الفصل الثاني
"
الحق ثقيل، لذا فالذي يرضي بحمله قليلون ، والباطل خفيف لذا يسارع الكثيرون لحمله، وهم أيضا الشهود والمدافعون "
"من برديات منف"
يخرج شهريار الذي كان يسترق السمع لحديث شهرزاد من مخبئه خلف الستار ، حينما صرخ حكيم الليالي مستنجدا به أن ينقذ أبناءه الخمسة المتقاتلين على السلطة في صراع
طويل بدأ بينهم، ولا أحد يعلم كيف سينتهي؟ مصحوبا بسيل هادر من لعنات شهريار ذهب الحكيم أسفا، وما بين غضبه ومغالبة شوقه
لها يواجه شهرزاد مهددا أن تكف عن هراءاتها.
تومض عينيها بمكر لم يزله عبء السنين:ألا تروقك الحكاية؟ أما زلت تهوي قصص الجواري الحسان وبين مغامرات العشاق تتراقص نبضات قلبك؟
إن هراءاتي التي تسخر منها كانت زاد روحك الذي لم تشبع منه يوما، لماذا لا تكف عن نبش روحي؟ كيف تستبيح قدسية عالمي ؟ لم يعد هذا حقك.
ساخرا يتساءل شهريار : ومن سلبني هذا الحق؟ الآن بعدما صرت فريسة لخداعك ، فمنحتك عمرا ووجودا لا تستحقينه وتجاوزت سيفي الذي مازال يشتاق كثيرا لدمك.
تقاطعه غاضبة: أمنحك دمي ترتوي منه وليكن آخر قربان أهبه تكفيرا عن موت مؤجل.
منهكا يركع شهريار: ألأنك دائما تشعلين ظمئي، يطاردني صوتك.. أستجدي دفئك في صحوي ومنامي؟
ترميه شهرزاد بسؤال حيرها طويلا: كيف ينشد الدفء من جف نبعه وتيبس الإحساس بدمائه ، مازالت لمساتك تمزق جسدي ، منحتك برودة روحي وارتديت الصقيع، أطفئ نيران
الجسد المتوهج بلهفة للارتواء.
في صدرك وحنانك المخادعين بحثت عن السكينة ، فأودعتني القبر حيا يا شهرزاد!
بحسم : لم تشبع حنيني للارتواء ، لم أخترك ولم أجدك أبدا زادا لقلبي الجائع ، وعليك الآن أن ترحل عني .. متعثرا في شيخوخته ، ناظرا حوله بريبة وشك ، يمضي شهريار
حاملا عطشه وشوقه خارج حدود همسات شهرزاد .
تهفو شهرزاد للراحة ، تخايلها الكلمات ، تعود برعشة وهج الحكاية ، تقترب من دنيا زاد ..
بلغني أيتها الأخت العزيزة : أن غضب الحاكم وصل أقصى مداه ، فعقد اجتماعا عاجلا ، يستجوب فيه الأعوان عما حدث للشعب ، ولماذا ؟ وأين ؟ ومتى؟ وكيف ؟
وما إن بدأ الكلام حتى قاطعه أحدهم بحماس شديد قائلا: لأنهم طغوا ، إنه شعب غضب الله عليه وباء بإثم عظيم ، ابتعد عن طريق الله ، اختار الضلالة طريقا " وما
يأتيكم من خير فمن عند الله وما يأتيكم من شر فمن أنفسكم " .
وواصل في حماسه : ما حدث من فضل الله وإبقائه علينا في أحسن صورة لخلقه لهو دليل حاسم قاطع على أننا نحظى برضاه " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
" فأبقى على خلقنا في أحسن تقويم ، ورغم هذا سيشيع الحاقدون أننا سبب انتكاسة هذا الشعب .
ضاربا الهواء بقبضة يده : ألا سحقا للقوم الظالمين ، خسئوا ، ومن يظلمون ويتهمون؟..نحن؟ من نشقى ونعمل على راحتهم؟ نواصل الليل بالنهار .. نكد ونجتهد تحت زعامة
زعيمنا ـ مشيرا إلى الحاكم ـ وقيادة قائدنا الذي بحكمته نهتدي وعلى طريقه وخطاه نسير.
يمنع استرساله تصفيق حاد يقطعه صوت شاعر الحاكم معترضا: الحق..والحق أقول إن هؤلاء الذين نكيل لهم الإهانات .. من حلت بهم الكارثة فيهم آباؤنا وأمهاتنا وفلذات
أكبادنا.
