأى فرانك لانج عيني السائق في المرآة الارتدادية، ولأول مرة اكتشف أنهما خضراوان. كان غفر من النساء الواضعات للخلاخل المزوقات الموشومات قد بدأن يخرجن من المكتبة.
- وهؤلاء هن نساء السكرية، قال السائق.
وما لبث أن خرج صائد شيخ، وهو يسحب من ورائه سمكة ضخمة من أسماك أبي منقار، فقال رجل التحري الخاص:
- أعرف من هو، إنه بطل إيرنست همنجواي.
تركا المكتبة من ورائهما، فالتفت فرانك لانج، ورأى آلاف الفئران الهاربة من رفوف الكتب الغارقة في بحور الغبار، وقال لنفسه، إذن فهم يبيعون كتاب جون شتاينبك. عندما عاد السائق إلى سرعته الجهنمية، لم يكن أسرع من أحصنة الهنود الحمر، وهي تغيب في سرابات القاهرة. كانت سيارة مسرعة في الأمام قد دهست أحد العابرين، ولم تتوقف، وباقي السيارات الأخرى تمضي على جثته، وفرانك لانج، يتابع المشهد بعينيه، وهو يردد ببلاهة: "ميرد! ميرد! ميرد!" تفجرت الجثة بدمها وخرائها، وكر رأس الضحية حتى حافة الرصيف. ميرد! ميرد! ميرد!
- ميرد أخضر، قال السائق.
- ميرد، ميرد، ميرد!
فتح رجل التحري الخاص النافذة، وأخذ نفسًا عميقًا. كانت السيارة قد توقفت تمامًا أمام جمهرة من الناس الرافعين رؤوسهم إلى أعلى.
- ستقذف بنفسها، قال السائق، وهو يحني رأسه فوق مقوده، ويشير بسبابته إلى شرفة عالية.
- ميرد، ميرد، ميرد! جمجم فرانك لانج.
انقض على المرأة رجلها، وأمسكها من كتفيها، كان بإمكانه إنقاذها، لكنه أخذ يدفعها، وقصده الإطاحة بها، والمرأة تنظر إلى أسفل بعينين مرتعبتين، وتحاول المقاومة بعد أن عدلت عن رأيها، ولم تعد تريد الانتحار. وفي الأخير، تمكن رجلها من دفعها، فسقطت، وهي تصرخ، ورؤوس الناس تتابع السقوط، حتى الأرض، ثم ركض الكل ليرى الجسد المدمى.
- ميرد أخضر، عاد السائق إلى القول، وهو يواصل السير.
بعد قليل، عاد فرانك لانج يسأل:
- هل ما زلنا بعيدين عن النيل؟
نظر السائق إلى رجل التحري الخاص بعينيه الخضراوين من المرآة الارتدادية، ولم يقل شيئًا.
- لم تقل شيئًا، همهم فرانك لانج.
أبطأ السائق مرة أخرى بسبب الكثير من المصلين في الشارع المحاذي للمسجد، ثم توقف في وسط الشارع، هكذا، وقال، وهو يخرج سجادته من الصندوق الأمامي، قبل أن ينزل من المرسيدس:
- لن أطيل عليك.
- سألتك النيل، هل ما زلنا بعيدين عنه؟
- بإمكان النيل أن ينتظر، موسيو لانج، أما الصلاة، هي، فلن تنتظر.
ضاع السائق بين جموع الملتحين، وفرانك لانج يفكر في أبولين دوفيل، وهو يستعيد عناقها الجهنمي مع المضيفة. عاوده الشعور بالتعاسة، وأحس بالعطش. المانجا في مصر شيء هائل! نظر حواليه، فرأى عربة عصير عند زاوية الشارع. ذهب إليها، وهو يفكر في أبولين دوفيل دومًا، ويقول لنفسه إن البائع لا يصلي كالآخرين. عندما وصل قربه، رأى صليبًا كبيرًا عليه المسيح يتدلى من رقبته.
- ماذا تريد، يا خواجا؟ سأل البائع.
- أريد عصيرًا، قال فرانك لانج، وهو يلتفت إلى السيارة، ويفكر، يفكر دومًا في أبولين دوفيل. مانجا...
- عصير مانجا؟
- نعم.
كان العصير جاهزًا، فصبه البائع في كوب ملأها بالثلج، ورجل التحري الخاص يفكر في أبولين دوفيل، ويقول لنفسه، العصير ليس طازجًا. شربه دفعة واحدة، ورمى للبائع ورقة نقدية. أعاد له الصرف، وعاد فرانك لانج إلى السيارة، وهو يفكر دومًا وأبدًا في أبولين دوفيل. فجأة، فتح السائق باب السيارة، واحتل مقعده، وهو يعيد وضع السجادة في الصندوق الأمامي. نظر إلى فرانك لانج عبر المرآة الارتدادية، فوجده ساهمًا. كان يفكر في أبولين دوفيل، وبقي يفكر في شقراء المخابرات الخارجية لمسافة طويلة، حتى أنه لم ينتبه إلى النيل الذي أخذت السيارة تسير بتواز معه.
- التماسيح كثيرة في النيل هذه الأيام، رمى السائق.
- التماسيح...
انتبه فرانك لانج إلى النيل المترامي على مقربة منه، كان أحد التماسيح يلتهم النصف الثاني للجثة التي قضمها، ورأى رهطًا من التماسيح يحتل أحد القوارب، وتمساحًا آخر يستلقي بكسل على الرصيف.
- في الماضي كان الناس يلعبون مع التماسيح، قال السائق. جاء نابليون، وتبدل كل شيء.
- نابليون...
- نابليون الذي لكم.
- الذي لنا.
- جاء نابليون الذي لكم، وتبدل كل شيء.
