٤
كنت، ككل الأطفال، شديد الفضول وألحّ على أبي بالسؤال عن تفاصيل عمله، لكنه كان يكتفي بالقول إنّه سيقول لي كل شيء وإنّي سأرافقه إلى عمله عندما أكبر ويحين الوقت ”بَعَدْ وَكِت. .. ركّز على دراستك هسّه.“ كان كل هذا الغموض الذي يكتنف مهنته والمحل يزيد من رغبتي في معرفة ما يدور داخله. أمّوري كان قد بدأ الذهاب إلى المحل عندما كان في الخامسة عشرة ليعاونه وبدأ بالغسل في الثامنة عشرة، لكن أبي لم يكن يسمح لي بالدخول إلى محله أثناء عمله وكان يحب أن يظل الشغل في محل الشغل والبيت للعائلة. عندما كنت أسأل أمّوري عن تفاصيل العمل لم يكن يستفيض في إجاباته وكان يقول لي إنها ليست لعبة وإن هذه أمور تخص الكبار وأنني ما زلت طفلاً.
في عطلة الصيف التي أعقبت امتحانات الصف الثالث المتوسط قال لي أبي ذات يوم إنّ بأمكاني أن أرافقه إلى العمل لأراقب وأتعلم أصول المهنة وقواعدها. فرحت يومها كثيراً. شعرتُ بشيء من الرهبة و أنا أقف خلف أبي أمام عتبة المحل. حوّل الصفرطاس الذي كان يحمله من يده اليمنى إلى اليسرى و أدخل يده اليمنى في جيب بنطلونه ليبحث عن المفتاح. كانت السماء صافية بلا غيوم. لفت انتباهي عدم وجود قطعة تشير إلى المكان أو تدل عليه وعندما سألت أبي عن ذلك قال لي ألّا حاجة لقطعة لأنه ليس دكاناً أو محلّا تجاريّاً. وأضاف وهو يضع المفتاح في القفل ويديره إن الكل يعرفون أين المغيسل، فهو الوحيد للشيعة في بغداد، والأغلبية الساحقة موجودة في النجف. قالها بفخر وأضاف إن الكاظميّة كلها تعرفه.كان المكان أصغر بعض الشيء مما تخيلته منذ وقوفي أمام بابه مع أمي قبل ذلك بسنين طويلة. فاحت رائحة السدر والكافور وأحسست برطوبة الهواء تتسلل إلى جلدي. سدّ أبي الباب وراءنا وتقدّمني إلى الداخل. أول ما وقعت عليه عيناي بعد أن قطعنا الممر ودخلنا الغرفة الرئيسية كانت دكة المرمر التي يُغْسل عليها الموتى والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلاً، حيث يوضع الرأس، كي يسيل الماء وكيلا يتجمّع. كان عمر المكان أكثر من ستة عقود وعملتْ فيه أجيال من عائلتنا وعمل فيه جدي الذي مات قبل أو أولد. كانت الجدران والسقف مطلية بلون أبيض مائل إلى الصفرة، لكن الزمن والرطوبة كانا قد جعلا بعض المواضع، خصوصاً في السقف، تتقشّر وتبدو كأوراق خريفيّة على وشك السقوط. توسطت السقف مروحة بدأت تدور بعد أن فتح أبي الزر على الجدار. نظرت إلى اليمين وكانت هناك التوابيت التي يؤتى بها من الوقف وقد صفّت في الزاوية. وفوقها بمسافة نافذة متوسطة الحجم أعلى الجدار تسمح لأشعة الشمس بإضاءة المكان. كانت حزمة ضوء مائلة قد تسلّلت وتركت بقعة على الأرض فالتمع الكاشي المشجّر الذي رصفت به الأرضيّة. لكن النافذة لم تكن بمستوى الناظر وكانت تترك الزوايا معتمة بعض الشيء لكنها تسمح برؤية كِسرة من السماء. كانت المروحة السقفية القديمة في منتصف السقف ترسم، في ساعات معينة واعتمادا علي الزاوية وأشعة الشمس، أجنحة ترفرف على الحائط المقابل. تحت النافذة كان هناك باب يؤدي إلى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمّان التي كان يحبّها أبي كثيراً وبجانبه مصطبة يجلس عليها أحياناً أقرباء الميت وهم ينتظرون ويراقبون. في الجهة الشمالية على بعد مترين من الدكة كان هناك حوض أبيض كبير تعلوه حنفية ماء نحاسية اللون اصطفّت تحتها طاسات نحاسية وسرّاحية ودلاء وأجّانات معدنية. كان أبي يرفض رفضا قاطعاً استخدام البلاستيك الذي أصبح شائعاً. إلى أسفل يسار الحوض كانت هناك حنفية أخرى وأمامها تخت خشبي صغير مثل الذي كنّا نستخدمه في الحمام للجلوس أثناء الاستحمام. إلى يمين الحوض كان هناك دولاب كبير بأبواب زجاجية عرفت فيما بعد أنه كان يحوي أكياس السدر والكافور والقَمْحة والأكفان والليَف والقطن والصابون.
