الفصل الثالث

10 0 00

الفصل الثالث

"

حقا إن الأرض تدور كعجلة الفخار واللص أصبح صاحب ثروة "

" من أقوال ايبور"

حول نوافذها يحوم، يتحين الفرصة. عبثا يحاول التقاط كلمة..معنى..تخترق أذنيه صرخة هلع تشق ضباب الليل وتمضي كالسهم لقلب شهريار ، بينما تسقط شهرزاد تقلب وجهها

بأركان الغرفة ، علها تجد مهربا مما تراه ، جسد ابنها حدشيار المسجي في دمائه وبرقبته سيف أخيه حزم يار ، وزوجته الجزعة والتي تندب بصوت ناعق :" راحت رجال العز

و الهيبة وجت رجال ما تستحي العيبة".

ترمي حزم يار قاتل زوجها بنظرة كره أفزعته فنكس رأسه لكنها لم تمنحه أمل التراجع :" الموت لم يأخذ الرمة .. ياخد المليح وصاحب الهمة "

بأظافرها تخمش وجه حزم يار ، خدشت أيضا وجهها ، اندفعت في هياجها تمزقه ، تمزق نفسها.

منكمشة في ركن قصى تتكور شهرزاد على نفسها ، لم تعد تشعر بشئ ، تمسدها دنيازاد والدموع ترتجف في عينيها : " هو الموت يا شهرزاد لا منجى من الموت، والذي أحاذر

بعد الموت أدهى و أفظع".

عبثا حاولت شهرزاد الفكاك من غوايه الحكاية فلم تجد مفرا سوى التورط فيها، راحت والرعب يتملكها اصطياد الخيالات الجامحة للكلمات ، تقول شهرزاد ..

بلغني أيتها الأخت العزيزة:

إن مندوبي وكالات الأنباء العالمية قد تجمعوا في زحام شديد، انطلقت فلاشات الكاميرات ، امتدت أسلاك الميكروفونات ، تعددت الأسئلة تشق رأس الحاكم وتدق بابا جديدا

للحيرة والارتباك ، انشغل بعض الأعوان برسم ضحكة بلهاء ، وتهيئة أنفسهم أمام عدسات المصورين المفاجئة ، بصوت صارخ أمر الحاكم كبار رجال الشرطة بعدما صار صغارهم

ضمن فئران الشعب أن يفسحوا له طريقا بين الزحام، يحمونه من هذا الكم الهادر من صحفيين ومراسلين لم يرهم من قبل ، حتى في احتفالاته السنوية بعيد ميلاده ، وعيد

تولية الحكم ، خاصة من كان يدعوهم ويجزل لهم العطايا السرية والعلنية ، لم يكونوا يوما بمثل هذا الاهتمام ، راودته ضحكة ساخرة عندما تذكر صوت شخير أحدهم أثناء

القائه خطابه السنوي في المجلس الموقر العام الماضي .

بعد طول جهد أفسح كبار رجال الشرطة طريقا للحاكم وأعوانه بين تدافع المراسلين ، وأغلقوا فورا باب قاعة الاجتماعات ، فكما أعلن الحاكم ( الجلسة سرية للغاية).

ما إن استوى الحاكم في مقعده ، ضرب بيده فوق مكتبه الفخم ، مهددا متوعدا بالويل العظيم لمن يتفوه بأية كلمة قبل السماح له ، بدأ يقرأ من ورقته : حضرات السادة

الأعوان حتى الآن لم يقدم تفسيرا لما حدث ، وكيف ولماذا؟ وكالعادة فشلتم في الاتفاق على رأي واحد ، والآن بعدما تسرب الخبر عمدا ، وأصبحت الكارثة التي حلت بشعبنا

حديث العالم ومثار اهتمام الدول العلمية القوية التي قد تفرض علينا عقوبات دولية إذا ما طبقت مواد قانون حماية الإنسان أو الحيوان ، وما أخشاه أن تظن خطأ أننا

السبب المباشر لما حدث للشعب ، وتطالب بحق حمايته، ومن يعلم قد تلجأ إلى تحريره بالقوة . حضرات السادة ، الموقف أكثر من خطير لم يعد لدينا الوقت لشرح الأسباب

خاصة أنهم تجاهلونها ، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ما هو الحل؟

لم تفسر المناقشات الطويلة إلا عن الموافقة بالإجماع على تسخير كل أجهزة الحكم لإنجاز المهمة الوطنية " علاج الشعب حتى يعود بشرا".

