الفصل الخامس
"
إن الأسي يملأ قلبي ، ليتني رفعت صوتي في ذلك الوقت حتي كنت أنقذ نفسي من الألم الذي يعتصرني" .
من أقوال الحكيم أيبوور
أصبح حزم يار صيدا سهلا في أيدي بطانته ، تنفذ وساوسهم كجمرات لهب تشغل عضبه وغدره وتستفز عنفه وقسوته ، يبحث عن مبرر ووسيلة لقتل أخيه الرابع فخر يار أسير
سجنه ، كما بدأ يحشد جيوشه لمطاردة أصغر إخوته حكم يار الذي فر هاربا ، متحالفا مع الدولة المجاورة ـ العدو التاريخي لمملكة آل يار ـ والتي استقبله مسئولوها
بفرحة وريبة ، وأخضعوه لتحقيق طويل سهَل لهم طريقا للنفاذ إلي المملكة العريقة ، وبحسب اتقافية التحالف ينصَب حكم يار ملكا تحت رعاية دولة التحالف وتخليص مملكة
آل يار من ظلم ووحشية حاكمها .
وكأنها تقرأ الغد تقول شهر زاد : مازال حزني وحيدا أكفنه كل يوم ، وفوهة القبر تنتظر المزيد ، تسأل حكيم الليالي : أخبرني هل مكتوب في لوحك المسطور أن اتنفس
الألم وأشقي بالعذاب ؟ كيف تسلل الموت إلي أبنائي بينما يحوطني ؟ يترقب روحي ، هل زهدني ؟ كيف فر مني إليهم ؟ بالأمس القريب حشد يار ونظم يار وغدا ... لماذا
؟ لماذا لا يتركهم ويحنو عليَ يحتويني ، يفك اسر روحي ؟ يكتب أخر سطوري اليوم فأنا لا أشتهي غدا أي غد .
يغلق حكيم الليالي كتابه القديم ، يمضي ليدوُن آخر الفصول في تاريخ مملكة آل يار ، تعلو زفرات تكويها اللوعة تقول شهرزاد .. بلغني أيتها الأخت العزيزة :
إن مئات العيون تحدق دهشة لما تنقله عدسات المصورين والمراسلين ومندوبي الجمعيات والمنظمات الدولية من الميدان التاريخي الفسيح ، والذي تحمل جدرانه قصة كفاح
هذا الشعب وتسجل حضارته وعلومه ومجده القديم ، ذُعرت الفئران من الأضواء وفلاش الكاميرات التي احاطت بهم فهربوا فرادي وجماعات ، أما المتمرسون منهم فوقفوا مبتسمين
، واستعاد بعضهم الوقفات المعتادة لالتقاط عدة صور من مختلف الزوايا ، وشقت فأرة بنية الزحام تخطف الميكروفون من إحدي المراسلات ، تتخذ وضعا استعراضيا أمام
الكاميرا وسط دهشة الجميع الذين ظنوا أن ذلك عملها الأصلي ، ولم يستطع أحد تفسير صوت الفئران ، لذا لم يتمكن المراسلون من إجراء أي حوار مع شعب الفئران ، وانتهز
أعضاء وفود منظمات حقوق الإنسان وجمعيات الرفق بالحيوان الفرصة لتسجيل احتجاجهم واعتراضهم أمام الوسائل المرئية علي الظروف الوضيعة وغير الملائمة التي يعيش
فيها الفئران ، واختتم المراسلون تغطيتهم بتسجيل الخناقة التي نشبت بين مسئولة جمعية الرفق بالحيوان وزميلتها مسئولة حقوق الانسان لاعتراضها علي وصف الفئران
بالحيوانات ، فهم في الاصل بشر ، تدافع عنهم الشرعية الدولية وكافة منظمات حقوق الانسان العالمية .
***********
في لمح البصر نجح الساحر في إخفاء ملايين الدولارات التي حصل عليها وفشل في إعادة الشعب بشرا ، فتوعده الحاكم بالقتل إن لم يغادر المدينة خلال ساعة ، فخرج مطرودا
، وأمام أعوانه استعرض الحاكم خسائر المدينة منذ بداية الأزمة منبها إلي ما تعانيه الميزانية من عجز متراكم ، وأعلن حالة التقشف منذ هذا التاريخ !
العلم ، العلم ياسادة ، ردد كبير الأطباء : كيف تجهلون التقدم العلمي المذهل خاصة في الطب وتلجأون للدجل والشعوذة ، وكأننا نعيش عصور الظلام ، لقد أعددت قائمة
بالأطباء العالميين الذين حققوا معجزات في الطب ومازالوا ، وبالفعل وبعد أذن سيدي الحاكم أجريت اتصالات مكثفة معهم ، وقد أبدوا استعدادهم لعلاج الشعب مجانا
، فقط الانتقالات والإقامة ، واستيراد بعض الأجهزة الطبية التي يحددونها لتساعدهم في تشخيص الحالة ، وتحدوهم رغبة أن يوافق سيدي الحاكم علي حصولهم علي بضع مئات
من شعب الفئران يجرون عليه تجاربهم العلمية وهذا من أجل خدمة الانسانية .