أخرج فرانك لانج رأسه من نافذة السيارة، وأخذ يستنشق هواء النيل بقوة، وهو يبتسم، ويفكر في أبولين دوفيل. ابتسم السائق، وسأل:
- هل يذكرك بشيء، نيلنا.
- يذكرني، قال فرانك لانج، وهو يدخل رأسه. يذكرني بأشياء. يذكرني بالموت. يذكرني بالحياة. يذكرني بالحب. يذكرني بكل النساء اللواتي أحببتهن، ولم أظفر بهن.
- يذكرك بمدموزيل دوفيل؟ رمى السائق بكثير من الجد.
- وكيف عرفت؟
- لا أحد يراها إلا ويسقط عاشقًا بها، إنها إرادة ربنا.
على يمين النيل وعلى يسار النيل كل المصريين: ربنا! ربنا! وامرأة في الجحيم الأبدي ترسل صيحاتٍ: الله يلعن ربنا! توقفت المرسيدس أمام ناطحة الهيلتون المحترقة بشمس القاهرة، والسائق يقول قبل أن ينزل منها:
- سأحمل حقيبتك.
- ولكن لا حقيبة لي.
خارج السيارة، أوضح السائق، وهو يخرج حقيبة من الصندوق الخلفي:
- الأمريكان يفكرون في كل شيء، لهذا هم أمريكان.
تبع فرانك لانج السائق حتى مكتب الاستقبال، وتركه يتم الإجراءات الإدارية، بينما راح ينظر إلى أعمدة ردهة الدخول العديدة، ويفكر في أبولين دوفيل.
- كف عن التفكير فيها، موسيو لانج، طلب السائق.
- هل أحضرت المفتاح؟ سأل رجل التحري الخاص.
- الحجرة 33 الطابق الثالث، أجاب السائق، وهو يمد المفتاح.
- سآخذ حمامًا وأنام قليلاً ثم سأنزل لنأكل شيئًا معًا قبل أن نذهب إلى كنيسة إمبابة، قال فرانك لانج، وهو يأخذ المفتاح والحقيبة من يدي السائق.
- ألا تريدني أن أحملها عنك؟
- لا.
اتجه فرانك لانج إلى المصعد، والسائق يقول من ورائه:
- أنا تحت أمرك.
* * *
رافق حارس أسود المضيفة حتى الزنزانة الأمريكية، فتح بابها الضخم المنجد، وبعد أن أدخلها، أغلقه بالمفتاح. نظرت المضيفة هنا وهناك، ولما لم تقع على أبولين دوفيل، نادتها:
- أبولين.
تقدمت من الحمام، وقبل الدخول فيه نادت من جديد:
- أبولين... هل أنت هنا؟
كانت أبولين دوفيل في البانيو والرغوة تغطيها.
- كنت أعرف أنك ستأتين، قالت ضابطة المخابرات الخارجية، وهي تبتسم، وتمد يدها لتمسك يد حبيبتها.
- اعذريني، أرجوك، طلبت المضيفة بعينين مغرورقتين بالدموع.
- هذا لا شيء، لو لم تفعلي لما كانوا لطيفين معك، عندكم في السي آي إيه الشيء نفسه عندنا في الدي جي إس إي، إنهم أوباش وكفى.
- إذن أنت تعذرينني؟
- تعالي لتأخذي حمامًا معي.
- لا أستطيع، هناك ما ينتظرني فوق، قالت المضيفة، وهي تجلس على حافة البانيو.
- خسارة.
- سأخرجك من هنا.
- ليس قبل أن يعود لانج.
- أقسم لك أني سأخلصك من هذه الورطة.
- ورطة؟ ليست إلى هذه الدرجة، قالت أبولين دوفيل، وهي تضرب يديها في الرغوة البيضاء، وهي ترشق حبيبتها ببعضها.
- توقفي، توقفي، رددت هذه، وهي تقهقه.
لكن أبولين دوفيل أسقطتها في البانيو، وبللتها كلها، وكلاهما تطلق أحلى الضحكات، إلى أن توقفتا فجأة، وجمدتا على منظر نهديهما: كان نهدا أبولين دوفيل يلمعان بالماء والضوء، وكان نهدا المضيفة يبرزان من تحت قميصها متحديين الدنيا. أخذت الأولى حلمة الثانية بشفتيها، وبعد ذلك، أخذت الثانية حلمة الأولى بشفتيها. وقفت المضيفة في وسط البانيو عملاقة من عملاقات الأمازون، وتركت أبولين دوفيل ترفع تنورتها، ومع التنورة يرتفع الرأس الأشقر، ليضيع بين الفخذين.
* * *
بعد الحمام، ارتدى فرانك لانج بنطال البيجاما، ودخل في السرير. ذهب نائمًا حتى السادسة مساء، لكنه عاد يغمض عينيه، ونام ساعة أخرى. نهض دفعة واحدة، فرأى كيف كان أول الليل دامسًا في قاهرة الشتاء. ارتدى ملابس خفيفة، ورمى على كتفه كنزة زرقاء، ثم غادر حجرته إلى الردهة تحت، فوجد السائق بانتظاره، وبين يديه حاسوب محمول.
- المطعم من هنا، موسيو لانج، قال السائق أول ما رآه.
- كان لديك ما يشغلك، قال رجل التحري الخاص، وهو يشير إلى الحاسوب المحمول.
- لا تقلق من أجلي، موسيو لانج.
- أشكرك.
- لم أقدم لك ما يستوجب الشكر بعد.
دفع السائق باب المطعم، وأدخله من أمامه.
- لديك طاولة محجوزة باسمك، همهم السائق، ومدير الخدم يقترب. موسيو لانج، قال السائق قبل أن يفتح مدير الخدم فمه.
قادهما مدير الخدم إلى طاولة في صدر المطعم، أجلسهما بكل الاحترام اللازم، وقدم لهما قائمة الطعام. تركهما، ووقف على مقربة منهما منتظرًا أول إشارة.
