الفصل الرابع

8 0 00

الفصل الرابع

"

إن حدود الحق واضحة ، والحلال بُين والحرام بُين والمرء يفعل ما تعلمه من ابيه "

من تعاليم بتاح حتب

يقول شهود عيان إن العنف والقسوة التي فرضها حزم يار دستورا لحكمه اشعلت مزيدا من الصراع ، وفاضت قصور آل يار بالأحقاد والمؤامرت ، والتي فشل العقلاء في احتوائها

لإصرار حزم يار علي قتل أخيه نظم يار ، بعدما وسوس له جواسيسه وبطانته أنه رأس الفتنة والطامع في عرشه .

وإيقافا لجريان بحار الدم بين أهلهما وشعبهما ، اختار نظم يار مبارزة أخيه الملك ، بعدما فشل في اقناعه باصلاح الأخطاء الفاحشة التي يرتكبها .

تقطعت أنفاس الأخوين لطول مبارزة تعادلت فيها مقدرتهما القتالية ، فأوعز حكيم الليالي لأنصار الطرفين الرجوع لصوت العقل رافعاً كتاب الليالي فوق حد سيفه يتبعه

الباقون .

وتقديرا لحكمة ألف ليلة تراجع المتبارزان ، اقسما بحياة أمهما واهبة الليالي الألف وصانعة وجودهما أن يرتضيا تحكيم ضميريهما في تقسيم مملكة شهريار بالعدل .

وما بين القسم ولفتة الود للقاء قلوب لم يكتمل شق السيف رأس نظم يار ، فسقط جسده تحلق حوله الليالي حزينة .

كامرأة عادت من القبر صارت شهرزاد ، تهفهف حولها الوحدة والهواجس وأسئلة بلا إجابات : لماذا يا دنيا ؟ كيف يترك ابن قلبي أخيه نهبا للطيور الشرهة ؟ هل مزقته

الجوراح وأخذته بعيدا ؟ متي عرف أبناء شهرزاد الغدر والخسة ؟

بين طيات أحزانها تخفي دنيا زاد ما لا يصدق ، حينما رأت حزم يار يرشق بسهامه جمجمة أخيه التي أصبحت تسليته المفضلة يمضي بها أوقات فراغه .

اعلم يادنيا ، أنتم الذين لا تعلمون ، تقول شهرزاد وهي تخطو مرتجفة تناجي غائبا ، وكأن ما حدث لا يخصها تعاود الحكي ، تاركة دنيا زاد للدهشة والفضول .

بلغني ايتها الاخت العزيزة :

إن رنين التليفون المتواصل والذي تجاهله الحاكم وأعوانه قد يحمل حلا ، نقله احدهم الذي تطوع بالرد ونقل نص المكالمة مما زاد حيرتهم ، خمسة من السجناء المليونيرات

بينهم مسئول سابق بتهمة الاستيلاء علي أموال المدينة بطريق غير مشروع لم يتحولوا فئرانا !!!

ليس هذا فقط ، ولكنهم يعرضون المساهمة في حل مشكلة الشعب بكافة إمكانياتهم الانسانية والعقلية ، ورغم علم الحاكم بالمصالح المتبادلة بين أعوانه والسجناء فقد

أفرج عنهم بعدما تعهدوا برد ما نهبوه من اموال المدينة ، حيث أوشكت خزانتها علي الإفلاس ، وأنهي الحاكم الجلسة معلقا : ليس شرطا كل ما نهبوه يكفي بعضه .

************

شارك المليونيرات الخمسة مجلس الحاكم وأعوانه لعرض حلول لعلاج الشعب ، وعلي غير رضا سيدة الأعمال الجميلة التي مازالت تصر علي اقتراحها باستبدال الشعب وللتعريف

بها كما تقول عن نفسها في كل الوسائل المرئية " إنني عصامية بدأت من الصفر " هوايتها المفضلة الزواج بكبار السن الأثرياء ، تفضلهم دائما رجلهم والقبر " وتمر

حاليا بحالة نفسية وعصبية سيئة إذ خذلها آخر أزواجها ، وعلي حد تعبيرها مكلبش في الدنيا " فأهملته ولم تعد تحرص علي تخبئة بعض قطع الملابس الداخلية المحشورة

دائما في حقيبة يدها ، وتتجاهل اسئلته اللحوح ، لماذا لا تمارس أعمالها إلا ليلا ، وتفوح منها رائحة .. يعرفها جيدا .

