4

10 0 00

4

كانت شتاء هذا العام باردة وجافة .

ومع اقتراب موسم جني الزيتون ، راح أهل قرية " زيزا " يبنون معصرة أكبر من التي لديهم ، ذلك أنها قديمة ومتصدعة . وبرغم الصراعات والخلافات التي كانت تنشب من وقت لآخر بينهم ، فمن ينظر إليهم وهم يعملون معا في بناء هذه المعصرة ، لا يعتريه الشك في مدى الحب والاحترام الذي يجمعهم .

لم يمض وقت طويل حتى أنهوا البناء ، لكن قلقهم ازداد بعد أن تأخرت الأمطار عن الهطول ، خاصة وأن فصل الشتاء في شهره الأخير . فراح الكل ينظر إلى السماء كل يوم متضرعا أن تجود بالرحمة . وكل يوم انتهى ولم يهطل فيه مطر ، نسوه وفكروا في الغد .

بيد أن سمير لم يعد يفكر في الغد أبدا ، وبات المستقبل بالنسبة إليه متشابها ، مظلما ، مقفرا . الحق أنه اكتشف بعد مرور خمسة أشهر فقط على زواجه ، اكتشف بأنه لم يتزوج سوى بجسد امرأة ، وهو الذي كان يتمنى بأن يقترن بامرأة تشاركه تطلعاته وهمومه الفكرية !. حنان فشلت في القيام بهذه المهمة فشلا مخيبا ، لم تستطع حتى أن تفهم ما يدور بخلده . كثيرا ما كان يكلمها حول مواضيع فكرية فلا تعير لكلامه أي اهتمام ، وتكتفي بالنظر إليه في صمت . والأسوأ ، كانت تبدي سذاجة وغباء لا يطاقان كلما كلمها حول مواضيع من هذا القبيل تستأثر باهتمامه وحماسته . ويوما ظل يتحدث إليها عن الموسيقى لمدة طويلة ، فلما فرغ من كلامه ، قالت له في برودة : " لقد تأخر هطول المطر بشكل مخيف هذا العام !" . فصاح فيها في نفسه : "اللعنة على كل زوجة جاهلة !".

اكتشف في تلك الأشهر التي استقر فيها ب " زيزا " مع زوجته بأن العمل المضني هو جوهر حياة الفلاحين من حوله ، بمن فيهم أباه وأمه ، فحياتهم تتلخص في النهوض باكرا كل يوم والاتجاه نحو الفدادين للزرع أو الحصد أو السقي ، ثم العودة للغداء ، وبعد ذلك النوم لساعة بعد الزوال ، ثم الانطلاق من جديد نحو الفدادين ، ثم العودة مرة أخرى عند الغروب لإدخال المواشي وإطعامها ، وأخيرا تناول وجبة العشاء ، ثم الخلود إلى النوم .-هكذا كانت عجلة الحياة تدور في هذا المكان من دون تغيير .

كره سمير هذا النمط من الحياة . ذات يوم ، خلال هذه الأشهر الخمسة ، اتجه مع والده لتسميد بعض أشجار الزيتون ، وعندما فرغا من العمل ، عاد والده إلى البيت ، على حين اتجه هو نحو جرف يطل على الوادي وحقول الزرع المتربعة إلى جانبه ، لطالما كان يعشق الجلوس فيه والاستمتاع منه بمنظر المروج من بعيد . كانت المروج آنذاك مكتظة بالفلاحين الذين كانوا يعملون بشكل جنوني ، فما كاد يجلس تحت شجرة يتملى منظر انغماسهم هذا في العمل حتى زفر في حيرة : " مستحيل أن يكون هؤلاء بشرا . هؤلاء ليسوا سوى آلات تعمل بلا توقف وبدون شعور . هل يعقل أن يكونوا سعداء فهم لا يشتكون من حياتهم أبدا ؟ . لا. مطلقا . كيف يسعدون وليس لديهم خطة للحياة ، كما أن حياتهم تتلخص في العمل والأكل والنوم وملامسة نسائهم ، ومن يدري إذا كانوا حتى يلامسونهن أم لا ؟!. وإذا كانوا يفعلون ذلك ، فلا شك بأنهم يلامسونهن بلا حب ، بلا شاعرية ، ماداموا كلهم تزوجوا بإيعاز من أولياء أمرهم " .