- ماذا تريد أن تأخذ، موسيو لانج؟ سأل السائق.
- لا أريد مقبلات ولا أريد تحلاية، قال رجل التحري الخاص.
- لا وقت لديك أعرف.
- لا أريد ستيك بالبطاطا ولا أريد سكالوب مُخَبَّز.
- تريد طبقًا من عندنا.
- فول مدمس وطعمية وملوخية بالأرانب.
- أنت تعرف أطباقنا الشعبية كلها، ألقى السائق ضاحكًا.
- قرأت بعض الشيء عنكم، أوضح رجل التحري الخاص.
- أطباقكم الشعبية أشبه بآلهتكم التي تعبدونها، لهذا الدين في دمكم، وأنا أود لو أعرف لماذا.
أشار السائق إلى مدير الخدم، فقفز آتياً.
- لا يريد موسيو لانج أيًا من هذه الأطباق، قال السائق، يريد أكلاً مصريًا.
- قائمة الطعام المصرية ها هي، قال المسئول، وهو يتناول نسختين منها عن طاولة قصيرة. قلت لنفسي...
- لا تقل لنفسك ولا حاجة، قاطعه السائق، أحضر لنا فولاً مدمسًا وطعمية وملوخية بالأرانب، وكل السلطات والمخللات التي في الهيلتون.
- وماذا ستشربان؟
- أنا مَيّه.
- وأنا عصير مانجا. للمانجا في مصر طعم استثنائي، المانجا شيء هائل.
- لبِّ الطلبات، ولا تطل، أمر السائق، نحن على عجل من أمرنا.
وصرفه بحركة من يده.
وبالفعل لم يطل مدير الخدم، وهو يأتي بصحبة واحد من مرؤوسيه، وهذا يدفع من أمامه عربة مليئة بالأطباق. وضعا الأطباق على الطاولة، وفرانك لانج يبتسم لها كما لو كان يبتسم لامرأة، ثم راح أكلاً دون أن يفوه بكلمة حتى شبع، وتجشأ مع ضحكة هائلة.
* * *
فتح الحارس الأسود باب الزنزانة الأمريكية، ودخل ليقف عند قدم السرير الذي تستلقي فيه العاشقتان.
- لن أستطيع تركك أكثر مس كين، همهم الحارس الأسود.
- اتركنا على الأقل نتعشى، قالت أبولين دوفيل للحارس الأسود.
- لا يا مس كين، قال الحارس الأسود دون أن يبالي بضابطة المخابرات الفرنسية.
- سأذهب، قالت المضيفة لأبولين دوفيل، وهي تطبع قبلة سريعة على شفتيها، ونهضت عارية إلى خزانة الثياب.
- سأنتظرك في الخارج مس كين، رمى الحارس الأسود قبل أن يخرج.
أخرجت المضيفة فستان تفتا أبيض، وهي تقول لأبولين دوفيل:
- ارتديه، إنه مفضلي، واطلبي الكافيار والشمبانيا والكبد الدسم، وتخيليني وإياك.
رمته على السرير، وراحت ترتدي ثيابًا عادية. نهضت الشقراء الربانية عارية ووضعت فستان التفتا الأبيض عليها، وهي تشده على خصرها، وتنظر إلى نفسها في المرآة.
- ستكونين رائعة كعرائس النيل، ألقت مس كين قبل أن تعود وتطبع قبلة خاطفة على شفتي الشقراء الفرنسية، وتسارع إلى الخروج.
تأملت أبولين دوفيل نفسها، وهي تشد الفستان التفتا الأبيض دومًا على خاصرتها، وتميل، ثم ألقته جانبًا، وجلست على أريكة، ساقًا من تحتها، وثديًا بين ذراعيها، وذهبت مفكرة.
* * *
بدت كل الأمور عادية في شوارع القاهرة، الناس والأضواء والأشياء كانت تبدو كلها عادية. وفرانك لانج يجلس إلى جانب السائق، كان يفتح الحاسوب المحمول، ويجيب على بريده الإلكتروني. وبعد ذلك، نقر على صفحة الفيسبوك التي له، ولم يجد ما يستحق القراءة. عرّج على صفحات بعض الشباب المصريين، فكانوا كلهم يتحدثون عن الجنس بنفس الطريقة التي يتحدثون فيها عن الدين، الطريقة المبالغ فيها. عرج على صفحة وزارة الداخلية المصرية، فلم يجد ما يثير القلق. كل الأمور كانت لوزراة الداخلية المصرية عادية. لكن والسيارة توغل في حي إمبابة الشعبي، لاحظ بعض التوتر على وجوه الناس، وكانت بعض المحجبات يركضن، وهن يسحبن أطفالهن من أيديهم. وما لبث فرانك لانج أن رأى مجموعة كبيرة من الملتحين، وهي تتقدم من الكنيسة. لم يكونوا يهتفون، كانوا يتقدمون بقدم ثابتة من البناء القبطي، وكانوا كلهم عابسين. سبقهم السائق إلى باب الكنيسة، أنزل فرانك لانج، وخف ليختفي من الناحية الأخرى.
كانت اللوحات في حرم الكنيسة القبطية كلها للعذراء عاريةً، فلفتت انتباه فرانك لانج ثلاث منها، الأولى للعذارء بينما الضوء السماوي يدخلها، وينفخ بطنها، والثانية للعذراء بينما تعطي للسماء ردفيها، وهالة من النور تحيط بهما، والثالثة لزوجة الرب، وهي تعرض له ثدييها، ومن حول كل ثدي هالة من النور تطلق شعاعًا سماويًا.
