٣
المرّة الوحيدة التي بكى فيها أبي كانت عندما سمع بخبر موت أخي، أمير، الذي كان يكبرني بخمس سنوات، والذي تحوّل من يومها من ”الدكتور“ إلى ”الشهيد“. احتلّت صورته (بالأبيض والأسود) المؤطّرة قلب الجدار في غرفة المعيشة فوق التلفزيون ومساحة أكبر من قلب أبي الذي كان أمّوري أصلاً يحتكّر الكثير منه. فأمير كان ابناً مثالياً طالما افتخر به أبي، دائم التفوّق والأوّل في صفوفه. في امتحانات البكالوريا حصل على معدّل ٩٥٪ ودخل الكلية الطبيّة كي يصير جرّاحا ويحقّق حلمه بفتح عيادة ويحمل العبء عن أبي ويحيله على التقاعد كما كان يقول له بالرغم من أن أبي كان يصر بأنه سيواصل مهنته حتى يموت. كان يصرّ على مساعدة أبي في عملِهِ حتى أثناء إجازاته القصيرة في سنيّ الحرب مع إيران قبل أن يقتل في معارك الفاو.
كنت في غرفتي في الطابق الثاني أقرأ عندما سمعت صوت سيارة تقف أمام البيت وأبواب تغلق ثم، بعد ثوان من ذلك، رنين الجرس الجديد الذي كان أمير قد اشتراه وركّبه بنفسه عندما خرب الجرس القديم وتلكّأتُ أنا في تصليحه. أزحتُ الستارة فرأيت سيارة أجرة وفوقها تابوت لُّف بعلم. سقط قلبي في هاوية سحيقة. ثم اخترقه كرمح، وهو يسقط، عويل أمّي وأنا أسرع نحو الدرج حافياً. كنت أشاهد في كثير من الأحيان تابوتاً ملفوفاً بالعلم فوق سيارة أجرة تسير في الشارع وأفكر لثوان باحتمال ألا يعود أمّوري إلى البيت على قدميه بل جاثما فوق سيّارة، لكني كنت أطرد الفكرة من رأسي بسرعة. عندما وصلت إلى باب البيت كانت أمّي قد خرجت بالدشداشة دون أن ترتدي عباءتها ووقفت بجانب سيارة الأجرة تلطم وهي تنظر إلى التابوت وتصرخ: ”يبووو أمّوري. . . أمّوري. . . راح أمّوري.. . راح وليدي.“
”االله يرحمه والبقية بحياتك“ هو كل ما قاله العسكري الذي وقف يراقب المشهد بجانب الباب ثم طلب منّي أن أوّقع على وثيقة استلام الرفاة. وقّعت، دون أن أنظر أو أقرأ، نسختين بقلم جاف ناولني إياه هو ثم أعاده إلى جيب بزّته العسكرية وأعطاني نسخة طويتها ووضعتها في جيب قميصي. بدأ الجيران بالخروج بعد سماعهم ولولة أمّي وتحلّق بعضهم حول سيارة الأجرة وهرعت نساء الشارع ليعزّين أمي ويخفّفن عنها ويشاركنها البكاء. كان سائق سيارة الأجرة الأصلع قد أتمّ فك الحبال التي كانت تثبّت التابوت فوق الهيكل الحديدي ووضعها في صندوق السيارة وأغلقه ووقف ينتظر. اتجهتُ نحو أمّي لأعانقها لكنها كانت بحالة هستيرية ومحاطة بالنسوة اللواتي بدأن باللطم.فكّرت بوقع الخبر على أبي وقلبه الضعيف. بدأ السائق بزحزحة التابوت وكأنّه يعطيني إشارة بضرورة انزاله. بدأنا، السائق وأنا وبعض الفتية من الجيران، بإنزال التابوت لإدخاله إلى البيت. سمعت صوتاً يقول ”روحوا على أبو أمّوري بالمحل گولوله.“ فصرخت بألّا يذهب أحد وأنّي أنا الذي سأخبره بنفسي بعد أن ننزل التابوت.أنزلنا التابوت ووضعناه في غرفة المعيشة.
