القسم الأول

3 0 00

القسم الأول

لم يتوقع فرانك لانج كل تلك الحركة غير العادية في مدينة شاتني مالابري، مدينة صغيرة من مدن أعالي نهر السين، وعند تلك الساعة المتأخرة من الليل. كانت السيارات في ذهاب وإياب، يزمر سائقوها دون سبب، حسبما بدا له، ويسرعون دون دافع، كما ظن، وكانت الأرصفة مليئة بالناس، دون هدف، مثلما تخيل، بينما تبدو على وجوه الجميع أمارات القلق. كان الجو باردًا، والناس لا يبالون بمساء بارد من مساءات شهر يناير، وعلى وجوه الجميع تبدو كل تلك الأمارات من القلق. هل يكون هذا بسبب قداس منتصف الليل في الكنيسة القبطية، وما يوجب ذلك من اتخاذ إجراءات مشددة؟ بعد اعتداء الاسكندرية الذي أودى بحياة عشرات الأقباط، كل شيء متوقع، كل شيء ممكن، السيارات المفخخة، الذئاب المتوحدة، القنابل الموقوتة. أليست اليد الأجنبية، كما يشيع النظام، بكافية عبادها من المجرمين الفعليين؟ خذوا إذن كل هذا بالمقابل. كل شيء متوقع في كل مكان من العالم، كل شيء ممكن بالمفهوم الأمني في زمن نهاية الحضارات. تعال، قالت له أبولين دوفيل على الهاتف، ربما احتجت إليك. لأول مرة تطلب منه ضابطة المخابرات الخارجية المجيء، ولأول مرة لا يد للصدفة في شيء. لم يحيره طلبها، شيء طبيعي أن يتعاون أصحاب المهنة ما بينهم، وتمنى رجل التحري الخاص لو يكون هناك أكثر من ذلك بينه وبين الشقراء الساحرة. هذا ما كان يتمنى. أن يكون هناك أكثر من عون صغير يقدمه لها، وألا يقف الأمر عند هذا الحد. لكن نعومة نبرتها التي لم يعتد عليها جعلته يفكر في أن هناك خصمًا خطره كبير لم تكن أبولين دوفيل قادرة على التصدي له وحدها، كان الخطر كبيرًا، وكانت أضواء مصابيح الأعمدة ضعيفة في الناحية التي كان هناك موعدهما، والناس ما زالوا كما رآهم في كل مكان، دون هدف، تبدو على وجوه الجميع أمارات القلق، والسيارات ما زالت كما التقاها في كل شارع، يزمر سائقوها دون سبب، ويسرعون دون دافع. عبرت مرسيدس مزينة بأكاليل الزهور بأقصى سرعة، وهي تطلق أنغام الفرح، فتحير في أمره. أوقف فرانك لانج سيارته الفيراري الحمراء فوق الرصيف، ودخل مقهى "كأس الجعة"، فوجد الزبائن فيها قيامًا قعودًا. كانوا يشربون، ويدخنون، وبعض الثملين يتمايلون في زاوية نصف معتمة على أنغام الساكسفون والبيانو. ضرب كتفه بكتف أكثر من واحد، وهمّ بالجلوس على أول مقعد يجده فارغًا، كان لا يريد الجلوس، لكنه فكر في كل أولئك الناس الذين يقومون، ويقعدون، وفي اللحظة ذاتها لاحظ أبولين دوفيل، وهي تشير إليه. كانت تأخذ كأس جعة على طاولة الشرب، والنادل لا يجد الوقت ليمسح عرقه عن جبينه.

- هل كل هذا بسبب ما يجري في الكنيسة القبطية؟ رمى فرانك لانج قبل أن يصل قرب شقراء المخابرات الخارجية دون أن تسمعه.

- ماذا تقول؟

- سألتك إذا ما كان كل هذا القلق غير المعهود لسكان شاتني مالابري بسبب ما يجري في الكنيسة القبطية.

ترك جار أبولين دوفيل مقعده العالي، فاحتله رجل التحري الخاص، وأبولين دوفيل تعلق ساخرة:

- في أي بلد تعيش، لانج؟

- الحق أنني مع كل شاتني مالابري القائمة القاعدة على مثل هذه الصورة لست أدري.

وتوجه إلى النادل الذي يلبي الطلبات دون توقف:

- كأس جعة لو سمحت.