..بدأ مسئول الأمن و الحماية يرفع يده بحذر طالبا الحديث، يتلفت حوله بنظرات ثعبانية ماكرة وبصوت يسبقه الفحيح :" في دقائق قصيرة سأشرح اقتراحي ووجهة نظري ،

وسأعيد عرض مشروعي ، وإني على ثقة أنه الحل السريع لما نحن فيه ، بتوتر يعيد ترتيب أوراقه : عندما قالوا الشعب مكتئب تقدمت بمشروع ( رفض حينها ) أطالب فيه بالمزاج

لكل مواطن ، وهذا المشروع كان سيحقق طفرة في تكوين الشعب أو على الأقل تجنيبه ما حدث ، ومن خلال موقعي ، وبدافع من واجبي الوطني ، طبقت مشروعي في نطاق متوسط

، فكثيرا ما تغاضينا عن التجار الكبار للصنف ، وللعلم معظمهم أصدقائي ، حتى ما كان يتم ضبطه من البضاعة نحرق ربعه فقط ، ولم نقصر " يلتقط أنفاسه " قالوا: الشعب

عنده كبت ، فتهاونا في إغلاق منافذ المتعة المعروفة فماذا أفعل؟ إن ماحدث لشعبنا ـ... يبكي وينظر للحاضرين خجلا " سامحوني دول صعبانين عليا قوي ، أقول إيه أنا

أكتر واحد مضار في المصيبة دي " ، فهل تعلمون أنني تعبت بحثا عن عائلتي فوجدتهم تحولوا جميعا إلى فئران . أما عن توريد الصنف ، فأرجو الاعتماد على شخصي المتواضع

، وأعدكم بأني لن أقصر أبدا في أداء واجبي ، أما المشكلة الثانية : منافذ المتعة ، فلا تدخل في نطاق اختصاصي!

نظرات ذات مغزى تبادلها الحاضرون ، تهامس مسئول الخبز..وهل يكفي مخزونه من البضاعة لكل هذه الملايين؟

.. بسيطة يقول مسئول النعنشة .. يمكنه الاستيراد المهم أين نصيبنا من الصفقة ؟.

اقترح مسئول الخبز تسريب ورقة لمسئول الأمن والحماية تحمل ثلاث كلمات يختار احدهما ( المشاركة ـ النسبة ـ إلغاء الصفقة ) .. بهزة من رأسه أرسل مسئول الامن والحماية

الموافقة علي الاختيار الأول وتعفف بعض الأعوان عن المشاركة خوفا ورهبة من مسئول الأمن والحماية وزهد الآخرون طمعا واملا في صفقات أخري يراعيهم فيها زملائهم

الثلاثة .

بخبرته الطويلة يستشف الحاكم مايدور تحت الترابيزة " يسرها في نفسه ، وعلي غير المتوقع يهب أحد كبار المشايخ الخمسة زاعقا : هذا منكر وضلالة ، لن أوافق علي

هذا المشروع فهو حرام .. حرام ، شاركه أحد كبار القساوسة مؤكدا أن محاولة تخدير الروح التي هي ملك الرب يُعَد حراما .

نطق الحاكم ضاحكا : وأنا أوافق علي رفض المشروع ملقيا بنظرة تشف للوزراء الثلاثة شركاء الصفقة .

تعالت أصوات المراسلين خارج قاعة الاجتماعات بوصول مندوبي منظمات حقوق الإنسان وجمعيات الرفق بالحيوان ، يعود الحاكم مستدركا الموقف ، يكرر السؤال نفسه : ماهو

الحل؟؟ .

****