هطلت دمعة صامتة على خديّ وأنا أسرع إلى المحل لأنقل لأبي خبر موت أمّوري. أمّوري الذي كان يلعب كرة القدم معي في الشارع. أمّوري الذي علّمني كيف أصنع طائرة ورقيّة باستخدام قطع من سعف النخيل ذات صيف والذي تسلّق نخلة الجيران لينزلها منها حين علقت بالسعف. أمّوري الذي نمت وإياه في نفس الغرفة لعشرين سنة والذي كان يشخر أحياناً لكنه يتهمني بتلفيق تهمة الشخير. أمّوري الذي ”كبسني“ وأنا أمارس العادة السرية في الحمام ذات يوم لأني نسيت أن أقفل الباب واعتذر وابتسم ثم أغلقه بسرعة. ثم قال لي بعدها بأنها رغبة طبيعية لكن يجب ألا أدعها تتحكم بكل وقتي وألا أسرف في ممارستها. أمّوري الذي أعطاني دراجته ال ٢٤ الزرقاء عندما طالت قامته واشترى درّاجة ٢٦ وكنّا نتسابق دائماً ويدعني أغلبه في النهاية. أمّوري الذي حفظ سرّي ووافق أن ينوب عن أبى لإقناع مدير المدرسة الثانوية بالسماح لي بالعودة إلى الدوام بعد ازدياد غياباتي. أمّوري الذي حاول بصدق أن يتفهّم نزعاتي الفنية واختياري النحت كموضوع دراسة ومهنة وكان يحترم الفن مع أنه، في آخر الأمر، لم يكن يحتل المراتب العليا في سلم قيمه. أمّوري الذي كان يريدني أن أكون مهندساً أو طبيباً مثله ولم يستطع أن يخفي خيبة أمله حينما حصلت على معدل ٨٢٪ في امتحانات البكالوريا والذي كان يكفي لدخول أكاديمية الفنون الجميلة لكنه لم يكن بمستوى طموحه لأخيه الصغير وما كان ليدخلني كلية الهندسة لا في بغداد أو المحافظات حتى لو كنت قد وضعتها على رأس اختياراتي. أمّوري الذي كان يدافع عنّي في البيت ويقف معي شارحاً وجهة نظري إزاء انتقادات أبي وأمّي ويقول لهما بأنني موهوب ويجب أن أختار طريقي بنفسي وأن أتحمّل تبعات قراراتي. أمّوري الذي زار المعرض الذي أقمناه في السنة الثانية في الأكاديمية خلال واحدة من إجازاته كي يشجّعني وطلب مني أن أشرح فكرة عملي له وأبدى إعجابه واستمع بصدق. أمّوري الذي كان يمزح معي ظانّا أنّه يشجعني لكنه كان يزعجني عندما كان يقول إن تماثيلي ستملأ ساحات بغداد. الدكتور أمّوري الوسيم والخجول، خصوصاً مع البنات، لكنه نجح في إيقاع وسن، ابنة الجيران، في غرامه بصمته ووقاره منذ سنين وسارعت أمّي لتخطبها له قبيل تخرجه. وسَنْ ذات الشعر الأسود الطويل والسيقان الجميلة التي كانت تدرس الهندسة المعمارية في الجامعة التكنولوجية والتي كنت أشعر بالذنب عندما لا أفلح في إبعاد صورتها أكثر من مرة عن أحلامي ورغباتي الجنسية. أمّوري الذي كنت أغار منه كثيراً لأنه المدلّل المفضّل المتفوّق والمثال الذي أخفق في الاقتراب منه. شعرت بالذنب لأنني لم أستطع منع نفسي، حتى في هذه اللحظة، من التفكير بكل أنانية: ترُى هل كان موتي في هذه الحرب، التي لا يبدو أنها ستنتهي، سيترك رُبع الفجيعة والحزن اللذان سيخلفها غياب أمّوري؟ مسحت دموعي ووبّخت نفسي على هذه النرجسية.
كان باب المغيسل مفتوحاً. عبرت الممر وطالعتني إلي اليسار ”وكل نفس ذائقة الموت“ بالخط الديواني الجميل ومعلّقة فوق الباب على الحائط الأبيض المصفرّ الذي فعلت فيه الرطوبة فعلها وسلخت قشوره في أكثر من موضع. كان أبي يجلس في الغرفة الجانبيّة على الكرسي الخشبي في الزاوية اليسرى يستمع إلى الراديو كعادته في فسحة من الوقت ينتظر فيها ما سيقذفه الموت نحوه بحسب مزاجه. الموت الذي كان أثره حاضراً في كل شبر من ذلك المكان بروائحه وذكرياته وتفاصيله حتى لكأنه كان صاحب المكان وكأن أبي محض موظّف يعمل لحسابه، كما كنت أفكر أحياناً، وليس لحساب االله كما كان هو يظن.
الموت، الدائم الحضور في محل عمل أبي وفي أيّامه، كان على وشك أن يعلن حضوره من جديد لكن بقسوة وضراوة سيترك بهما وشماً على قلبه وما تبقى من سنينه. كانت دكّة الغسل خالية ويابسة وكانت مسبحة أبى الكهرب بيده اليمنى تطقطق. كان حمّودي قد خرج لشراء شيء ما وكان أبي لوحده استقبلتني نظراته بعد أن سمع وقع خطواتي.