- شقراء؟

- وهل هناك ما هو أفضل؟

ضحكت أبولين دوفيل:

- لماذا لا تتوقف عن التحرش بي؟

- تعرفين لماذا أم يسرك أن أقوله لك دومًا؟

- هل أعذبك خلال نومك إلى هذه الدرجة؟

- تعذبينني؟ تهلكينني كابتن دوفيل، تَجْزِرينني، تميتينني.

ضحكت أبولين دوفيل من جديد:

- ولكنك لست رجلي، أيها الفُطر!

- سينتهي بي الأمر إلى أن أكون فُطرًا من أجل حب عينيك.

- لكنني لا أحب الفُطر، أيها الفُطر!

- يكفي أن يحبك الفُطر هو.

- سأبوح لك بسر.

- ما هو؟

- ولكن لا.

- قولي بالله عليك.

- ستغضب.

- قولي وسنرى.

- اشرب جعتك.

- يا لهذا النادل العفريت! لم أنتبه إليه! منذ متى وجعتي بانتظاري؟

- منذ وقت ليس بالبعيد.

- مع كل هذا العالم!

- إنه جهنميّ.

- إنه جهنميّ بالفعل.

- ومن قال يا أشيطن يكون مستوجب نار جهنم.

- لم تقولي.

- لا تريد أن تعرف لماذا الناس هنا ليسوا كغيرهم هذا المساء.

- بعد أن تقولي.

- لقد وجدت رجلي، وسأرحل معه بعيدًا عن كل هذا إذا ما تم كل شيء على ما يرام الليلة.

- إذا ما تم كل شيء على ما يرام الليلة.

- لا يبدو عليك التأثر.

- وإذا ما لم يتم كل شيء على ما يرام الليلة؟

- والشيء الآخر.

- الشيء الآخر؟

- شاتني مالابريه التي ليست شاتني مالابريه.

- الشيء الآخر. نعم، لماذا؟

- لأن رئيس البلدية يزوج ابنته.

- رئيس البلدية يزوج ابنته، تشرفنا.

- أمرك غريب كرجل تحر خاص.

- رجل تحر خاص نعم، ولكن ليس في كل شيء، ما عدا...

- وما تشربه على حسابه.

- بجد ما قلته لي؟ وجدت رجلك؟

- وما تشربه على حسابه.

- على حساب رئيس البلدية؟

- لهذا السبب هو رئيس بلدية.

- أرى ذلك.

- ترى ذلك.

- وما قلته لي بخصوص رجلك الذي وجدته بجد؟

- سيجيء يوم ويصبح بجد.

- لقد ارتعدت فرائصي من الخوف.

- تقول بجد؟ من الخوف؟

- أنا خواف لما يتعلق الأمر بشئون القلب.

- ابتعد عني، لانج، ابتعد عني كثيرًا أحسن لك.

- أحسن لي؟

- أحسن لك.

- سأحاول. ولكن...

- هذا المساء لشاتني مالابري ليس كغيره.

- سأبوء بالفشل.

- هذا المساء الكل يريد أن يشرب الجعة.

- لهذا لن أحاول.

- لن تحاول.

- ولماذا إذن كل أمارات القلق هذه؟

- لأن سكان شاتني مالابري لا يريدون أن ينغص عليهم ما يجري في الكنيسة القبطية لحظة من أسعد لحظات حياتهم، هذه اللحظات القليلة في حياتهم.

- ماذا لديك، كابتن دوفيل؟

- أنت لا تفكر سوى في النوم معي.

- هل الأمور خطرة إلى هذه الدرجة؟

- معنا الأمور دومًا خطرة.

- ليست بخطورة ما جرى في الاسكندرية.

نظرت إليه نظرة طويلة، ثم أنهت كأسها دفعة واحدة، ونهضت:

- سأذهب. علينا ألا نُبدي أننا معًا.

- خاصةً لا تقولي شيئًا.

ذهبت، فناداها:

- كابتن دوفيل.

لكنها ضاعت بين الرواد.

شرب فرانك لانج كأسه على أنغام الساكسفون الزاعقة، وطلب أخرى، أخذ منها جرعة بطيئة، ثم جرعتين سريعتين. ترك ورقة نقدية كبيرة للنادل، وعجل في مغادرة المقهى، والنادل ينقل الورقة النقدية بإصبعين دهشتين، فرئيس البلدية من يدفع، وهو ينظر في الاتجاه الذي ذهب منه رجل التحري الخاص.