كانت الدكّة مستطيلة و الأرض حولها محاطة بحفيرة هي ساقية صغيرة مبطنة بالكاشي الأبيض تتحول إلى مجرى صغير يأخذ الماء إلى الحديقة الصغيرة التي تجاور المكان لا إلى البالوعة كي لا يختلط ماء الغسل مع مياه المجاري. في الزاوية اليسرى يتفرّع ممر قصير يؤدى إلى الحمام و إلى مخزن صغير. على الجدار الغربي لوحة بإطار خشبي سميك خُطّ عليها ”وكل نفس ذائقة الموت“ بالخط الديواني وتحتها باب خشبي يفضي إلى غرفة صغيرة مجاورة كان أبي يجلس فيها معظم الوقت. كان كرسيان خشبيان قديمان يتوسطان الغرفة بينهما طاولة صغيرة. لم يكن في الغرفة إلا شباك واحد علّقت بجانبه صورة للإمام علي.
دخل أبي وعلّق سترته في المخزن ثم عاد ودلف إلى الغرفة وجلس على الكرسي الخشبي وأدار الراديو الصغير الذي كان على الطاولة واستقرّ على محطته المفضّلة. تبعته فأشار إليّ بأن أستريح. جلتُ بنظري في المكان ثانية. لا أدري لماذا تخيلت أننا سنباشر العمل حالاً. قال لي إن عليّ في البداية أن أراقب ما يقوم به وما يقوله هو وحمّودي لأسابيع كي أتعلم ويمكن فيما بعد أن أبدأ بمعاونته و بمناولة ما قد يطلبه مني ولن أغسل إلا بعد أن أتقن العمل وأستوعب معانيه. هززت رأسي بطاعة. بعد نصف ساعة وصل حمّودي الذي كان يعاون أبي منذ صغره وسأله إن كان هناك ما يمكن أن يفعله، فطلب منه أبي أن يكنس المكان ويفحص الدواليب ليتأكّد من توفّر كل المواد وإن كانت هناك نواقص وحاجة لشراء المزيد من أي شيء. قال لي أبي أن أذهب معه ففعلت. راقبته وهو يكنس الأرض حول الدكّة وفي الزوايا ولم يكن هناك حاجة للكنس. بعد أن أعاد المكنسة إلى المخزن، بدا متحمّساً وهو يشرح لي الأشياء وأماكنها. ارتسمت السعادة على وجهه وهو يستعرض معرفته بكل زاوية من زوايا المكان وبمعرفته بأسرار المهنة. فهو لم يكن الوحيد في عائلته الذي يمتهنها. فأمّه كانت مغسّلكيّة للنساء، تشرف على مغيسل للنساء في ظهر محلنا بابه الأمامي في الشارع الموازي.. كان حمّودي أكبر منّي بخمس سنوات. مات أبوه عندما كان في الثالثة من عمره وتزوّجت أمّه من رجل ثان بعد سنتين، لكنّه أُسِر في حرب إيران حيث كان من ضمن قواطع الجيش الشعبي واعتبر مفقوداً لأنه لم يعد بعد نهاية الحرب. ولم يتزوّجها أحد بعد ذلك إذ كان الناس يقولون إن كل من يتزوّجها سيموت. طلبت أم حمّودي من أبي أن يعمل ابنها معه ووافق. كان حمّودي قد ترك الدراسة بعد الصف الرابع الثانوي ليساعد أمّه وكان قد أعفي من الخدمة العسكرية بسبب العرج الذي في رجله اليمنى والذي أصيب به بعد أن صدمته سيارة مسرعة وهو على دراجته في أحد شوارع الكاظمية. أعطاني حمّودي جولة سريعة أطلعني فيها على كل الدواليب وأشار إلى السدر والكافور والقطن والأكفان وبقية المواد. ثم ذهبنا إلى المخزن حيث توضع المناشف وكرتونات الأكفان وكميّات احتياطيّة من السدر والكافور والصابون وفرن صغير بعين واحدة لعمل الشاي وتسخين الطعام.