لكن صوتا بداخله صاح يلومه عندئذ : " اشبع أنت بالشاعرية . ألا تنظر إلى نفسك ! أنظر إلى نفسك ! إنك غريب وسط أهلك ولا تستطيع مشاركتهم حياتهم . وزوجتك المسكينة ! لا تكاد تجلس إلى جانبك حتى تفر هاربا من أمامها كالصرصار " .

فصرخ : " إنها متخلفة " .

لكن الصوت قال : " ولكنها بسيطة وجميلة " .

وصرخ : " جمالها لا يدغدغ سوى جسدي ، وسرعان ما تنتهي الدغدغة فأشعر بالاحتقار تجاهها " .

ولامه الصوت : " أنت مريض . انس أفكارك هذه وعش حياتك كالآخرين! " .

وصرخ : " لا أستطيع " .

وقال الصوت : " إذن ارحل " .

* * *

ومع الأيام فكر في الهروب بجدية . شيء واحد كان يقض مضجعه ويجعله يتردد في الرحيل ، هو أخوه سلطان . لقد وعده إبان دراسته الجامعية بأنه ما أن يحصل على إجازته حتى يعود ليستقر في القرية ولن يغادرها أبدا . كان يعرف أنه سيشعر بحزن بليغ إذا رحل وتركه ، فلقد كان يعيش في عزلة مهولة ، وهو الذي كان ينفس عنه هذه العزلة . كان يحمله معه إلى الفدادين . وكانا يبقيان في غرفة المكتبة يقرآن معا ويلعبان تلك اللعب في الوقت الذي يشعران فيه بالتعب .

لكن سمير لم يكن سعيدا بعد زواجه .

اعتقد من قبل أنه قادر على خلق جوه الخاص في "زيزا" ، جو الفكر والارتقاء ، كما كان يسميه ، عن طريق الانطواء على ذاته والتفرغ للمطالعة والتأليف . إلا أنه فشل ، فوالداه وزوجته لا يعلمون شيئا عن حياة كهذه . الحياة تتلخص عندهم في الأعمال المباشرة التي يسمعون عنها : وظيفة ، تجارة ، زراعة . . . كان قد استسلم لرغبة والديه ظنا منه بأن الأمور ستجري كما خطط لها : زوجته تحتفظ بواقعها وهو يحقق ما يصبوا إليه بمنأى عن أية مشاركة لها . لكن هذا لم يحدث . كان يعتقد بأنه سيقرأ بنهم ويكتب بغزارة عندما يتزوج ، لكن أيا من ذلك لم يحدث . لقد كان العمل مع والده يأخذ جل وقته ، وعندما يأتي إلى البيت لا تترك له حنان إلا وقتا قليلا لدخول المكتبة . وهذا زرع فيه القناعة بأن الرجل إما يجر زوجته إلى واده وإما تجره هي إلى وادها . المهم أن يلحق أحدهما بالآخر ، فلا يمكن أبدا لكل منهما أن يسبح في حرية مع تياره الخاص .

وهذا في الحقيقة هو ما انتهت إليه علاقته بحنان : تظل تحدثه فلا يتوقف عن ترديد كلمة نعم مدعيا أنه يفهمها كل الفهم ، أما هو فقد قرر ألا يحدثها في أي شيء مما يشغل باله لئلا تصدمه ، مثلما جرت العادة ، بأجوبتها الباردة والغبية . وبدل ذلك ، صار لا يكلمها سوى عن الأشياء التي ترضيها ، فتعلقت به وأحبته حبا كبيرا ، أما هو فلا .

وكرت الأيام وهو يبحث عن طريقة يقنعهم بها بضرورة سفره إلى الدار البيضاء للعمل ، وبعد تفكير وتفكير ، قرر يوما ، وكان عامان تقريبا قد تصرما على زواجه ، قرر أن يبدأ بإقناع أخيه ، فقال له وهما بالمزرعة يستروحان النسمات :

- أخي العزيز . . أريد أن أسألك سؤالا مهما . .