بإغراء تجيد ممارسته تطلب السيدة فرصة أخيرة لدراسة مشروعها واستيراد شعب جديد وبسرعة تلاحقهم بعرض عدة كتالوجات وألبومات تشير قائلة : هذه بعض صور لعينة الشعب

المقترح استيراده " ياي حاجة اورجينال خالص ، ح يبقي شباب كلهم حلوين ونضاف كده ، وريحتهم تهفهف ، عيون خضر وزرق ، أما البنات أيه "مُزز" تعرض الصور علي الحاضرين

فأغمي علي أحدهم ، واستأذن آخر لدخول دورة المياه ، وشهق البعض إعجابا ، تكمل السيدة : أما البيبيهات الاطفال يعني توفيرا للنفقات بلاش منهم طبيعي إن الشباب

والبنات ح يخلفوا أطفال زيهم حلوين ، وبكده نعمل شعب جديد وعلي مزاجنا ، بتكلفة أيه ملاليم ، مليار دولار بس ، ويتحقق الحلم الوطني اللي عشت طول عمري أحلم بيه

.

يفزع الرقم المطروح الحارس باشا أحد المليونيرات المفرج عنهم ، ورغم مدة سجنه لم تخف عليه معرفة الطريقة التي تمارس بها السيدة أعمالها ومناطق نفوذها !

****************

متذللا يجلس الحارس باشا تحت قدمي الحاكم : لا يا سيدي لا توافق علي استبدال شعبك ، تعلو أصوات تمنعه من الاسترسال ، يكمل وسط الضجيج : ماذا لو عاد شعبنا العظيم

إلي طبيعته بمعجزة سماوية ؟ هل نصدَرهم لدولة أخري مثلا ؟ إن هذا المشروع استعماري ، من يضمن ياسادة الشعب الجديد ؟ هل سيكون مطيعا أم سيرفع شعار التمرد ويطالب

بتغيير قوانيننا العريقة ودستورنا الخالد ؟ وربما يطالب بتغيير نظام الحكم ، يتمكن من الاستحواذ علي إنصات وإعجاب الحاكم موجها الحديث إليه : الكارثة ياسيدي

انهم قد يطالبون بتغييرك أنت شخصيا ، ويرفعون شعار " كفاية حرام " المنتشر حاليا في بعض المدن التي تريد السيدة استيراد الشعب الجديد منها ، ولا تنس ياسيدي

أنهم شعبك الذي أقام لك التماثيل في كل مكان وجعلك رمزا له ، والذي يهتف دائما أن يفديك بالروح والدم ، وهو من يتحمل عناء ومشقة مراحل التنمية الأولي والثانية

وحتي الألف ، هل جرؤ علي الاعتراض ؟ هل سألوا أين عائد التنمية خلال الثلاثين عاما الماضية ؟ ياسيدي بالبلدي كده " من عاشر القوم " " وخلينا زيتنا في دقيقنا

" واللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش " تنفجر السيدة غضبا : وأيه هو الحل ياحكيم زمانك ؟

ينحني الحارس باشا بأدب أمام الحاكم : لقد اتخد سيدي قراره مسبقا ، ووافقتم حضراتكم علي علاج الشعب ، وأقترح لسرعة الإنجاز الاستعانة بالساحر المشهور مستشار

الرئيس الأسبق للدولة القوية ، له قدرات عجيبة رأيتها بنفسي في المرئيات الخارجية ، ودعوته لن تكلف كثيرا ، فقط الإقامة في قصركم الفاخر ، يخرج من جيبه آلة

حاسبة : ولو حسبنا أجره دولار عن إعادة كل فأر ، نجد الناتج .. بسيطة كذا مليون .

علق مسئول الخبز ولكن هذا كثير ، لا نستطيع إنفاق أموال الشعب هكذا !! يرد الحارس : نعم ولكننا نعالج بها الشعب ، وسأل مسئول الخزانة : ومن يتحمل فرق ارتفاع

سعر الدولار ؟ فأجابه الحارس أنها تصير ضرائب علي الشعب بعد شفائه ؟

لم يستطع أحد المعترضين التفوه بأية كلمة بعد موافقة الحاكم علي الحل الذي قدمه الحارس باشا ، وتركهم يتفحصون صور الفتيات الجميلات اللاتي لن يروهن أبدا إلا

صورا .

******************

ظفر الحارس باشا بالصفقة وسط حقد الحاضرين ، وبدلال هَنأت السيدة الجميلة الباشا وأقنعته بقدرتها علي تخفيض ما سوف يتقاضاه الساحر ، والفرق مناصفة بينهما ،

وافق الحارس باشا علي مشاركة السيدة الجميلة تحت تأثير إغرائها فسحبته من طرف كرافتته وانتحت به خلف مكتب مسئول النعنشة تؤدي طقوس توقيع الصفقة ، بينما ذهب

المسئول ليلقي بيانا مقتضبا قال فيه : لقد توصل حاكمنا المعظم بحكمته لحل مشكلة عودة شعبنا الحبيب إلي طبيعته وقرب زوال الغمة .

***