أول ما استقبله أسقف الكنيسة، وعرف أنه مبعوث من طرف الأمريكان، قال له:
- يسعى النظام إلى استعمالنا بشكل آخر غير ما دأب عليه ليصل إلى تثبيت قدميه في الأرض، فلا عداوة بيننا وبين الإخوان المسلمين، إن حكموا حكمنا، وإن لم يحكموا حكمنا، يعني نحن مع الحاكم دومًا أيًا كان، ولكن لما تخلى الأمريكان عن حاكم اليوم، يحاول هذا بشتى الطرق التمسك بالحكم، ولو على حساب دم مواطنيه، وهذا ما حصل مع الاعتداءات على كنائسنا ومتاحفنا.
- ناسكم لا يرون الوجه الحقيقي للمعتدي، سيثور ناسكم على من لم يعتد عليهم، وستكون فرصة النظام لقمعكم أنتم وهم كلكم، علق فرانك لانج.
- قل للأمريكان إننا سنحول دون ثورة ناسنا، وعليهم أن يحولوا دون الانتقام منهم.
- سأقول لهم.
- ولكن بعد كل ما فعل بنا النظام وسيفعل قل للأمريكان إننا لن نقبل بالقيام بدور النعاج إلى الأبد.
- سأقول لهم.
- وقل لهم أيضًا إننا نعيش في وئام مع إخواننا المسلمين منذ فجر الإسلام.
- سأقول لهم.
وعلى حين غفلة، اخترق الفسيفساء حجر كاد يفتح رأس الأسقف، ودبت النيران في أحد أجنحة الكنيسة، فسارع رجل الدين إلى الاختباء.
- انتظرني يا أبت، صاح فرانك لانج.
- عجل يا ولدي، إنه النظام، وكل هؤلاء الملتحين رجاله، كشف الأسقف.
- هذه المرة ستنحرون بعضكم، يا أبناء مصر.
- على الأمريكان أن يعجلوا قبل أن يقع ما لا يحمد عقباه.
ذهب به وكل الكهنة من ممر أرضي إلى الخارج، فشاهدوا هجمات الملتحين المزيفين من بعيد، وصرخاتهم الهستيرية. كان هناك من يطالب بتسليمهم امرأة قبطية تريد اعتناق الإسلام كرجلها المسلم والكنيسة تمنعها.
- من هي هذه المرأة؟ سأل رجل التحري الخاص.
- هل رأيت نساء في الكنيسة، موسيو لانج؟ سأل الأسقف بدوره.
- لم أر.
- إنها ذريعة للجريمة التي يرتكبونها في حقنا بلطجية النظام هؤلاء، وإذا ما عدنا إلى الحقيقة، هم الذين يختطفون بناتنا، يغتصبونهن، ويشنعون بهن، وبعضهن لا يعدن إلى الأبد.
- سأحتج لدى وزير الداخلية.
- ولعلمك الإسلام لا يحتم على زوجة المسلم أن تسلم، هناك يهوديات تزوجن من مسلمين وبقين على دينهن، الرجل نعم، أما المرأة فلا.
- إذا لم يستمع وزير الداخلية إليّ هددته بتوقف فرنسا عن دعمهم.
- فرنسا تضل الطريق، يا ولدي، لكنها المصالح، والتناحر عليها.
ركبوا كلهم في سيارات أبعدتهم عن الحريق والتدمير، دار فرانك لانج حول الكنيسة، فرأى ثلة كبيرة من رجال الشرطة والدرك تصل، وما فعل الملتحون المزيفون سوى الاختفاء في الشوارع الفرعية، ومنها ركبوا السيارات العسكرية، وعادوا حتمًا إلى ثكناتهم.
في ذلك المساء، رأى فرانك لانج على التلفزيون رجال الأمن، وهم يكسرون بأقدامهم أبواب قيادات الإخوان المسلمين، ويسوقونهم إلى المعتقلات واحدًا واحدًا.
* * *
قال فرانك لانج لوزير الداخلية:
- الإخوان المسلمون حلفاؤكم كالأقباط، وكل هذا القمع وإيقاع الواحد في الآخر لن يحل مشكلتكم.
- نعرف هذا، موسيو لانج، همهم وزير الداخلية.
- إذن لماذا؟
- لأننا نراهن على الوقت.
- إلى أي مدى؟
- إلى أقصى مدى ممكن.
- لهذا تجازفون بكل شيء؟
- تقصد باليد الأجنبية؟
- أقصد باليد المحلية.
- إذا لم ندفع الجاليتين إلى الاقتتال اقتتلنا نحن بدلهما في أثواب أبطال راسين الذي لكم وأحكمنا القيد على الشارع من أعالي النيل إلى الدلتا.
- بالنسبة للأمريكان أنتم انتهيتم.
- ليس بعد، موسيو لانج، ليس بعد، وسنضطرهم إلى تبديل رأيهم.
- هل أقول لك شيئًا؟
- قل، موسيو لانج، أنا أحب الصراحة.
- فرنسا لن تقف إلى جانبكم إلى الأبد.
- إذا كانت أبولين دوفيل هي فرنسا، فلسوف تقف إلى جانبنا إلى الأبد.
- ماذا تعني؟
- أعني أن العميلة المزدوجة لا خيار لها.
- أفهم من هذا أنكم ستقتلونها إذا ما لم...
- لن أكشف لك عن الطريقة التي سنلجأ إليها، القتل، الخطف، النفي... تتنوع الخراءات، وفرنسا تعرف تمام المعرفة طرقنا، ويا ما أسهل تنفيذها. لهذا فرنسا التي فتحنا لها القصور في وادي الملوك، وجعلنا من مشاخخ كليوباترا مشاخخها المضمخة بالعطر، ومن ليالي القاهرة، ليالي القحبات، لياليها، عليها ألا تتركنا وحدنا، وتنسى.
نهض فرانك لانج غاضبًا يريد الذهاب.