- بالطبع . .

- هل تحبني ؟ . .

فنظر إليه نظرة عتاب وقال :

- وهل لديك شك في ذلك ؟ . .

فجذبه إليه سمير متأثرا من تلك النظرة فقبله في جبينه بحنو ، ثم قال :

- إذن فأنت مستعد للتضحية بأي شيء من أجل سعادتي . .

- أجل ، أنا أفعل أي شيء ، لأنني أحبك . .

- أتدري ، أنا لست سعيدا هنا . .

- لماذا ؟ . .

- لا أعلم . . أنا لا أحب زوجتي ، ولا أستطيع تطليقها ، فأنت تعلم بأن هذا مستحيل في تقاليدنا . . لذلك أفكر بالذهاب إلى الدار البيضاء للعمل هناك فلعلي بابتعادي عنها سأشتاق إليها وأبدأ بحبها . .

فاغرورقت عينا سلطان مما سمعه ، فقال له :

- يعز علي ألا أراك سعيدا . .

- إذا لم تسمح لي بالرحيل فأنا لن أذهب ، فأنت تعلم كم أحبك . .

- لا ، لن أكون حجر عثرة في طريق سعادتك . .

فتعانق الإخوان عناقا حارا .

في نفس اليوم قرر مواجهة البقية وهم على طاولة الطعام يتناولون وجبة الغداء ، فلما فرغوا من الأكل ووقفت حنان لحمل الأواني إلى المطبخ قال لها في لهجة تنم عن الجدية :

- دعيها واجلسي ، فأنا أود التحدث معكم جميعا في موضوع مهم !

فقالت الأم وهي تمسح فمها بمنديل :

- خير . . !

فرد في توتر :

- كل الخير . .

ولم يهتد إلى طريقة يبدأ بها موضوعه ، فساد صمت لوهلة ما لبث أن قطعته الأم قائلة في شيء من الاستعجال :

- تكلم . . ما الموضوع الذي تود أن تحدثنا فيه ؟!

فنظر إلى عيني أمه وأبيه وزوجته ، المصوبة نحوه في ترقب ، ثم إلى عيني أخيه المنكسرتين ، فاستجمع كل قواه وهتف بحدة :

- لقد قررت الذهاب للعمل بالدار البيضاء . .

فتوقف لبرهة يزدرد ريقه ثم استدرك في فتور وقد رأى الوجوه اصفرت لكلامه :

- إن هذه السنة تنذر بالجفاف وقلة المحاصيل كسابقتها ، مما يعني بأننا سنعاني نقصا في الأموال لا محالة . .

فقالت الأم في غضب من دون أن تترك له الفرصة بأن يزيد كلمة واحدة :

- لابد أنك جننت . وماذا عنا نحن ؟ هل نبقا هنا لوحدنا ؟ هل ولدناك وربيناك كي تهرب عنا ؟

لكنه أجابها هو الآخر في غضب :

- كنت أعلم بأنك لن تفهمي قصدي يا أمي ، وهل قلت بأنني سأترككما لوحدكما ؟! بالطبع لا ، لن أغادر إلا وأنا مطمئن عليكما فحنان ستبقى هنا لرعايتكما كما تقضي بذلك التقاليد ، أما أنا فسأعود كل ثلاثة أشهر لزيارتكم جميعا كما يفعل باقي رجال القرية الذين يعملون بالدار البيضاء . .

وهتفت الأم في استنكار وهي تنظر إلى حنان التي لم تنبس بكلمة : - زيارتكم ؟! . .

فاستدارت نحو زوجها وهتفت به :

- أستبقى أنت صامتا هكذا ؟ ألن تتكلم ؟ أم أنك موافق على ذهابه وتركنا ؟

فأجابها هذا الأخير في برودة :

- يا امرأة فكري بروية فيما قاله ابنك ، إذا كان ذاهبا إلى الدار البيضاء من أجل مصلحة أسرته ، فهل ذلك معناه أنه سيتركنا ؟ . . عودي إلى رشدك وفكري بعقل وروية ! إنه على حق ، فهذه السنة سنة نحس ، ولا شك بأن الأمطار لن تهطل أبدا ، مما يعني بأننا معرضون للجوع كالسنة الماضية . . ألا تتذكرين ما عانيناه فيها من نقص للطعام حتى اضطررنا إلى التدين من الآخرين ، والتزلف بهم ؟ . .