يقطع بوادر اندماجه في خطبة طويلة نظرة ساخطة من الحاكم فيشده أقرب الواقفين بجانبه ، يتلجلج باضطراب ، يهبط غائصا في مقعده.
تنحنح الحاكم واعتدل في جلسته وهو يعيد هندمة كرافتته الحريرية محاولا التحلي بالهدوء:أيها السادة..أنتم رجال المدينة وكبراؤها .. المسئولون أمامي عن أحوال
هذا البلد الآمن ، ومنذ أن حلت بشعبنا الحبيب تلك الكارثة لم يقدم أحدا تفسيرا لما حدث .
يبادر مسئول شئون مجلس الحاكم : سيدي.. إنني أعلنها صريحة ، لقد تهاون السيد مسئول الصحة في الحفاظ على حياة وصحة المواطنين فاستفحلت أمراضهم وهكذا حلت الكارثة
.
يهب مسئول الصحة فزعا : لا يا سيدي.. هذا محض افتراء يتهمني به زميلي المسئول لنفي التهمة عن صديقه مسئول شئون " الفرفشة والنعنشة " باعتباره" بيروق له مزاجه
، ويعكر مزاج المواطنين الغلابة فأصابهم بالإحباط والغم من البلاوي اللي بيعرضها عليهم سيادته كل يوم في وسائله المسموعة والمرئية "، وأدى هذا إلى انفجار كانت
نتيجته الطبيعية تمزق خلاياهم الحساسة فتحولوا فئرانا..وأنا دكتور ومسئول علميا عما أقول ، وعلمي غير مشكوك فيه، فكما تعلمون أنا حاصل على كل شهاداتي من أشهر
جامعات العالم المتقدم ومستعد حالا لتقديم تقرير يفسر الحاله الصحيه للشعب المسكين .. وقانا الله واياكم مصيره
تتداخل فوضي الكلمات بين الجميع ، ينفرد كبير الاطباء بالحديث : اسمحوا لي ، مع احترامي الكامل للسيد الدكتور مسئول الصحة فإن تشخيصه للحاله غير دقيق علميا
، فاذا سلمنا جدلا بحدوث انفجار للمواطنين فهذا لا يحولهم من بشر إلي فئران ، ولكن الي اموات .. وحكايه الشهادات العلميه لسيادتك دي كلنا عارفينها.. اما التشخيص
المبدئي للحالة فأرجعه لنوعيه الطعام ، ويملؤني الشك بأنها مؤامره من الخارج لسلب هذا الشعب العريق حقه في الحياة الكريمة التي وفرها له حاكمنا العظيم خلال
مسيره عطائه الممتده ثلاثين عاما ، ونطمع في المزيد من ديموقراطية حكمه والكثير من خطوات التنمية التي ما زال يسعي لتحقيقها ، وهذا الشعب .. هؤلاء المواطنين
الغلابة، يجهش بالبكاء " يا عيني عليهم.. حالهم يصعب ع الكافر" يهدأ قليلا، اعتقد تحديدا ان التسمم الغذائي جاءنا في ارغفة الخبز المستورد من الدوله التي اصبحت
صديقه ، والمتقدمه تكنولوجيا وحربيا ونو....
يحتج وزير الخبز: ألفت نظر الزميل لخطورة ما يقول وارفض بشدة هذا الاتهام وأطالبه فوراً بالاعتذار ، إن تاريخي معروف فأنا اكثر منه وطنيه ولا اقبل اي شبهه
تطعن في شرفي وسجل نضالي الذي كتبته بروحي ودمي
تتعالي الاصوات ، تتداخل ، تخرس جميعاً عندما يصرخ الحاكم محتداً : كفي مهاترات ، حتي الان لم افهم السبب ، ولماذا لم نتحول نحن .. يضع يده علي رأسه ويرفع حاجبيه
، نحن فئراناً مثلهم؟. اضطربت قاعه الاجتماع لغواً وفوضي حين اكتشف الساده المجتمعون بعض الفئران تجري بسرعه ، يتحاشاها المشايخ خشية نقض وضوئهم..ذهل الحام
من ازدياد أعداد الفئران المتسللة ، أصابه الذعر ، انسحب معلنا رفع الجلسة والعودة مساء بعد تنظيف القاعة من الفئران المدنسة.
************