- قل للأمريكان إننا هنا، وسنبقى هنا، حتى ولو على جثث كل مصريي الخراء، صاح وزير الداخلية.
عجل رجل التحري الخاص في الخروج، وهو يضرب الباب بعنف من ورائه.
* * *
قال فرانك لانج للسفير الأمريكي:
- المشكل هو النظام، النظام يتقوى بالجاليتين، على الرغم من أن الأقباط والإخوان المسلمين يريدون زواله تمامًا كما تريدون، لكنهم سيبقون معه ما بقي، هكذا هم صُنعوا، وهكذا هم يستنبطون.
- أشكرك، موسيو لانج، على كل ما فعلت، همهم السفير.
- لم ينجح النظام في دفع الطرفين إلى الاقتتال على الرغم من كل الاعتقالات وكل الاستفزازات، وكل هذا لطبيعة المصريين المسالمين بالفطرة، لكنه دعم أقدامه في الأرض، وشدد من إحكام الخناق على شعب بأكمله، ليضطركم إلى تبديل رأيكم كما قال لي وزير الداخلية.
- تبديل رأينا.
- تبديل رأيكم.
- الاستراتيجية الجديدة لا تسمح بتبديل رأينا.
- ستصلون إذن إلى تبديل نهجكم، فالإخوان المسلمون ليسوا من أولئك الذين يذهبون إلى "القتال" بدافع منهم، لديهم حساباتهم الكثيرة.
- سأرى ما يقوله البيت الأبيض.
- وأنا سأرى ما تقوله أبولين دوفيل.
- اتركها ضيفة عليّ يومين آخرين إلى أن يتضح الموقف الفرنسي.
- لن أتركها دقيقتين أخريين.
- أرجو أن تتفهم الأمر، موسيو لانج.
- لن أخرج من هنا إلا وإياها.
ضغط السفير على الجرس، ففتحت الخادمة الشابة المحجبة الباب الجانبي، وأطلت برأسها الجميل.
- اطلبي من سائق موسيو لانج العودة به إلى الفندق، قال لها، وأشار إلى رجل التحري الخاص بالذهاب، اذهب، موسيو لانج، أرجوك.
بعد تردد، نهض فرانك لانج، وذهب، دون أقل إحساس بالارتياح.
* * *
انتظرت الخادمة المحجبة مغادرة فرانك لانج مع السائق، ثم أخذت طريقها إلى الممر الداخلي للسفارة. قطعته تحت أعين الحراس اللامبالية، وبعد ذلك صعدت درجًا داخليًا يدور إلى أعلى، ودخلت أحد المكاتب. كانت مس كين تنظر من النافذة إلى فرانك لانج، وهو يركب إلى جانب السائق، وما لبثت السيارة أن غادرت الباحة الخارجية المخصصة لوقوف سيارات السفارة.
- عندنا في أمريكا طيور سوداء ليست الغربان التي عندكم، قالت مس كين للشابة المحجبة وهي تدير دومًا ظهرها، أحضرها السود معهم عندما جاءوا من أفريقيا، ثم نسوها، فسماها الناس "السهو".
- أعرف أنك لن تنسيني مس كين، همهمت الخادمة المحجبة.
- سأعتنق الإسلام من أجلك، قالت مس كين، وهي تلتفت، هل أنت سعيدة؟
- آه! مس كين، هتفت الشابة المسلمة، وهي تأخذ فتاة المخابرات الأمريكية بين ذراعيها، هكذا لن يغضب مني ربنا، وسيغفر لي خطيئتي.
أخرجت المصرية من صدرها سلسالاً ينتهي بآية الكرسي، فكته، وربطته حول العنق الأبيض.
- إنه لك.
- ولكن...
- كان هدية أمي رحمها الله يوم ارتديت الحجاب، وأنا لم أبلغ بعد من العمر العاشرة.
وطبعت قبلة على شفتي المس كين، فلم تبد هذه سرورها.
- ماذا يا مارغريت؟
- بهية، ساعديني.
زعلت الشابة المحجبة:
- لقد فهمت كل شيء.
- بهية، أرجوك.
- تفعلين كل هذا من أجلها.
- بهية، كي تبقي وحدك في قلبي.
وقبلتها قبلة طويلة من فمها، ومن عنقها، ومن ثديها، وهي تفتح عن ثديها، وجذبتها فوق المكتب، ودفعتها، وهي ترفع حجابها عن فخذيها، إلا أن بهية أبعدتها، واستقامت:
- أنا لا أريد.
- أنا آسفة، همهمت مس كين، لم يكن قصدي. هذا ليس بالمقابل، هذا لأني أحبك بالفعل.
- وأنا أحبك بالفعل.
أعطتها ظهرها، وخرجت.
* * *
حط الظلام على السفارة الأمريكية، فتسللت الأضواء من نوافذها. كانت كل النوافذ ترسل الأضواء، فتتكسر مع تحرك شجر النخيل في الحديقة. وكان النيل يبدل مجراه في الليل، ويأتي ليغسل روحه على أعتاب السفارة الأمريكية. ومن النيل كانت الحور تخرج، وتتعانق في ظلال السفارة الأمريكية. لم يكن قمر النيل جميلاً لولا السفارة الأمريكية، ولا النجوم كثيرة، متلألئة فوق أسطح القاهرة، لم تكن القاهرة جميلة، بهية، أبدية، لم تكن مصر أم الدنيا والآخرة.
- سأطلب لك عصير مانجا، قال السفير الأمريكي، للمانجا في مصر طعم استثنائي، المانجا شيء هائل.
- أفضّل كأس كونياك، قال القبط الأعظم المصري.