وقالت الأم وقد شعرت بالخطر لكلام زوجها :

- إنك تبالغ كعادتك . . الأمطار سرعان ما ستنزل فيعم الخير . .

- أنا لا أبالغ ، إنها الحقيقة . .

فهتف سمير في شيء من الحماس بعد أن شعر بأن عجلة الحوار تجري في الاتجاه الذي يريده :

- أنا لا أود الهروب . . لا أحد يهرب من والديه وأخيه وزوجته . . أريد جمع المال الكافي لإراحتكما . . إلى متى ستظلون تعملون في تلك الفدادين التي لا تسمن ولا تغني من جوع ؟!

لكن الأب هتف به :

- لا تقل شيئا كهذا . . تلك الفدادين هي التي أطعمتنا وأطعمت أجدادنا من قبلنا ، وبها علمناك وزوجناك . . إن الجفاف اللعين هو السبب في قلة الغلة !

فعاد يقول وقد فطن إلى زلة لسانه :

- لا أحد ينكر جميلها ، ولكن بودي لو أراكما تستريحان قليلا من تعب العمل فيها .

وكانت حنان تتابع الحوار في تعب وحزن ودهشة ، لكنها انفجرت بالبكاء فجأة ، فمضت نحو غرفتها راكضة ثم أقفلت الباب وراءها دون أن تستجيب إلى الأم التي كانت تنادي عليها من الخلف . فما عتم أن قال له والده :

- الحق بها يا بني وتلطف إليها بالحديث .

فاتجه نحوها . كانت بالغرفة تبكي . اقترب منها ، أمسك يديها ، لكنها سحبتهما منه وقالت والدموع تنهمر من عينيها :

- تريد الرحيل وتركي هنا لوحدي . . ألهذه الدرجة لا تحبني ؟

فقال في نفسه : " اللعنة على الحب " . ثم أجابها في نفاق :

- طبعا أحبك ، وهل لديك شك في ذلك ؟

فأردف قائلا بعد أن رأى سحابة الغضب ما تزال تخيم على وجهها :

- حنان حبيبتي ، أنا لن أسافر إلى الدار البيضاء إلا من أجل أن أوفر لك حياة أفضل . .

فقاطعته وهي تجفف دموعها :

- ولكنني لا أريد حياة أفضل ، بل أريدك أنت . .

بيد أنه أجابها وهو يمسك يديها من جديد دون أن يجد منها أي اعتراض أو نفور هذه المرة :

- انظري ! ليس عليك سوى أن تصبري لبضعة أشهر أجمع فيها مالا يكفينا . . .

وهنا تساءلت في هلع :

- ماذا ؟ أتريد أن تغيب عني لشهور ؟

فجعل يطمئنها قائلا :

- طبعا لا ! سآتي كلما سنحت لي الفرصة ، فأنا لن أصبر طويلا على فراق زوجتي الحبيبة .

وهزت رأسها تنظر إليه ثم قالت له في استجداء :

- سوف أجن إذا غبت . . .

فقطع تيار كلامها بعناق طويل دافئ ، وخلال ذلك شب بداخله صراع متشعب :

"سأفتقد هذا الجسد .

ولكنك على الأقل ستتخلص من الروح التافهة التي تسكنه .

فلتذهب الروح إلى الجحيم .

بل فليذهب الجسد إلى الجحيم ، فأنا ما عدت أستلذ إلا سعادة الروح الأزلية الطافحة ، أما سعادة الجسد فهي قصيرة ومؤلمة .

إنك واهم فإشباع الجسد هو السعادة الوحيدة التي يمكن للإنسان الحصول عليها أما سعادة الروح فليست إلا سرابا يتراءى للناس في أحلامهم ..." .