عدنا إلى الغرفة المجاورة وجاء حمّودي بكرسي ثالث من الحديقة ووضعه في الغرفة.طلب أبّي منه أن يعد لنا الشاي. جلست أنا على الكرسي أتصفّح جرائد من اليوم السابق كانت على الطاولة. عاد حمّودي بصينيّة الشاي ووضعها على الطاولة. فاح عطر الهال. كان أبي طرباً لصوت زهور حسين القادم من الراديو ومن الماضي. تداخلت أصوات ملاعقنا الصغيرة وهي تحرّك الشاي في الأقداح الصغيرة وتسرع في ذوبان السكر فيها. ارتشفنا الشاي ووضعنا الأقداح على الطاولة واحداً بعد الآخر. أخذ حمّودي صفحة الأخبار الرياضيّة من الثورة وخيّم هدوء نسبي أنهاه بعد نصف ساعة صوت ضجيج أعقبته طرقات قويّة على الباب. هبّ حمّودي نحو الممر الذي يؤدي إلى الباب وسمعت صوتته يفتح. سأل صوت ذكوري عمّا إذا كان هذا هو المغيسل فقال له حمودي ”بلي“ وطلب منه أن يتفضّل. قال له الصوت إنهم سيذهبون إلى السيارة لجلب الميت. أغلق أبي الراديو الذي كان يبث أغنية قديمة لزهور حسين ووقف وأخذ يسير نحو الباب. وضعت أنا الجريدة على الطاولة ونظرت إلى أبي لكنه بدا وكأنّه غير آبه لوجودي. بعد خمس دقائق عاد حمودي وتبعه رجلان يحملان شرشفاً أبيض كبيراً بدا أن الميت كان ملفوفاً به. أشار لهما حمودي بأن يضعاه على الدكّة ففعلا.
كان الناس يجيئون بالموتى بعد استصدار شهادة الوفاة من الطب العدلي والتي كان أبي حريصاً على قراءتها قبل الشروع بعمله.كان الرجل الأوّل بعمر أبي في بدايات الخمسينيّات وقد بدأ الشيب يلوح على شعره الأسود وطرفي شاربه. بدا على بياض عينيه البنيتين احمرار من بكاء أو تعب. الثاني كان يشبهه في الملامح ولون الشعر ولكنه كان أصغر، بشارب ولحية خفيفة. كانا يرتديان السواد.سأل الرجل الأول أبي عن الأجر فأجاب: إكرامية، هلّي تگدرون عليه وكلفة الكفن، بس بعدين. وسأل: منو المرحوم؟ فقال الرجل إنّه الأخ الثالث وقدتوفّي بالجلطة.
- لا حول ولا قوة إلا بالله. االله يرحمه والبقاء في حياتكم.
فأجاب الكبير:
- ويرحم والديك.
لم يقل الصغير شيئاً. طلب منهما أبي أن يجلسا على المصطبة أو أن يقفا إن أحبّا وأعلن بأن الغسل والتكفين سيستغرقان حوالي ثلاثة أرباع الساعة. لم يقل الرجل شيئاً وظل واقفاً بجنب أخيه على بعد ثلاثة أمتار من الدكّة. إتّكأت أنا على الحائط من الجهة المقابلة بقرب غرفة الجلوس.