كان ثلاثة شبان وشابة سمراء ترتدي الجينز وتلف شعرها بشال زهري هناك في زاوية شبه معتمة، وكلهم يرتدون قفازات بيضاء، ويربطون فوطة جلدية بيضاء بمريلة. كانت فوطة الشابة مرفوعة، وفوطة الشبان منزلة. تقدم أحد الشبان من قناني الكحول، وحمل بيد قنينة الكونياك، وبالأخرى كأس ضخمة، صب فيها قليلاً منه، وقدمه للقبط الأعظم، وهو ينحني بين يديه بكل احترام.
- اشربوا شيئًا، طلب القبط الأعظم إلى الشبان الثلاثة والشابة.
فرفضوا، واكتفوا بمد إبهامهم بمعنى نحبكم، دون أن يتحركوا في زاويتهم شبه المعتمة.
- سندخل في الموضوع مباشرة، قال السفير.
- بعد هاتفك اتخذنا قرارًا نحن الماسونيين، قال القبط الأعظم.
- أرجو ألا تخيبوا أمل البيت الأبيض، همهم السفير.
- إذا لم يخيب البيت الأبيض أملنا، همهم القبط الأعظم.
- في إستراتيجيتنا الجديدة أنتم أمل المستقبل، عاد السفير إلى الهمهمة.
- هذا لأنه مستقبل معتم، عاد القبط الأعظم إلى الهمهمة.
- معتم نعم، ولكنه ليس معتمًا جدًا.
- بلى، بلى، معتم جدًا، بل وأكثر من معتم جدًا.
- لا تبالغ أيها القبط الأعظم.
- الإبقاء على التبعية واستفحال التخلف تحت ثوب ثوري، هل أبالغ؟
- العصر الجديد عصر ليس كله وردًا للعالم أجمع.
- ولِمَ لا لو كنتم جادين في التغيير والتطوير؟ لو كنتم تريدون رفع القليل من عالم لم يعد يعرف ما هو الورد لوقفتم إلى جانب الشعب حقًا وذلك بمحاربتكم الإخوان المسلمين وكل نظام ديني تطبيقًا لشعارنا: حرية، مساواة، أخوة، علمانية – على عكس أوروبا الشريحة الاجتماعية المهيمنة في مصر ليست الطبقة البرجوازية التي بين يديها الاقتصاد وإنما شريحة رثة من البرجوازية المتسلقة على أكتاف الأغلبية الساحقة من الفقراء، لا قوة اقتصادية لها، وكل قوتها الاقتصادية هي أموال السعودية – الإخوان المسلمون كإيديولوجيا، كبنية سياسية ليسوا على مستوى مطامح المرحلة في التغيير، ليسوا العقل النير الذي اجتاح كل أوروبا وكان الدافع إلى بناء الدولة المدنية، هم ظلاميون كرؤية وكبرنامج مهما ادعوا من اعتدال لأنه لا يوجد إسلامي معتدل وإسلامي غير معتدل، هناك إسلامي وفقط. ستُدخلون مصر من باب عصر الظلمات، بابها "الثوري" الواسع، ولن تنهض لا هي ولا العالم العربي إلى الأبد.
- كل هذا صحيح، ولكن...
- ولأن كل هذا صحيح، ولن يكون غير هذا -في لغتكم اسم هذا "العولمة المضطلع بها" "المتناحرة الثقافات" "المهجنة"، وفي لغتنا "ضد الوطنية المصرية" "ضد سيادة الشعب" "ضد الاعتراف بإنسانيته"- نحن الماسونيين براغماتيون حتى النخاع، نريد حصتنا من كل هذا، إذا ما كان هذا الهذا في صالح الشعوب أو في طالحهم.
- القوة الثالثة التي حدثتك عنها بسرعة على الهاتف، نريدها نحن الأمريكيين لما رأينا أنفسنا نتراوح بين قوتين، النظام المستبد والإخوان المسلمين السلبيين.
- القوة الثالثة كما تقول، همهم القبط الأعظم، وهو ينظر إلى الشابة والشبان الثلاثة القابعين في زاويتهم شبه المعتمة يصغون ولا ينبسون ببنت شفة.
- القوة الثالثة، هتف السفير الأمريكي بحماس، ستدفع الإخوان المسلمين إلى أن يتبعوها، وتضع حدًا لمراهنتهم على النظام والتوازن معه، ليساهموا أخيرًا في انهياره، وهذه هي الخطوة الأولى.
- والخطوة الثانية، أكمل القبط الأعظم، تجاوز هذه القوة.
- أما الخطوة الثالثة، فأخذ الحكم.
- وإذا ما لم يكن الإخوان المسلمون بقدر الحكم؟
- سيأخذه الجيش، أقصد سيعيد أخذه، فالحكم دومًا ما كان بيد العساكر.
- ستحلون دكتاتورية محل أخرى.
- وهكذا إلى الأبد.
- لأن مشاكل مصر لا يوجد كحل لها...
- إلا هذا الحل.
- فهمت. ستأتون بالإخوان المسلمين لتبعدوهم، وتأتوا، فيما بعد، بخصومهم، فتنشب حرب أهلية تقسم مصر إلى مصرين أو ثلاث أو أربع، وتكون نهايتها ونهاية العالم العربي معها إلى الأبد، وإلى الأبد تكون لكم ثروات المنطقة ومقدراتها.
أنهى كل من الرجلين الهامين المهيمنين كأسه، ثم توجه القبط الأعظم بالكلام إلى الشبان الثلاثة والشابة:
- كاميليا، علاء، جمال، غالي، في المرة التي احتفلنا فيها بعيد شم النسيم، وهي الأهم، كم من الشباب استطعتم أن تجمعوا عن طريق الفيسبوك؟
- حوالي نصف المليون، همهم الشاب الذي قدم كأس الكونياك للقبط الأعظم.
- في كل مصر، أوضحت الشابة.