* * *

ترك رجال الأمن فرانك لانج يمضي بسيارته الفيراري إلى غير بعيد من مدخل الكنيسة القبطية، كنيسة أشبه بكباريه، سقفها على شكل قبعة الفارس الملكي. كانت السيارات الرسمية كثيرة، والحواجز، والكلاب، وكان المدعوون والمؤمنون يختلطون ببعضهم، فلم يُعرف هذا من ذاك. رأى رجل التحري الخاص رجال الدرك، وهم يبطحون أحدهم في طرف الفناء، ويكبلونه، وهذا يصرخ بفرنسية مكسرة أنه قبطي، وأنه جاء للاحتفال بنويل القبطي في السابع من يناير، أليسه السابع من يناير؟ نويل القبطي الذي له، وليس الذي لهم، الأوغاد! فأوسعه رجال الدرك ضربًا لما ظنوه يسبهم، والرجل يصرخ إن الأوغاد هم، وليس أنتم، أصحاب اللحى، المجرمون، قتلة أبرياء الاسكندرية، دون أن يتوقف رجال الدرك عن ضربه.

في الداخل، كانت قاعة الكنيسة تعج بالحاضرين، وكان الكثير منهم وقوفًا في الممرات الجانبية، وهم صامتون، كان القلق يغزو وجوههم دون التهيج هذا صحيح، لكن القلق كان يبدو على الوجوه، وكل الوجوه كانت عابسة على عكس وجه المسيح الباسم في اللوحات المعلقة على الجدران، مسيح أسمر كالمصريين، أقرب إلى أسود "بانانيا" الشاب، وهو بين أيدي حَوارييه، حَواري من حَواري الصعيد تحت عمائمهم وجلابيبهم، عمائمهم البيضاء وجلابيبهم الثقيلة، أو إلى "بيبيتو" الطفل، وهو بين ذراعي أمه، أم من أمهات الصعيد تحت شالها ومُلاءتها، شالها الأبيض ومُلاءتها الفضفاضة. أما تماثيل المسيح، فكانت آية من آيات الفن الفرعوني، وكأن رمسيس الثاني قد عاد في ثوب الابن المادد سبابته ليبارك من هم في بيته. بحث فرانك لانج بعينيه عن أبولين دوفيل دون أن يجدها، فقال لنفسه إنها في مكان ما كعادتها. لكنه لم يكن مطمئنًا، خاصة بعد أن تقدم أقرب ما يكون من الشخصيات الهامة التي تحتل الكراسي الأمامية، ورأى وزير الداخلية، ورئيس مجلس المنطقة، وممثل الإليزيه، والحاخام الأكبر، وكاردينال نوتردام، وإمام مسجد باريس، وليس بعيدًا منهم كان رجل طويل القامة يخفي وجهه في ظل قبعة. لم يكن مطمئنًا. كان يفكر في أبولين دوفيل، ولم يكن مطمئنًا. استعاد نظرتها قبل أن تتركه منذ قليل، وبدا له أن نظرتها كانت باهتة. كل أبولين دوفيل كانت باهتة، كانت أبولين دوفيل باهتة، ولم تكن تتألق ذهبًا وألواناً. معنا الأمور دومًا خطرة. قالت. لم تقل ما هي. الأمور، لم تقل ما هي. الأمور دومًا خطرة هذا صحيح، ولكن هناك أمور خطرة وأمور خطرة. هناك أمور خطرة إلى حد المغامرة بالنفس، وهناك أمور فقط خطرة. معنا. مع أفراد الدي جي إس إي التي هي واحدة منهم. أفراد المخابرات الخارجية. معنا. ليس معي ومعها. معها ومعهم. لم تقل معي ومعك على الرغم من كل ما أفعله من أجلها، الكافرة بالنعمة، فنحن الاثنان يساوي المرء ما بيننا دون تمييز. ليس هذا لأنها تحتاج إليّ. ليس هذا من أجل خدمة صغيرة أقدمها. أبولين دوفيل تعرف هذا تمام المعرفة، تعرف هذا، وتتجاهله لمناكدتي. هل يعني هذا أن الأمور ليست خطرة؟ ليست خطرة إلى حد المغامرة بالنفس أم فقط ليست خطرة؟ واستعاد من جديد نظرتها الباهتة. يا إلهي! بل هي خطرة، الأمور جِدّ خطرة.