************
بأجهزتهم العلمية الحديثة نجح الاطباء العالميون في التقاط أعداد قليلة من الفئران الهاربة إلي الجحور التي حفروها في جدران الميدان التاريخي واضطروا إلي هدمها
حتي يحصلوا عليهم ، وبعد كثير من الفحوص والأبحاث الدقيقة أعلن الأطباء عجزهم عن إيجاد علاج ، وذكر التقرير الطبي الذي تركوه للحاكم أن جميع خلايا الفئران بشرية
، ولا يوجد خلل واحد في وظائف أجهزة الجسم الحيوية ، والمخ في حالة نشاط طبيعي ، واختتم التقرير بنتيجة وهي أن نسبة ذكاء الفئران تصل إلي مائة في المائة ، ولكنهم
لم بستطيعوا تقديم تفسير علمي لذلك .
بنفاد صبر ألقي الحاكم بالتقرير الطبي ، وعاد السؤال يتأرجح ما هو الحل ؟
************
بعد طول تردد اقترحت الفنانة الكبيرة ذات الصيت المعروف استخدام الموسيقي والغناء لعلاج شعب الفئران ، تقول ضاحكة : طول عمره شعبنا فنان بيعشق الموسيقي والغنا
ـ تمصمص شفتيها ـ ياسلام الشعب ده هو اللي توجني نجمة الجماهير ياخسارة ، قلبي بيتقطع حسرة عليه ، أنا مستعدة انطلاقا من واجبي الوطني اتبرع بكل البوماتي وشرائط
الفيديو كليب وأفلامي لعرضها مجانا !
بتهكم يقول أحد المشايخ : يبدو أن الست بالها رايق ، موسيقي ايه وغنا ياست ؟ أحنا في كارثة ـ يتمتم ـ صحيح ناقصات عقل ودين " يهب واقفا يتبعه زملاؤه ، يلملم
جبته وقفطانه : هيا يامشايخ نقيم صلاة استغاثة لعل الله يرحمنا ........سبحانه .
*****************
تنتقل سيدة الاعمال الجميلة بجانب المطربة التي اصابها الوجوم والاحباط ، تربت علي كتفيها : ولا يهمك صدقيني بدون مجاملة فكرتك رائعة وفنك كمان ، ده انا من
زمان نفسي اقابلك ونعمل بزنس مع بعض .
بإبتسامة يقول الحاكم " شر البلية ما يضحك " فلنجرب ، أنا فاكر مرة قريت إن الموسيقي علاج.. يحزم أمره أوكيه ، أنا موافق ونشوف النتيجة .
**************
ما إن صخبت الموسيقي حتي تملك شعب الفئران الذعر وولوا هاربين في كل الشقوق والجحور التي زاد عددها ما بين الحوائط وتحت الأرصفة ، وعندما اعتادت هذا الصخب والصوت
الزاعق بدا تنطيطهم مع الموسيقي وأخذت بعضهم النشوة فراحوا يرقصون حتي أغمي عليهم ، ولم تخف المطربة سعادتها بنجاح أغانيها في ترقيص شعب الفئران ، فاندست بينهم
تشاركهم الرقص والغناء .
************
طالت مدة الجدل حول مشكلة الشعب الذي تحول فئرانا ما بين علاجه واستبداله ، ولم يهتم الحاكم وأعوانه بتوفير أي رعاية له ، الشوارع نظيفة حتي من التراب والقمامة
التي اجهزت عليها الفئران بعدما استنفدت كل ما توفر من طعام داخل البيوت وخارجها ، ولكنها فشلت في الدخول للقصور الفخمة ذات الحراسة الاليكترونية التي تمنع
حتي دخول نملة ، وبمهارة استطاعت الإفلات من المصائد ونهش الكلاب وفخاخ الطعام المسموم في البيوت القليلة للجاليات الاجنبية ، فراحت تنبش بطول المدينة وعرضها
عما يسد جوعها ، فلم تجد سوي دواليب وخزائن مكدسة بما لا يحصي من الاموال والذهب ، احتاروا ماذا يفعلون بها ، وبدون اتفاق بينهم جمعوها ما بين ارجلهم وايديهم
إلي الميدان ، فاضت نشوتهم ، عبثوا ماشاؤا بالاموال ، مزاقوا بعضها ، وبالوا علي البعض منها ، وأوقدوا الكثير منها نارا يستدفئون بها ليلا ، تفنن عشاق الذهب
منهم في التزين بالجواهر والذهب المنثور حولهم ، وحينما زهدوا في اللهو والزينة احتجت عصافير بطونهم جوعا ـ القوا بكل هذا ، وراحو يبحثون بجنون عن فتفوتة خبز
بلا جدوي واستمروا في بحثهم يقطعون المدينة جريا وصراخا .