- أريد نصف مليون في القاهرة وحدها، أمر القبط الأعظم بسبابة مرفوعة قرب فمه، والشابة تحني رأسها كما يحني البوذيون رؤوسهم لتمثال بوذا، وكذلك يفعل الشبان الثلاثة. معكم ثلاثة أيام، وهي - مع الوسائل التكنولوجية اليوم - على ما أعتقد كافية.
رفع القبط الأعظم سبابتيه فوق رأسه كقرني الشيطان علامة الشجاعة، فقلب الشبان الثلاثة والشابة الفوطة البيضاء على ناحيتها السوداء، وبان رأس ميت. طووا إبهامهم لتجنب الخطر، ثم عملوا بأصابعهم النجمة السداسية علامة الإذعان بالطاعة، وبعد ذلك أخذوا طريقهم إلى باب الخروج، والقبط الأعظم يقول للسفير الأمريكي:
- لقد بدأت الثورة، يا سعادة السفير.
* * *
كانت أبولين دوفيل تحتسي كوب شمبانيا في زنزانتها الأمريكية، وهي ترتدي فستان التفتا الأبيض القصير عندما سمعت فجأة المفتاح يدور في قفل الباب، فاستدارت لترى من القادم. دخلت مس كين بصحبة الخادمة المحجبة، وهي ترفع المفتاح بيدها.
- ليس هذا لأن الحارس الأسود يثق بي، بدأت مس كين الكلام، فهم لم يعودوا يهتمون بك، ولكننا لن ننتظر أكثر، ربما طال الأمر، معهم أنت لا تدرين في أي خراء تعومين. ليس لدينا الكثير من الوقت، اخلعي فستانك الرائع، وارتدي حجاب بهية.
- بهية، همهمت أبولين دوفيل.
- هذه بهية، قالت مس كين، وهي تشير إلى الشابة المحجبة التي بدأت بخلع حجابها، إنها خادمة السفير، وأنا أعرضها للخطر.
- أنا من يعرض كلتيكما للخطر، قالت ضابطة المخابرات الفرنسية، ثم بعد ذلك سأحلم أحلامًا مزعجة.
أخذت مس كين تساعد أبولين دوفيل على خلع فستانها التفتا، وهذه تضيف:
- أنا أحلم أحلامًا مزعجة عندما أعرف أن من أحب في خطر، ولا أستطيع أن أفعل من أجله شيئًا. ماذا سيفعلون بك؟ ماذا سيفعلون بكما عندما يعلمون؟
- الوداع لعشرين سنة في السي آي إيه، هذا ما سيفعلون بي، أجابت مس كين، وبهية لسوف نربطها، ونعمل على أن يظنوا أننا أرغمناها.
- مارغريت، لسوف يؤذونك، وأنت لا تحتملين.
- ربما لا، فكل شيء سيكون في مصر كما يريدون، وبما أنهم لن يخسروا هذا البلد، هربك أو عدمه واحد بالنسبة لهم.
- هل أخلع ثيابي الداخلية؟ سألت بهية، وقد بدت ساحرة بشعرها الأسود المنسدل وكتفيها العاريين.
- لا، يا حبيبتي، أجابت مس كين، وهي تضمها بحنان، وتقبلها من خدها، ومن ثغرها. أشكرك، يا حبيبتي! سأكون وفية لك إلى الأبد، يا حبيبتي! وذهبت بالحجاب لأبولين دوفيل، وراحت تساعدها على ارتدائه، وآية الكرسي تلمع تحت الأضواء. أمسكتها أبولين دوفيل بأصابعها، وهمهمت:
- أنا لن أنساك!
- وأنا أيضًا لن أنساك!
ولما لم تفلح في لف رأسها بالشال، تدخلت بهية، وقالت:
- هكذا، هذا يُلف هكذا.
جذبت مس كين الشال من ناحيتي الوجنتين لتخفي وجه أبولين دوفيل أكثر ما يكون، وتنهدت:
- أتمنى أن يمضي كل شيء على ما يرام.
أخرجت من جيبها حبلين، أعطت واحدًا للفرنسية الشقراء، واحتفظت بواحد. عقدتا يدي بهية من ورائها وقدميها حول قدم السرير. قبلتها مس كين من فمها، وبعد ذلك بمنديل شقت فمها.
- هيا بنا، طلبت مس كين من أبولين دوفيل.
- والفستان التفتا؟ قالت أبولين دوفيل، وهي تحمله.
- خذيه! رمت مس كين. ستخفين به وجهك لو يلزم.
قالتا الوداع للمصرية الساحرة، وهذه تذرف الدموع الحرى، وخرجتا. لم يهتم الحرس بهما، وهما تمران بهم، حتى أن الحارس الأسود قد ناداها بعد أن أعادت له المفتاح، وتجاوزته عدة أمتار، فسقط قلب كلتيهما من شدة الخوف:
- مس كين!
- نعم، قالت دون أن تلتفت، وقد أبطأت وأبولين دوفيل السير.
- طاب مساؤك، يا مس كين.
- طاب مساؤك، يا سيرجنت براون، ردت عليه، وهي تدير رأسها، وتبتسم.
في الخارج، ركبتا سيارة فيات صغيرة، وانطلقتا في شوارع القاهرة، شوارع لا تعرف شيئًا عن نيزك سقط من أعالي السماء، واحترق، نيزك كان قدرها.