دخل أسقف الكنيسة أول ما دخل أمام مجموعة من سبعة كهنة، وهم يرتدون الثياب المزوقة، ويضعون على رؤوسهم القبعات المطرزة، ويحملون الصولجانات المبرنقة. أخذوا أماكنهم في الجناح المواجه للحاضرين، وهم يحنون رؤوسهم، ولا ينظرون إلى أحد. وبعد مضي عشر ثوان من الصمت الثقيل، رفع الأسقف رأسه، وحط بعينيه على وزير الداخلية الذي وقف في الحال، وراح يقول:

- يسعدني أن أكون هنا بين إخوتي الأقباط، وأن أشاركهم فرحة نويل على الرغم من كل شيء، ويهمني أن أقول على مسمع الجميع إن رجالي يسهرون على حمايتكم، وهم لن يدخروا وسعًا في سبيل ذلك، والآن أترك الكلام إلى ممثل السيد رئيس الجمهورية.

وجلس بينما وقف ممثل رئيس الجمهورية، وبعد أن انحنى بين يدي أسقف الكنيسة، قال:

- أريد أن أوصل إليكم رسالة شخصية من السيد رئيس الجمهورية، رسالة فحواها التضامن مع الجالية القبطية في فرنسا بعد كل ما وقع في الاسكندرية، وعبر السيد رئيس الجمهورية فرنسا بأكملها.

وجلس بينما وقف رئيس مجلس المنطقة الذي تلفت حواليه قبل أن يتوجه بالكلام إلى الأسقف القبطي:

- بوصفي رئيسًا لمجلس المنطقة أعزي الكنيسة القبطية بضحايا الاسكندرية وفي الوقت ذاته أهنئها بمولد السيد المسيح.

وجلس ثم نهض ليضيف:

- وأقول لمواطنينا الأقباط نحن هنا في خدمتكم ويا ليتنا كنا نستطيع أن نفعل شيئًا من أجلكم هناك، وشكرًا.

عاد يجلس، وهو يتلفت حواليه، بينما الحاخام والكاردينال والإمام يهزون رؤوسهم علامة الموافقة الإجماعية، وفي نفس اللحظة خفتت الأضواء، ودخلت كاهنات الكنيسة السبعة من باب جانبي، وهن يرتدين الثياب المزوقة كالكهنة، وثلاث منهن يحملن آلاتهن الموسيقية: جنك، وطبل، وقيثار. بدأن العزف والترتيل، والأسقف يقول، وهن يعدن من ورائه:

أنت كالشمس تولد كل يوم

أنت كالشمس تموت كل يوم

أنت كالشمس تشرق كل يوم

أنت كالشمس تغرب كل يوم

أنت كالشمس تضيء كل يوم

أنت كالشمس تظلم كل يوم

أنت كالشمس تُدفئ كل يوم

أنت كالشمس تُبرد كل يوم

أنت كالشمس تخصب كل يوم

أنت كالشمس تعقم كل يوم

دخلت سبع راقصات، وهن يتزوقن بكثير من الأسود والأحمر والأخضر والأبيض، ويرتدين الثياب الشفافة، ويعقصن شعرهن بدبوس، وأخذن يرقصن على إيقاع الموسيقى. تبادل الأسقف ورجل القبعة نظرات متسائلة، في البداية، ثم وجلة، إلى أن دخلت أبولين دوفيل كربة من الربات في ثياب الرقص الشفافة، والتحقت بالراقصات الأخريات، اللواتي رحن يملن بمفاتنهن على الأسقف، والأسقف يمسح عرق جبينه. توقفت الموسيقى فجأة، وكل الراقصات ارتمين على قدميه، وكل المؤمنين اعتمدوا على ركبهم. تلفت رئيس مجلس المنطقة حواليه، وأشار إلى زميليه بالركوع كما فعل غيرهم. وبينما كان الكل في حضرة الأب خاشعًا، رفع الأسقف أبولين دوفيل من ذقنها، وبعد أن تأملها مليًا، سحبها من ذراعها، وغادر معها القاعة. عادت الكاهنات إلى الترتيل مع الكهنة هذه المرة، كهنة لم يرفعوا رؤوسهم مذ حضروا، والعازفات إلى العزف، والراقصات إلى الرقص، كان رجل القبعة قد اختفى، فخف فرانك لانج إلى عالم الكنيسة الخفي متعقبًا آثاره.

* * *

في الطابق السفلي للكنيسة، ابتعد الترتيل، وكأنه يجيء من فجر التاريخ. كانت الأضواء خافتة في الممرات، والشموع كثيرة هنا وهناك، وكانت تماثيل كثيرة للأب بعضوه العالي، أحيانًا لوحده، وأحيانًا مع العذراء العارية، وفي أوضاع مختلفة. كانت للأب هيئة الصعيدي الهمجيّ، وللعذراء هيئة المصرية المسكينة المستكينة المستسلمة لقدرها. لم يكن هناك أي تمثال للابن، ولا أية صورة، ولكنه كان يعوم في بعض الأيقونات كما لو كان يعوم في بطن أمه، وهو يبتسم ابتسامة بلهاء أو يبارك بسبابته العالم، ولما يأتي بعد إلى العالم.

