مقدمة

12 0 00

غير المباح رواية لسعاد سليمان

لم تعد فتنة الحكي سلاحها ، قد تشتاق أحيانا لغزل خيوط الخيال الذي يسري بعقلها ليلا ونهارا، هل جف نبع الليالي الجميلة؟

بعدما فرغت حكاياها الطويلة ، طواها الزهد ، أغلقت مقاليد سحرها ، حتى عندما يلح عليها الحنين للقص وترى الشوق و الرجاء في عينيه ، لا تأخذها به شفقة أو رحمة

، وبتحد لا تخجل من إعلانه ترشقه بجواب لا يحتمل المراوغة و إن لم تنطقه ، فهي تصوبه إليه في كل لحظة ، لم تعد تطيقه هذا الشهريار ، تتساءل : أبعد كل هذه السنوات

أحتاج لما أرويه له حتى يمنحني ليلة أخرى؟

لا.. لم يعد شهرياري ، لن يملك بعد الآن مصير شخوصي ومدن أحلامي ، رغم احتياجي الشديد للحظة بوح بما يفيد به عقلي وأضعت عمري اغزله لك رؤى ونهر حكمه لم يغرك

فيض نورها بإضاءة كل المساحات المظلمة في عقلك ، أمنحك الحكاية تعيد تشكيلك ، فتتلهى بما تحفزك إليه ، فقط تقتل فيه مللك ورتابة مشاعرك ، تشغلك نساؤها ، وتبهرك

تفاصيل اللهو ، تضيع الحكاية وتضيعني بحدود أسئلة تنهشني ، ولا يبقى مني ومنها سوى ما يزيد غرورك وتفاهتك ، ومايزيد خوفي أن انتهك محظوراتك غير المعلنة ، لذا

فلن أضيع ما بقى من لحظات عمري حكاءة لمن امتلكني بسيفه ، ولكنها آخر الحكايا أختزنتها تؤنس وحدة أيامي الباقية ، أخاف أن يأزف موتي الذي أحسه وشيكا دون أن

أكمل ما خلقت لأجله ، وكيف أترك سطوري ناقصة يملؤها الخواء؟

**************

تفيق شهرزاد من حديثها الصامت المرتبك تتعجل الثواني والدقائق تترقب ظهور دنيا زاد قبل أن تودع هذا العالم بماضيه وحاضره ومستقبله ، بأسراره وشهرياره . تنصت

لوقع أقدام دنيا زاد ، ملاذها الأخير ووسيلتها الدائمة للنجاة .

هكذا استقبلت شهرزاد أختها بوجه يرتسم فوقه الحزن ، ويعلوه شحوب الموتى

: تشقق لحمي وجف .. أسمع تكسره.

أيقنت دنيا زاد هراء كل محاولات وكلمات المواساه لمداواة جروح امرأة كانت تنافس النور والبهجة . ترسل شهرزاد زفرة موجعة ، ترجو أختها أن تحفظ عنها آخر الحكايا

، تتلفت بحثا عن مجهول ، تتسمع صوت الهواء ، تهمس

: إنه قريب ... يحوم حولي ، أحسه في كل مكان !

: شهريار .. تؤكد دنيا زاد !

:لا.. بل الخوف الذي يستهلك طمأنينة النفس ، سنوات طويلة لم أعد أحصيها وحارس الموت لا يغفل عني هل عينه شهريار مراقبا لروحي؟

كل ليلة يراودني الحلم اللعين سيف شهريار ينغرس في رقبتي حتى المنتصف ، أصرخ ألا يقتلني ، ثم أتوسل أن يكمل قطع الرقبة كي أستريح .

من روحها تنثر دنيا زاد دفئا وحنانا على شهرزاد زهرة الدنيا التي صارت أوراقا جافة ، تخاف أن تضمها فتسقط وريقاتها ، تلمسها بحنو وحذر ، تهدئ ارتعاشة جسدها

الهزيل.