اقترب أبي من يمين الدكة وأزاح الشرشف عن الجثة فبرز وجه ممتقع وعينان مسبلتان لرجل بدا في نهايات الخمسينيات. شعرت بضيق في صدري وبخوف. كانت هذه أول مرة أرى فيها إنساناً ميتاً عن كثب. مات جدي عندما كنت في الخامسة لكنهم لم يسمحوا لي بأن أري وجهه أو جثته. هذا هو ما يفعله الموت إذاً. كان أشيب الشعر والشارب، الذي كان ناعماً بعكس ذقنه التي بدا أنها لم تحلق لأيام. اقترب حمّودي من الجهة اليسرى للدكّة ورفع أبي الجزء العلوي من الجثة ليسحب حمودي الشرشف من تحتها وكذا الشيء ذاته مع الجزء السفلي وأعطى الشرشف للأخ الأكبر الذي ظل واقفاً. كان على جسد الرجل فانيلة بيضاء وبنطلون رمادي و كانت القدمان حافيتين. وكانت قبضتا يديه منكمشتين بعض الشيء. أمسك أبي باليمني ليفتحها بلين وفعل حمّودي الشيء ذاته باليسرى. جرداه من ثيابه حتى بقي السروال الداخلي الأبيض الذي غطاه أبي بقطعة قماش بيضاء ناوله إيّاها حمّودي ثم أزال السروال الداخلي مع إبقاء القماشة فوق الميت من السرّة وحتى أعلى الفخذين. ونزعه عن قدميه وناوله لحمّودي. طوى حمّودي الملابس ووضعها في كيس وسأل الأخ الواقف إن كان يريدها فأخذها. كان أبي يعطي الملابس التي لا يريدها الأقارب للفقراء. ذهب أبي نحو الحوض ونزع نعليه وتناول صدرية، من المشمّع، بيضاء كانت معلّقة على مسمار إلى يساره وارتداها فغطت صدره وجسمه حتى ركبتيه. وربط الشريط خلف ظهره وأخذ قطعة الصابون المكعبة، ثم شمّر عن ساعديه وفتح حنفية الماء وأخذ يُصوبن يديه وذراعيه حتّى المرفقين ثم غسلهما بالماء وكرر ذلك مرّتين أخريين. وبينما كان يجفف يديه وذراعيه بمنشفة كان حمودي قد وضع أحد الطشوت تحت الحنفية الثانية وأدارها فنزل الماء بقوة. أخرج كيسين من الدولاب وضع أحدهما على طاولة الدولاب و أخذ الثاني ونثر بعضاً مما فيه في الماء الذي أخذ يتجمع في الطشت. فاحت رائحة السدر التي كنت أشمها على أبي عند عودته إلى البيت.
اقترب أبي من الدكة من جهتها اليمنى وقال بصوت خفيض: ”بسم الله الرحمن الرحيم. يارب عفوكَ عفوكَ. هذا بدن عبدك المؤمن قد أخرجتَ روحه وفرّقتَ بينهما، فعفوك عفوك.“ وبدأ يمسح بطن الميت برفق براحته لكي يتأكّد من خروج كل شيء. وضع حمودي تختاً على مقربة من الدكّة ليكي يكون الطشت الذي سيضعه عليه في متناول يد أبي ووضع الطشت الذي امتلأ بالماء عليه ثم وضع قليلاً من السدر فيه. وضع طاسة معدنية فيه سمعتُ صوت ارتطامها بسطح الماء. أخذ أبي الطاسة وملأها بالماء ثم أشار إلى حمّودي الذي وضع قليلاً من السدر المطحون على رأس الميّت وبدأ يغسل شعر الرجل ويفرك رأسه برغوة السدر. بعد أن غسل الرأس ساعده حمودي في قلب الرجل على جانبه وهو يقول ”عفوك عفوك” وبدأ يغسل الجانب الأيمن. بدأ بالرأس ثم غسل الجانب الأيمن من وجهه، ثم رقبته وكتفه وذراعه وكفه. ثم صدره وبطنه. وكان يواصل صب الماء ويمرر يده على جسد الميّت ويردّد ”عفوك عفوك“. عندما وصل إلى أسفل بطنه غسل عورته دون أن يزيل الخرقة التي فوقها، ثم باشر بالفخذ ونزل حتى وصل إلى أصابع قدمه اليمنى. كان أبي يغسل براحته المفتوحة بنعومة. بعدها أعادا الميت على ظهره ودار أبي إلى الجانب الآخر و قلباه إلى الجانب المعاكس لغسل الجانب الأيسر.كرر أبي العملية بنفس الدقة من الرأس وحتى وصل إلى أخمص قدمه اليسرى. كان حمّودي قد أعاد ملأ طشت آخر ووقف ينتظر أن يفرغ الأول كي يضعه محله. اتجّه أبي إلى الحوض وغسّل يديه وذراعيه حتى المرفقين بعد أن أنتهي من غسل الميت للمرة الأولى. تبللت الأرض حول الدكّة لكن معظم الماء المدلوق كان يتجمّع في الحفيْرة ويسيل نحو الحديقة الصغيرة. أخرج حمّودي كيس الكافور من الدولاب وفرك بأصابعه مكعبين ثم أضاف المسحوق إلى طشت كان قد ملأه بالماء. مسح أبي مرة أخرى برفق بطن الميت ثم بدأ يغسّل الجانب الأيمن من رأسه بالماء المخلوط بالكافور وكرّر رحلته حتى أخمص قدمه اليمنى ثم انتقل إلى الجانب الأيسر من الرأس. غسّل أبي يديه ثانية حتى المرفقين بعد أن انتهي من الغسلة الثانية. الغسلة الثالثة والأخيرة لم يسبقها مسح البطن وكانت بالماء وحده بلا سدر أو كافور.كان أبي يخفض عينيه وهو يغسّل حتّى يبدو أحياناً وكأنّه هو الآخر نائم، لكن يديه كانتا تفركان بنشاط وبقوّة ولكن بلا قسوة. اتجه أبي بهدوء بعدها إلى الحنفيّة السفلى وغسل يديه إلى المنكبين و رجليه إلى الركبتين ثلاث مرّات ثم جفّف نفسه بمنشفة ناوله إياها حمّودي. ثم أخذ منشفة بيضاء من الدولاب وجفّف بها جسد الرجل بعناية وتلقّفها حمّودي بعد أن انتهى ليأخذها إلى المخزن.