على باب إحدى الحجرات، نظر الأسقف من ناحيتي الممر خوفًا من أن يكون أحدهم قد تبعه، ثم زلق يده تحت ظهر أبولين دوفيل، ودفعها، لتجد نفسها مقابل رجل القبعة، وهو يشهر مسدسه عليها.

سقط الأسقف على قاعدة تمثال الأب، وهو يهمهم شاكرًا ممتنًا:

- كما أرسلتني إلى العالم، أرسلتهم أنا أيضًا إلى العالم.

- لا تفرح قبل الأوان، نبرت ضابطة المخابرات الخارجية.

لكن الأسقف عاد يهمهم:

- أنا معكم كلكم كل يوم وحتى نهاية الأزمان.

فصاح رجل القبعة:

- هلا خرست لحظة واحدة، يا دين الرب!

والأسقف يواصل الهمهمة:

- ولكن أيها المبتئسون، الروح القدس التي سيرسلها الأب باسمي ستعلمكم كل شيء، وستذكركم كل ما قلته لكم.

- يا دين الرب، ويا دين الرب، لست الروح القدس، يا دين الرب!

- الروح الدنس، رمت أبولين دوفيل، أنتم كلكم في السي آي إيه.

نهض الأسقف، وبحركة مسرحية حمل أيقونة تحبل بالمسيح، وراح يخاطبها:

- وصارت الكلمة لحمًا، وسكن ما بيننا هو النعمة والحقيقة.

- قلت لك أن تخرس، يا حقيقة قفاي!

شد الأسقف الأيقونة إلى قلبه، وانتظر صامتًا، لكن القلق لم يغادر محياه.

- نعم، هكذا، وحتى نهاية الأزمان، بصق رجل السي آي إيه.

- أعد مسدسك إلى جيبك، وسنتفاهم أنا وأنت، سنجد مرتعًا خصبًا لنا ولكم، طلبت أبولين دوفيل.

- سنجد ماذا؟ كلامًا خلابًا؟ لنا ولكم، يا قفاي؟

- إذا لم أخرج من هنا في الحال، عرف الكل أن هذا الأسقف الخرع لم يُقتل، وجاء كل جهاز الأمن على رأسه وزير الداخلية لنجدتي.

- وزير الداخلية؟ إخوتي الأقباط؟ حلوة هذه مضاجعتكم!

- حلوة أم ليست حلوة أنت تعرف جيدًا ما تريده السياسة التي غالبًا لا علاقة لها بالأخلاق.

- أنتم تسعون وراء ضرب الأقباط بالإخوان المسلمين كما فعل النظام عندما قتل أبرياء كنيسة الاسكندرية، وأوحى إليهم بأنهم هم، واليوم عندما تقتلون باتفاق مع النظام أسقف قفاي هذا، وتوحون إلى العالم بأنها يد الشيطان، يدهم، فتكون المذابح بين المصريين، ويكون الرابح الوحيد النظام، أنتم، لكن البيت الأبيض لا يريد كل هذا، نحن الأمريكيين نسعى لتحقيق هدف التغيير في مصر، ولن يكون هناك تغيير إلا باتفاق الخريتين المسيحية والمسلمة.

- الإخوان المسلمون، هذا هو التغيير.

- حتى وإن كانوا الإخوان الشياطين.

- النظام أقل شيطانية، لهذا نحن معه.

- مقتل أسقف قفاي هذا لن يبدل شيئًا كبيرًا، الثورة على الطريق، وستجرف كل شيء.

- سيبدل.

عاد الأسقف يشد الأيقونة إلى قلبه، ويبتهل إلى ما لا نهاية.

- خصومه في البطركية سيكونون الرابحين الوحيدين بعد الإنهاء على أكثرهم ترشيحًا لخلافة قداسة بابا قفاي.

- وما المزعج في الأمر؟

- وإذا كان الخلف كالسلف لاحسًا لقفا النظام؟

- هكذا نوفر على المصريين مآسي الإخوان المسلمين.

- على الإخوان المسلمين أن يحكموا.

- على النظام أن يبقى.