تلمح شهرزاد حركة خلف الستائر فلا تبالي ، تهمس بوهن :فلتسمعي آخر حكاياي ، لو سمعها شهريار لقتلني ، لا وقت لدينا ، تحكي شهرزاد ، وقد استعاد وجهها رونق السحر

:

بلغني أيتها الأخت العزيزة..أنه في أحد بلدان الدنيا الكبيرة ذات الحضارة العريقة أن حاكمها ، استيقظ ذات صباح يرافقه أعوانه من كبار الأطباء والعلماء والمشايخ

والقساوسة ورجال وسيدات أعمال في بطانته فلم يجدوا أحدا بالمدينة ، كل شئ ساكن في المدينة الصاخبة ، توقفت حركة السيارات ، خلت الشوارع من المارة ، وكأنها مدينة

أموات، لا ظل فيها حتى لشبح!

ها هي الارض مازالت صلبة تحت أقدامهم ، لم تنشق ولم تبتلعهم ! من سلب المدينة أهلها! هل طاروا مع الرياح؟

نما العبوس فوق وجوه اكفهرت بالدهشة والحيرة ، ترى أين ذهبوا ، لا ضحكة امرأة ولا صرخة طفل ، ولا همسة رجل ، هل حل بالبلدة طاعون أهلك الشعب؟ إذا فأين الجثث؟

أم ارتفعت الأرواح بأجسادها ؟ وإذا كانوا أحياء فأين هم؟ هل صورت لهم عقولهم الاختباء في سراديب تحت الأرض؟

استدرك الحاكم فسأل أعوانه : مابال السراديب السرية التي حفرناها للطوارئ؟ أليست خاصة بنا؟ فكيف اكتشفها الشعب؟ وبسرعة تتحرك مجموعة الأعوان يملؤها الأمل والاستعداد

لعمل شاق لمعاقبة هذا الشعب الذي جرؤ على استغفالهم ومرواغتهم بهذا الاختفاء الجماعي المفاجئ ، كثرت التخمينات والظنون ، ربما هاجر الشعب ، إلى البلدان المجاورة

! ولكن متى وكيف؟ أو اختطفته كائنات فضائية ؟ أو من الجائز أن قنبلة أتت على المدينة نسفت شعبها !

يثور الحاكم :إذا كان ما تدعونه صحيحا فكيف لم نشعر أو نرى؟ واستبعدت كل الظنون ، توحد السؤال أين البشر؟

تاهت الإجابات ولم يعثر الحاكم على تفسير منطقي أو خيالي لما حدث ولم يصله سوى همهمات مبهمة ! غامت الرؤى ، وكأنما ثبتت أحقادهم على هذا المشهد الخالي من الحياة

..وعبثا أن يظهر للشعب أثرا، حتى عندما قام الأعوان بتمشيط المدينة وسراديبها تحت الأرض ، وفوق أسطح المنازل ، وجرى نهرهم الذي جف وصار طميا يسكنه الظمأ ، وبعد

طول بحث في المدينة بأزقتها وحواريها ، خرائبها وميادينها ، فزع الحاكم وأعوانه ورفضوا تصديق ما أصبح حقيقة أمامهم ، ولم يستطع أحد منهم حتى في أكثر شطحاته

الخيالية أن يصدق هذا الواقع ، صفع المنظر وجوههم الذاهلة ، أصابهم الرعب، كادت المفاجأة تحولهم أصناما.

في الميدان التاريخي الكبير والذي أصبح خرابا مهجورا بعدما كان يحمل نقوش حضارتهم وعلمهم القديم ، وجد الحاكم وأعوانه جافل لا حصر لها من الفئران بمختلف الأنواع

والألوان والأحجام تصرخ بأصوات مزعجة ، يستحيل احتمالها ، تخترق الميدان الفسيح بهوس شديد، تقفز بغضب في وجوه الواقفين ، تتصارع على الجحور القليلة حول المكان

، من أين جاءت كل هذه الفئران ؟ أين الشعب؟ بدهشة يسأل الحاكم ، يرفض تصديق ما يبدو انه الحقيقة المؤكدة ولا شئ سواها ، إن شعبه قد تحول جميعه إلى فئران يحيطون

به بعدما هرب أعوانه فزعا ورعبا.

*****