- االله يساعدك يابه.
- هلا. ها ابني خير انشالله؟ شْعَجَب هنا؟
لم تكن قدماي قد وطأتا أرض المحل منذ أكثر من سنة. حاولتُ أن أبتعد عن الموت وتصدّعت علاقتي بأبي. استشعر هو شيئاً ما في نبرة صوتي و من الوجوم الذي غطى محياي، فبان القلق في صوته:
- شكو؟ أمّك بيهه شي؟
- لا يابه.
- شنو لعد؟
اقتربتُ منهُ و انحنيتُ لأعانقه وهو جالس في كرسيه. فسألني:
- شنو لعد؟ أمّوري صارله شي؟
كانت الأخبار في اليومين الماضيين قد تحدّثت عن معارك دامية في الفاو، حيث كانت وحدة أمّوري قد نُقِلت قبل شهرين من القاطع الشمالي، وعن خسائر جسيمة تكبّدها الجيش. ترددتُ لثوان طويلة كأنّي أريد أن أؤجل الخبر الجلل. ثم قلت له وأنا أعانقه وأقبّله على خده الأيسر دون أن أتمكن من حبس دموعي: البقيّة بحياتك يابه، هسّه جابوه للبيت.
وضع ذراعيه حولي وردّد بصوت متهدّج: لا حول ولا قوّة إلا باالله. لاحول ولا قوّة إلا باالله. لا إله إلا االله. له وحده البقاء. ثم أجهش كطفل صغير.عانقته بقوة أكبر وشعرت بأننا تبادلنا أدوار الإبن والأب لدقائق. بللت دموعه الحارة خدي. أحسست بأنه يريد الوقوف فخفّفت ذراعيّ ووقف هو ومسح دموعه بظاهر يده اليمنى دون أن تفلت المسبحة منها. أطفأ الراديو وارتدى سترته وأقفلنا باب المحل وعدنا سوية إلى البيت دون أن نقول شيئا في الطريق.
لم أر أبي يبكي بعدها أمامي أبداً لكن الانكسار الذي لمحته يتغلغل في عينيه وفي صوته ذلك اليوم كان يطفو بين الحين والآخر على وجهه وبالذات كلما نظر إلى صورة أمّوري المعلقّة على الحائط كأنّه يحاوره بصمت.
ذات النظرة التي لمحتها على وجه أبي حين كان التراب يهال على قبر أمّوري والدفّان يردد: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم جاف الأرض عن جنبيه واصعد إليك بروحه ولقّه منك رضواناً وسكّن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة سواك. إيماناً بك وتصديقاً ببعثك، هذا ما وعدنا االله ورسوله وصدق االله ورسوله، اللهم زدنا إيماناً وتسليما.
بعد انقضاء مجلس الفاتحة ظلّت اللافتة السوداء لأشهر على جدار بيت في بداية شارعنا:”لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل االله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون“، الشهيد البطل الدكتور أمير كاظم حسن، استشهد في معركة تحرير الفاو بتاريخ١٩٨٨/٤/١٧.
لم يكن أبي ثرثاراً أو ضحوكاً لكن رحيل أمّوري زاد من صمته وإطراقه وأصبح أكثر مزاجية وتقلّباً. وكانت أمّي هي التي تتلقى موجات غضبه بدمدمة أو شكوى تهمسها لنفسها عندما يصرخ هو ”كافي“ أو ”نصّي التلفزيون.“ التلفزيون الذي كان سلوتها الوحيدة. لم أكن أمضّي الكثير من الوقت في البيت أساساً قبل موت أمّوري، لكنّ اصطداماتي بأبي ازدادت بعد ذلك وكنت أحاول أن أتفاداه لأتفاداها. قال لي أكثر من مرة وأنا أعود ليلاً بأنّني أتعامل مع البيت كأنّه فندق.
بعد سنتين ونصف من موت أمّوري، عام ١٩٩٠، حين وافق صدّام على كل شروط الإيرانيين وتخلّى عن مطالبه التي شنّ الحرب بسببها بعد احتلال الكويت كي يضمن ”الجبهة الشرقية“ ويسحب الجيش منها إلى الكويت، ضرب أبي كفّا بكفّ وصرخ: لعد خاطر شنو حاربنا ثْمَنّ سنين ولوّيش راح أمّوري؟ أمّا أمي فكانت تكتفي بوضع راحتيها على وجهها وتنتحب كلما تذكّرته. وكانت أختي تواسيها وتعانقها فتغرقان في حزن بعضهما البعض.