- على الإخوان المسلمين أن يحملهم الشعب على أكتافه إلى سدة قضيبي.

- على النظام أن يبقى في سدة الحكم.

- على الإخوان المسلمين أن يجربوا حظهم، خراء!

- على النظام ألا يعطيهم أي حظ، خراءان!

- لن نتفق.

- سنتفق.

- لن نتفق.

- سنتفق.

- لن نتفق، يا دين الرب!

- سنتفق، يا دين الكلب!

دفع فرانك لانج الباب بقدمه، وأردى رجل القبعة قتيلاً، بينما قفزت أبولين دوفيل على الأسقف، وهي تنزع الدبوس من شعرها، وتغرسه في عنقه. وقعت الأيقونة، وتحطمت إلى ألف قطعة. تأكد رجل التحري الخاص من مصرع رجل السي آي إيه، فسمعها تقول:

- تأخرت كثيرًا، أيها الفُطر.

- بسبب تماثيل الأب المثيرة في الممرات.

- يا لك من منحرف!

- هذا شيء أقوى مني، يا عزيزتي.

- كنت أعرف أنك لن تتخلى عني، لانج، أبدًا لن تتخلى عني.

- وهذا الذي يأخذ مكاني بين ذراعيك، ماذا سنفعل به؟

عاد الأسقف إلى ابتهالاته، والعرق يتصبب من جبينه.

- المخدر في الدبوس لا يؤثر فيه.

- لنتركه، ونذهب.

دفعته عنها بعيدًا، والأسقف يداوم على الابتهال.

- سيحبط مسعى النظام، هذا صحيح.

- اليد الأجنبية، أليس كذلك؟

- ذريعة أردنا تأكيدها، لكن النظام جهنميّ، سيجد الكثير من الذرائع الأخرى.

- هذا الأسقف الخرع لنتركه، ونذهب، قلت لك.

توقف الأسقف عن الابتهال، وراح يشكر، ويشكر.

- ولكن ماذا سنقول لهم في القاهرة؟

- هذا لأننا سنذهب إلى القاهرة؟

- بمقتل هذا الأسقف الخرع أو بعدم مقتله النظام سينهار إذا ما لم نقف إلى جانبه.

- ليس من طبيعتي أن أدعم الطغاة.

- سنحاول التحاور حيث الثقافات لا تتحاور.

- ستقولين لي داعي المصلحة العليا.

- لن أقول لك بما أنك قلته.

تقدم بمسدسه حتى رأس الأسقف، وهذا يهمهم الرحمة الرحمة! كانت أبولين دوفيل قد اتجهت إلى الباب.

- ألن تأتي؟

- لن نترك شاهدًا من ورائنا.

- ولكن، كنت تقول...

- نعم، كنت أقول، وبدلت رأيي.

- الأمريكان لن يعترفوا برجلهم مقتولاً.

- وماذا سنقول لهم في القاهرة؟

- سنقول لهم وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم.

ضربه بمسدسه على دماغه، فسقط رجل الدين مغشيًا عليه، وسارع رجل التحري الخاص بمغادرة الكنيسة مع شقراء الدي جي إس إي، دون أقل مخاطرة.

* * *

قطعت الفيراري الأوتوروت بسرعة هائلة، كانت أبولين دوفيل في ثيابها الشفافة صامتة، طوال الوقت صامتة، إلهة الضوء والجمال كانت طوال الوقت صامتة. لم تكن تنظر إلى فرانك لانج، ولم يكن فرانك لانج ينظر إليها. كان فرانك لانج يفكر في الطائرة الخاصة التي سيستقلانها من مطار رواسي إلى القاهرة، أما هناك في القاهرة ماذا سيجري كان رجل المباحث الخاص لا يريد أن يعرف. كان يقود بسرعة جنونية، لا لسبب، فالطائرة لن تقلع دونهما إذا ما تأخرا، ستقلع في الوقت الذي سيصلان فيه، لكنه كان يقود بسرعة جنونية. في ليل الأوتوروت كان كل شيء يبدو جنونيًا، وكان كل شيء يذهب بالوقت إلى نهايات الدنيا.

سمعها تقول دون أن تنظر إليه:

- اعتقلوها وعذبوها لأنها رفضت إنكار عقيدتها.

لم يفهم:

- عمن تتكلمين؟

- عني.

- عنك؟

- لكنها رمت بنفسها في المحرقة.

- تقصدين... أي خراء كل هذا!

- أي خراء كل هذا!

- هذه السويداء ليست من طبيعتك.

