1
" إن معرفة الرجل لكل ما يدور في رأس المرأة ، ومعرفتها لكل ما يدور في رأسه ، ضرب من المستحيل ! " .
هكذا همس صوت في أذن سمير .
كان راكبا الحافلة . قادمة من مدينة " وجدة " ، دخلت هذه الأخيرة في ساعة متأخرة من الليل إلى بلدة "بني تجيت" البعيدة عنها بحوالي أربعمائة كيلومتر تقريبا ، وبصعوبة أخذت تخيط الشارع الرئيسي بها المؤدي إلى محطة الطرق ، الشارع الوحيد المبلط فيها .
كانت هذه البلدة الصغيرة الواقعة جنوب شرق المغرب تبدو ليلا من الحافلة كما لو تلقت قصفا منذ وقت قريب . كانت مجرد خراب وخليط من التآكل العمراني ، فالطرق كان يملأها التراب والأرصفة كانت تملأها الحفر والمنازل كانت شبه مهدمة تنطق بالبؤس والتهميش .
شاردا كان سمير بالحافلة . وسرعان ما أخذ ينظر من إحدى نوافذها إلى هذا الخليط العمراني بحسرة وإشفاق ، لكن بتحنان أيضا ، فهو لم يزر بلدة " بني تجيت " منذ ستة أشهر كان قد أمضاها بمدينة " وجدة " يكمل دراسته الجامعية في السنة الثالثة بشعبة علم النفس . أما الآن ، فقد حصل على إجازته ، وذلك هو ما ذهب من أجله ، وسيستقر في قريته "زيزا" التي يقطن بها مع أبيه المعطي وأمه رشيدة وأخيه سلطان .
تبعد هذه القرية عن بلدة "بني تجيت" بخمس وعشرين كيلومترا ، وهي تقع بين قريتي " قورة " و " آيت وزاك " ، وهي تختلف بشكل كلي عن القرى التي في المنطقة إذ إن لها لهجتها وتقاليدها الخاصة ، بل وحتى دينها الخاص .
أهلها لا يتزوجون إلا من السكان الأصليين للقرية ، سواء كانوا يقطنون بها أم لا ، ذلك أن بعض الأسر حدث في إحدى سنوات الجفاف منذ عقود مضت أن نزحوا إلى قرى مجاورة ، لكنهم مع ذلك حافظوا على نسلهم ونسل أبنائهم خالصا ، إذ لم يتزوجوا ولم يزوجوهم إلا من السكان الأصليين لقرية " زيزا" .
وهم يقدسون الشرف ويعظمونه كل التقديس والتعظيم ، إلى درجة أنهم كانوا إذا أرادوا تزويج أحد أبنائهم يتقصون عن الطرف الآخر كما يفعل المتحرون أو أفضل .
كيف لا وعادات القرية تقضي بأن يُغرق في بركة يطلقون عليها اسم "بركة الإخلاص" الخونة – كما يسمونهم – الآتون : رجل دخل على زوجه في ليلة الزفاف فلم يجدها عذراء ، رجل وامرأة مارسا علاقة غير شرعية ، زوجان خان أحدهما الآخر ، ثم امراة فقدت بكرتها قبل الزواج هي ومن افتضها لها .
ولا غرابة أن السباحة كانت ممنوعة كليا على سكان القرية . وإذا وُجد أحد أو شهد اثنان عليه بأنه يتعلم السباحة ، فإن الرجال كانوا يحملونه مباشرة إلى إحدى البرك ويلقون به فيها ، فإذا أخذ يغرق فلقد كانوا ينتشلونه في اللحظة التي يتأكدون بأنه شرب الكثير من المياه ثم يضربونه حتى يكاد يفقد حياته ، وأما إذا أخذ يسبح جيدا فلقد كانوا ينتظرون خروجه من الماء فيقومون بحزم رجليه ويديه ثم يعيدونه إلى الماء مرة أخرى ، فيموت غرقا .