* * *
مضت المرسيدس بكورنيش النيل، فأنزل فرانك لانج زجاج النافذة، وأخرج رأسه. أراد أن يشم رائحة النيل في الليل، رائحة امرأة عارية، امرأة شبقة، تقضي الليل وحدها في السرير، وتنتظر حتى صعود الشمس، وعند ذلك تنام. امرأة عارية. رائحة امرأة عارية. أخذ يستنشق الهواء بلذة، وهو يغمض عينيه، ويبتسم. أحس بأصابع المرأة على وجهه، فمال برأسه، وهو يواصل الابتسام. داخ، وأخذ يلهث. كان محبورًا، أكثر الناس سعادة، وكان متيمًا. كان يحب أبولين دوفيل، وعاد يستنشق الهواء بلذة. وصله غناء من عَبّارة: أحبك يا مصر... كان الصوت حزينًا، ورجل التحري الخاص في ذروة السعادة. عندما فتح عينيه، وجد نفسه أمام أكبر ساحة في العالم، فتفاجأ، كان يظن أن النيل دومًا هناك. لم يسعده ذلك، وعاد يدخل رأسه.
- ساحة التحرير، قال السائق.
- والنيل؟ سأل فرانك لانج ممتعضًا.
- لقد تركناه خلفنا.
- لماذا؟
لم يفهم السائق، لكنه سمع رجل التحري الخاص يهمهم:
- كانت هناك امرأة، امرأة عارية.
- انظر، موسيو لانج، طلب السائق بنبرة قلقة أعادت فرانك لانج إلى الواقع، أولئك الناس الذين يتواردون.
كان بعض العشرات من الشباب في مجموعات قليلة يأتون من الشوارع الفرعية للساحة.
- إنهم يتنزهون، قال فرانك لانج دون مبالاة، هذا كل ما في الأمر.
- من الأفضل العودة إلى الفندق، نصح السائق.
لم يعارض رجل التحري الخاص، والمرسيدس تنهب شوارع القاهرة نهبًا، وهو يلتفت من حوله، ولا يرى ما هو غير عادي، لكن قلق السائق سيطر عليه. لم يعد يشم رائحة النيل، لم يعد يشعر بأصابع المرأة على وجهه، لم يعد يحب أبولين دوفيل. بدا له كل شيء غريبًا، ليس بسبب ليل القاهرة، ولكن كل شيء بدا له غريبًا. كل شيء. كل شيء بدا له ضائعًا. كان كل شيء يفلت، ويضيع، لهذا كانت غرابته. كان كل شيء يبدو غريبًا. كان كل شيء يبدو ضائعًا. لم تعد السيارة تنهب شوارع القاهرة نهبًا، فنظر إلى امرأة ورجل يتشاجران على الرصيف، واستدار برأسه، ليتابع المشهد من الزجاج الخلفي. كان كل شيء يبدو ضائعًا. وصله نباح كلب ضائع، فأقفل النافذة، وأمسك رأسه. كان رأسه ثقيلاً بثقل الرصاص. أنزله، وهو بين يديه، وعندما رفعه، والسيارة تبطئ أكثر فأكثر، رأى وجه امرأة يبتسم إليه من وراء الزجاج الأمامي. كانت إحدى عاهرات القاهرة. والمرسيدس تمضي بها، أخذت تقرع زجاج النافذة، فنظر فرانك لانج إليها، ورأسه دومًا بثقل الرصاص. ابتسمت له ابتسامة واسعة فيها كل شبق الموت، لكنه ظل جامدًا. لم يعد العالم غريبًا، كان هو الغريب.
كانت المرسيدس قد توقفت أمام الهيلتون منذ عدة ثوان دون أن يشعر بذلك.
- موسيو لانج، سأجيء في صباح الغد الباكر إن شاء الله، قال السائق.
- طيب، إلى الغد، همهم فرانك لانج، وهو يخرج من السيارة.
بقي عدة دقائق واقفًا على الرصيف، وهو لا ينظر إلى شيء على التحديد، لم يكن يمكنه النظر إلى شيء، لم يكن يمكنه التفكير في شيء، بقي واقفًا هكذا. رفع رأسه إلى أعلى، فرأى سماء القاهرة ككل سموات العالم. عند ذلك، اتجه نحو باب الهيلتون. حياه البواب، فرد عليه التحية. أعطاه شاب الاستقبال المفتاح، وتمنى له مساءً طيبًا. وهو في المصعد، فكر في أبولين دوفيل. ظن أن ذلك لم يحصل منذ زمن بعيد، فلام نفسه، وعزم على تحريرها من زنزانتها الأمريكية.
أغلق باب حجرته، واستدار، فإذا بها تخرج من وراء باب داخلي بفستان التفتا الأبيض، كلعبة خزفية. أمام ارتباكه، قالت:
- كانت لدي كلبة صغيرة أحبها ضاعت منذ عشر سنين، وأنا لم أعد أطيق الانتظار أكثر، أريد أن أجدها.
- كابتن دوفيل، قال فرانك لانج بنبرة المتحير، هل أطلقوا سراحك؟
- أنت لم تفهم إذن عدم صبري من أجل البحث عن "ريري"، إنه اسم كلبتي، ريري.
- وكيف تمكنت من الهرب، سأل رجل التحري الخاص، وكلاهما يقترب من الآخر.
- سأشرح لك فيما بعد، قالت، وهي تمسك بيده.
- السائق غادر منذ قليل على أن يعود غدًا صباحًا، أوضح، وهو يقبّل يدها.
- لا يمكننا البقاء هنا ثانية واحدة على فرض أنهم سيكتشفون أمر هربي بين لحظة وأخرى. إنهم جهنميون.
- سنذهب إذن في الحال.
واتجها إلى الباب، وهو لم يزل يمسك بيدها، ويقول هاشًا باشًا:
- أنت رائعة الجمال!
- أشكرك، أيها الفطر.
- الأحمر لونك كالأبيض ككل الألوان، أنت رائعة الجمال بالفعل!
ضحكت بسعادة.
قطعا الممر حذريْن، وأخذا الدرج، وحاولا ألا يلمحهما شاب الاستقبال، لكن البواب رآهما، وهما يغادران الهيلتون كلصين، فرفع تلفونه المحمول، وتكلم مع أحدهم.