- لم أفقد بعد اعتقادي بالحظ الذي لي.

- الحظ. هل هناك حظ حقًا؟

- وأنا كنت صغيرة كنت لا أُطاق، كنت خرّاية، وكنت أقوم بأفعال خطرة أحيانًا، وأنجح، فيقولون بسبب الحظ الذي لي.

- والثقة أين مكانها في كل هذا؟

- الثقة شيء آخر، الثقة لأنك محظوظ، لو لم تكن محظوظًا لما كنت واثقًا.

كان على وشك الوصول إلى المطار، وكانت الأضواء تتشتت أمام مصابيح الفيراري، فلم يكن ذلك ليريح فرانك لانج. نظر إليها من طرف عينه، وبدا له أنها ترتعش.

- سأشعل السخان، قال رجل التحري الخاص.

- السخان مشتعل، قالت ضابطة المخابرات الخارجية.

- كنت أظن...

- يحصل أن أرتعش عندما أشك في الحظ الذي لي.

أوقف فرانك لانج فيراريه عند سلم الطائرة الخاصة، فجاء من أخذ المفاتيح منه، وذهب بها بعيدًا عن الأنظار، بينما تمنى لهما كولونيل حظًا طيبًا.

في الطائرة الخاصة، استقبلهما ثلاثة مضيفين ومضيفة بفيض الابتسامات والتحايا. رافقت المضيفة أبولين دوفيل إلى غرفة نوم فيها خزانة ملأى بشتى أنواع الثياب النسائية والرجالية، وقالت لها أن تختار ما تشاء منها بعد الإقلاع. أجلستها على كنبة مريحة، وربطت حزامها. حملت لها علبة إزالة المساحيق عن الوجه، وفتحتها على مرآة. تناولت محرمة مخضلة بالعطر، وراحت تمسح بها الكحل عن عينها، ثم نزلت بالمحرمة إلى وجنتها، فثغرها، وبسبابة شبقة مست شفتيها، وانحنت لتأخذهما بشفتيها، إلا أن أبولين دوفيل أدارت رأسها. داعبتها المضيفة من عنقها، ومن ثديها، ومن بطنها، وسقطت بأصابعها على فخذها، ثم أعطتها ظهرها، وقبل أن تغلق الباب ألقت عليها نظرة متيمة. كان أحد المضيفين قد رفع السلم، وأغلق الباب الخارجي، ومن تلفون داخلي أعلم القبطان بذلك. اهتم المضيفان الآخران براكبهم المحظوظ، فأجلساه هو الآخر على كنبة مريحة، وربطا حزامه، وقرّبا منه سلة الجرائد والمجلات. أخذت الطائرة الخاصة تتحرك، فترامى المضيفون الثلاثة في مقاعد متفرقة، وربطوا أحزمتهم. كانت المضيفة قد عبرت الصالون إلى المطبخ، وهي تبتسم أجمل ابتسامة، ومن المطبخ إلى حجرة القيادة. ابتسم لابتسامتها القبطان، وابتسم لابتسامتها مساعده، وأخذت مكانًا خلفهما. أخرجت تلفونها المحمول من جيبها، وأرسلت رسالة قصيرة "سنقلع بعد عدة ثوان". نبهها القبطان إلى ربط الحزام، فارتبكت، وهي تعيد تلفونها المحمول إلى جيبها، ولم تبتسم هذه المرة. "هل هو حبيبك؟" رمى القبطان. "ليس أنا" رمى مساعده. فجأة، عجلت الطائرة الخاصة الحركة قبل أن ترتفع، وتحلق في الأجواء تحليق الطائر الفولاذيّ. عند ذلك، فك المضيفون الثلاثة أحزمتهم، وجاءوا لفرانك لانج بأجود أنواع الشمبانيا وأفخر أصناف المقبلات، كما جاءت المضيفة للطيارَيْنِ بالشيء نفسه. لم تتأخر أبولين دوفيل عن الخروج من غرفة النوم، وهي تنعم بماكياج خفيف، وترتدي كنزة حمراء وجينز يضغطها ضغطًا، فيبين وسطها السفلي، وكأنه نُحِتَ نَحْتَ تماثيل آلهة الإغريق. ابتسم فرانك لانج لكل هذا الخلق الربانيّ، وابتسم المضيفون الثلاثة، وقدموا كوب شمبانيا لضابطة المخابرات الخارجية، وهم يتسابقون على خدمتها، والمضيفة تلقي عليها من بعيد نظراتها المتيمة.