لذلك كان أهل القرية يربون أبناءهم على أن السباحة ، والدخول في علاقة غير شرعية مع فتاة ، وعدم احترام الزوجة والإخلاص لها والحرص على الحفاظ عليها لتبادله الإخلاص ، وعدم التلصص والتجسس على الفتاة قبل الاقتران بها ، يساوي الموت غرقا .
وكانت بالقرية أسرة تطبق هذه الأعراف على الجميع منذ زمن طويل ، وكان دائما شيخ القبيلة هو الابن البكر لها ، ولقد كان يبقى شيخها حتى توافيه المنية ، فيترك المهمة لابنه أو حفيده البكر . ولطالما كانت هذه الأسرة ميسورة الحال على مر الزمان ، الأمر الذي ساعدها على تطبيق هذه التقاليد ومنع أيا كان من أهل القرية على التمرد عليها ، ولقد كان لها في الدار البيضاء بضعة مصانع منذ العقود الأولى للقرن العشرين ، وكان يعمل فيها أغلب رجال القرية إذا لم يعجبهم العمل في فدادينهم بالقرية ، لكنهم مع ذلك كانوا يتركون نساءهم في القرية ويعودون إليهن من وقت لآخر ، حفاظا على القرية كيلا تصير مهجورة .
وفيما يخص الدين فلقد كانوا لا يعبدون الله الواحد كالقرى المجاورة المسلمة ، بل كانوا يعبدون الماء ، يقدسونه ويعتبرونه مصدر الحياة . لكنهم كانوا يبقون ديانتهم هذه سرية ولا يجهرون بها لغريب .
وبالرغم من ذلك ، كانوا يسمون أبناءهم أسماء شبيهة بالأسماء التي يضعها سكان القرى المجاورة لأبنائهم ، وكانوا يتبادلون معهم الزيارات والدعوات في مناسبات كالزفاف وغيرها ، لكيلا يعيشوا في عزلة .
ولاغرو أن القرية كانت تواجه الكثير من المشاكل مع " رجال السلطة " الذين في بلدة " بني تجيت " لما كانت تطبق أحكامها على أبنائها برميهم في تلك البركة ، خاصة أن البعض من القرى المجاورة كان مصرا في الآونة الأخيرة على إيقاف هذه " الأعمال المتوحشة " و " المتخلفة " كما كان يصفها ، لذلك كان يتصل ب " رجال السلطة " بمجرد أن يسمع بأن القرية تريد معاقبة أحد رجالها أو نسائها بالغرق ، لكن السلطة كانت دائما تصل متأخرة ، فلا تجد وسيلة للإثبات بأن السكان هم المسؤولين عن غرق الميت .
تزوج المعطي ورشيدة اللذان كانا ينتميا إلى قرية "زيزا" قلبا ودما . وسرعان ما رزقا بولد فسمياه سالم . ربياه أفضل تربية . وعندما حان الوقت زوجاه من القرية . لكن لسوء الحظ اتضح بأن الفتاة التي تزوجها لم تكن عذراء ، فصدموا لذلك أيما صدمة ، فأغرق ابنهم في تلك البركة ، لكن ذلك لم يجعلهم يتذمرون من عادات قريتهم ، بل لو لم يطبق شيخ القرية الحكم عليه لطبقاه بنفسيهما ، لعلمهما – كما علماهما والداهما – بأن كل من يفر من عقاب تلك البركة فإنه سيجلب الطاعون للقرية جميعا .
فتلك البركة كلما حدث شيء في القرية مما يستحق أن يغرق فيها أحد ما كانت مياهها تخضر اخضرار يميل إلى السواد ، فلا تعود إلى لونها الأصلي ، اللون الأخضر الفاتح ، حتى يغرق بها الشخص الذي يستحق العقاب .
لذلك كان أهل القرية ما أن يتبدل لونها من اللون الأخضر الفاتح إلى الداكن حتى يعلمون بأن مجرما بينهم يستحق العقاب ، وهكذا يبدأون بالتلصص على بعضهم البعض . وكان لا يمضي عام حتى يكتشفون الهارب . فيلقون به في البركة ، والعجيب في الأمر أن مياهها تعود إلى شكلها الطبيعي عقب ذلك بأيام قليلة .