أخذ أبي علبة الكافور وقاس مقداراً بملعقة صغيرة ووضع المسحوق في إناء ثم اقترب من الدكّة ومسح المساجد السبعة: جبين الرجل وطرف الأنف والخدين والذقن، ثم باطن يديه، ثم ركبتيه وإبهامي الرجلين. غسّل أبي يديه ورجليه مرة أخرى وكذلك فعل حمّودي بعده. أخذ أبي بعض القطن من الدولاب وملأ منخري الرجل ثم وضع بعضاً منه بين فخذيه وقلَبَهُ ووضع القطن بين إليتيه. علمت فيما بعد أنه يفعل هذا كي لا يخرج الدم من الميّت.أخذ أبي نفساً عميقاً. جاء حمّودي بقطعة قماش ومقص ناولهما لأبي الذي قص منها قطعة طويلة وأعاد المقص وما تبقّي من القطعة إلى حمّودي. شد فخذي الرجل إلى بعضهما البعض ولف القطعة حولهما مرّتين. ناوله حمّودي ما تبقّى من القماش فلفّه حول رأس الميّت وعممه من فوق وربط القطعة تحت حنكه. ثم جاء حمّودي بقطع الكفن الثلاث وناول أبي أولاها ففرشها فوق جسد الميّت وغطّاه من السرّة إلى الركبتين ونثر عليها بعض الكافور. ثم ناوله حمّودي قطعة ثانيّة أكبر، فرشها وغطّى بها من المنكبين إلى ما فوق القدمين. تعاونا على لفّها حول جسده من تحت. القطعة الثالثة كانت الأكبر وغطّت جسد الميّت بأكمله حتّى بقيت فضلة منها من الجهتين وكانت هناك أدعية مكتوبة بالأسود على حافتيها. أخرج حمّودي ثلاثة شرائط من القماش وناول أبي واحداً منها، فأخذه ولفه حول أسفل الساقين وعقده. ثم تعاونا على رفع جسد الميت من كتفيه ومرّر أبي الشريط الثاني بيده اليمنى من تحت ظهره فأمسك حمّودي بطرفه الثاني. ثم أعادا الميت وعقد أبي الشريط وكذلك فعل بالشريط الثالث الذي ربط به حافة الكفن من جهة الرأس. سحب أبي نفساً عميقاً وقال بصوتٍ عال: “لا حول ولا قوة إلّا بالله” وهو ينظر إلى الجثة المكفّنة. بدا الميّت كالطفل المقمّط ولكن بلا حراك أو بكاء. كان أبّي يتمتم الأدعية أثناء الغسل لكنه نادراً ما كان يقول شيئاً لحمّودي. كانا قد عملا معاً لسنين طويلة وكانا يتفاهمان بالنظرات والإيماءات ويعملان على إيقاع شبه ثابت. طلب حمّودي من أحد الرجلين أن يساعده في جلب التابوت بالقرب من الدكّة واتّجه إلى الزاوية اليمنى حيث كان هناك عدد منها. ساعده الأخ الأصغر في حمل التابوت وجلباه ووضعاه بالقرب من الدكّة. وقف أبي عند رأس الميت ليحمله من كتفيه برفق وقابله حمّودي من الجهة الأخرى واستعد لحمل الميّت من تحت ركبتيه. قال أبي ” يا الله” وكانت تلك الإشارة لكي يحملاه. وضعاه في التابوت برفق. ثم ذهب حمّودي إلى الحديقة الصغيرة وجلب منها جريدة من النخل أعطاها لأبي الذي كسرها إلى قطعتين ووضع واحدة منها إلى يمين الميت على طول الذراع بين عظم الترقوة واليد والأخرى إلى يساره في نفس المكان، كي ترفع عن الميت عذاب القبر، كما قال لي فيما بعد. كان أحيانا يضع غصنيْ سدر أو رمّان بدلاً من