* * *

فتحت المضيفة عينيها، والظلام يخيم على كل مكان داخل الطائرة الخاصة. كان القبطان ينام في مقعده بعد أن أنزل مسنده، ومساعده يقود بانتظار أن ينام بدوره. وقفت المضيفة، فأدار المساعد رأسه، وابتسم لها، فلم ترد على ابتسامته بالمثل. قطعت المطبخ إلى الصالون، ورأت كيف ينام المضيفون ملء جَفْنَيْهِم. تقدمت على رؤوس أصابع رجليها من فرانك لانج، كان هو الآخر يبدو عليه النوم ملء جَفْنَيْهِ، جاكيته معلق، ومسدسه مدلى على خاصرته. مدت يدها إلى المسدس، وداعبته بأصابع متوترة، ثم ما لبثت أن تركته إلى غرفة النوم، وهو يفتح عينيه، ويتابع خطواتها. فتحت باب غرفة النوم بحذر، وأغلقته بحذر. على الأرض، تعثرت بالكنزة الحمراء، وبالجينز الضيق، وبباقي ثياب أبولين دوفيل الجنونية. كانت كابتن الدي جي إس إي تنام بكل عراء العالم، وهي تعطي للعالم ظهرها المنحوت بإزميلِ مجنونٍ فقدَ عقله بعد أن وقع في حب ما صنع. كان يكفي النظر إلى كل ذلك الرخام الحي لتعوي كل الرغبات، لتتفجر كل البراكين، ليتحول الوحش الذي في الإنسان إلى أفاعٍ وعقارب وتماسيح. مرت عليها بيديها الاثنتين، وهي تَنْخُرُ كخنزيرة، ولسانها يتدلى ككلبة. أخذتها من فخذيها، وصعدت، ومن رِدْفيها، وصعدت، ومن خاصرتيها، وصعدت، ومن كتفيها، و... أدارتها، فإذا بالإلهة تنقض على شفتي العابدة، وتقبلها قبلة الفسق الشهيّ. خلعت لها كل ثيابها في لمح البصر، وجعلتها تغوص في تقوى المعاصي، كل ذلك الجسد الإلهيّ كان رجسًا وصدقًا. ومن الباب المفتوح قليلاً، كان فرانك لانج يشاهد أجمل عناق على وجه الأرض، ولم يكن رجل التحري الخاص سعيدًا، كان فرانك لانج تعيسًا، فكل ذلك الجسد كان خداعًا وأمنًا، كل ذلك الجسد كان سرابًا ورشادًا. ظل ينظر إلى التغير في الكيف مع بقاء الصورة النوعية، فأحس بعطش شديد. كان الملح على لسانه، ولم يكن يبحث عن الماء، كان يبحث عن الشمس في الصحراء، والشمس في الصحراء في كل مكان. قال فرانك لانج لنفسه: هكذا تولد الأديان. أقفل الباب بهدوء، وعاد إلى مكانه. نظر من الكوة، كان الظلام يبتلع السماء، وكان جناح الطائرة كجذع شجرة ملقى في الفضاء. استحالت الرؤية، وهو، كرجلِ تحرٍ، أقلقه ذلك. كان تعسًا منذ قليل، والآن ها هو قلق. كان قَلِقًا كناس شاتني مالابري. فكر فيها، في أبولين دوفيل. لم تكن ضابطة الدي جي إس إي قلقة، لم تكن تعسة، كانت جسدها العاشق. كانت جسدها. كانت جسدها على الأرض وفي السماء. العاشق. جسدها. كانت جسدها العاشق، لم تكن العاشقة. كانت الجسد العاشق. الجسد العاشق مع الجسد العاشق. كأنه شخصه بالذات. الجسد العاشق. كأن الجسد العاشق شخص الجسد العاشق. بالذات. لهذا كانت أبولين دوفيل ربانية في جسدها. كل هذا الجمال. كل هذا السحر. كل هذا الذكاء. كانت ربانية في جسدها. في كيانها. في جوهرها. ككليوباترا. كانت ربانية ككليوباترا. كنفرتيتي. كإيزيس. كانت ربانية كمريم. مريم العذراء كانت أبولين دوفيل.

عاد فرانك لانج ينظر من كوة الطائرة، كان الظلام يبتلع السماء دومًا لما ظهرت فجأة على جناح الطائرة نجمة ذهبية. أبولين دوفيل، همهم رجل التحري الخاص. مد يده، والتقطها، لكنها سقطت من بين أصابعه، وضاعت في البهيم.