السعف. غطّى أبي التابوت وقال للرجلين “ الله يرحمه.” وكانت هذه العبارة إشارة إلى نهاية طقوس الغسل. دفع الأخ الأكبر ثمن الأكفان والأكراميّة وشكر أبي. بعدها بدأ الأخوان يستعدّان لحمل التابوت وساعدهما حمّودي. قال لي أبي أنّ أفتح الباب لهم ففعلت وأغلقته وراءهم. عندما عدت إلى الداخل كان يرتّب الطشوت والأجّانات ويصفّها، لكنّه أبقى واحدة منها قرب الدكّة. عندما عاد حمّودي بعد عشر دقائق ملأها بالماء الساخن وأخرج قليلاً من السدر وأخذ يغسل الدكّة ويفركها بأسفنجة. ذهب أبي إلى الغرفة المجاورة وجلس على كرسيه. ثم سمعت صوت مسبحته تطقطق قبل أن تغمر صوتها أغنية من الراديو الذي فتحه. بدت الأغنية كأنّها قادمة من عالم بعيد لم يغرق بعد كليّاً في الموت كما غرقت هذه الغرفة لساعة أو أقل. تعجّبت من قدرة أبي على العودة إلى إيقاع الحياة العاديّة بسهولة بعد كل مرّة يغسل فيها أو بعد كل يوم يقضيه هنا كأن شيئاً لم يكن. كأنّّه ينتقل من غرفة إلى أخرى ويترك الموت وراءه وكأنّ الموت خرج مع التابوت وذهب إلى المقبرة وعادت الحياة إلى المكان. أمّا أنا فكنت أشعر بحضور الموت في المكان كله حتّى بعد أن رحلت الجثة وخيّل لي بأن الموت كان يلاحقني إلى البيت. استحوذت على حقيقة أن ما يشتريه لنا أبي كان بفضل الموت وحتى ما نأكله كان الموت هو الذي يشتريه لنا.
عندما عدنا إلى البيت مساء ذلك اليوم سألتني أمّي عن يومي الأوّل مع أبي فقلتُ لها: زين. ففرحتْ وقالت: عفية بالسبع! لكن وجه الرجل الميّت كان يتفرّس فيّ تلك الليلة لكن بلا عينين، فقط بمحجريه الخاويين. لم أقل لها أو لأبي شيئاً عن الكابوس الذي ظلّ يعاودني ذلك الصيف في فترات متفرّقة. كان وجه ذلك الرجل يغيب أحياناً لتحل محله وجوه موتى آخرين، محاجرهم خاوية أيضاً، لكنه كان دائماً يعود ويظل صامتاً يتفرّس دون أن يغمض عينيه. وجه بلا جسد. عندما تناولنا العشاء ليلتها بقيت أراقب أبي وأصابع يديه وهي تقطّع الخبز وتضع الطعام في فمه. كان من الصعب أن أصدّق بأنها ذات الأصابع التي فركت جسداً ميتا قبل ساعات.
تغيّرت وجوه الموتى وقاماتهم وعلاماتهم الفارقة، لكن إيقاع الغسل كان ثابتاً لا يتغيّر ولا تتغيّر تفاصيله إلّا في حالات نادرة. قبيّل نهاية ذلك الصيف جيء برجل مات محترقاً في حادثة في مصنع للكيمياويّات وكان جسده مغطى بحروق شديدة التهمت بشرته وغيّرت لونها في كل موضع. لم يتحمّل أقرباؤه المنظر فانتظروا في الخارج. أزال أبي الملابس عن جسده بصعوبة واكتفى بصب الماء عليه ووضع القطن وتكفينه بدون أن يستعمل السدر أو الكافور ودون أن يفرك أي بقعة منه.تقيّأت يومها وتوعّكت لأيّام لم أذهب فيها مع أبي الذي لم يقلقه الأمر وقال لي: لا تخاف، راح تتعوّد على هالأشياء. ولم أعد للعمل مع أبي حتى الصيف التالي.