وما عتم أن قرر المعطي ورشيدة بعد إغراق ابنهما سالم إنجاب مولود آخر ليؤنس وحدتهما . ولولا ما حدث لسالم ما كانا لينجبا بعده ابنا آخر ، شأنهما في ذلك شأن باقي أهل القرية ، إذ كانوا لا ينجبون أكثر من ابن واحد ، لا يهم أن يكون ذكرا أو أنثى ، فيربونه على احترام تقاليد القرية ، وذلك خوفا من إنجاب أكثر من ابن واحد فلا ينجحون في تربيتهم تربية حسنة ، وبالتالي يكونون قد أضروا بتقاليد القرية ، تلك التقاليد المقدسة .
لم تمض تسعة أشهر على ذلك القرار حتى ولدت رشيدة توأمين : واحدا سليم البدن والذهن ، والثاني ليس كذلك ، فسميا الأول سمير ، والثاني سلطان .
ولقد كان سلطان أشبه بحلزون ، لقد كان جسده ملتويا وينمو ببطء ، ومع كبره اتضح بأنه لا يستطيع الكلام أو المشي . فكان سمير يشعر دائما بنوع من الذنب تجاهه ، إذ كان يعتقد بأنه ضحى من أجله في بطن أمه ليولد هو بجسد قوي ، وهكذا كان يحبه كثيرا وراح يفعل المستحيل لعله يجعله يمشي ويتكلم .
فأما المشي فهو لم ينجح في جعله يمشي ، في حين نجح فعلا في جعله ينطق . ولم يفعل ذلك إلا بمساعدة الكتب . لما كان يحب القراءة منذ دراسته الابتدائية فلقد كان يحمله إلى مزرعة القرية ويجلسه بالقرب منه فيذاكر ، ولقد كان يقرأ بصوت مرتفع ليشركه فيما يذاكره ، على الرغم من معرفته بأن أخاه متخلف عقليا ولا يفهم كلامه .
ومع مرور الوقت وتكرر ذلك ، صار سلطان يتأتأ ويخرج الكلمات وإن بصعوبة . وعقبها بمدة قصيرة اكتشف بأنه يحفظ جيدا وله قدرة خارقة على إتمام تمارين ملء الفراغ بالجمل المناسبة .
وظافر جهوده معه ، حتى بات في سن الثامنة عشر سليم العقل ويتكلم بطلاقة . . وذكيا مثله .
ما كان لسمير أن ينهي دراسته الجامعية لولا ما حدث لأخيه سالم ، فلقد كان هو الآخر مثله مثل جميع فتيان القرية ما أن يحصل على البكالوريوس حتى يحثه والداه على الزواج ، ومن ثم يقرر البقاء في القرية أو الذهاب إلى الدار البيضاء للعمل عند ابن شيخ القبيلة في أحد المصانع ، فيجمع مالا ثم يعود للقرية من وقت لآخر ، حتى يجمع في النهاية ثروة فيشتري بها فدادينه الخاصة ، ثم يستقر في القرية إلى الأبد .
ولأنهما شعرا باقترابه من سن الزواج فلقد خافا أن يحدث له مثلما حدث لأخيه ، وهكذا راح أبوه يسأل من بعيد عن الطريقة التي تخول لابنهم معرفة الفتاة التي يقترن بها معرفة جيدة في وقت وجيز ، فأخبره أحد المعلمين ببلدة " بني تجيت " بأنه من اللازم عليه أن يترك ابنه ينهي دراسته الجامعيه في شعبة " علم النفس " ، فهذه هي المعرفة الوحيدة التي تخوله اكتشاف الكثير من خبايا الناس في لقاء واحد لا يتجاوز دقائق معدودات .
وعقبها ذهب المعطي إلى شيخ القبيلة فترجاه الموافقة على أن يتابع سمير دراسته الجامعية ، فشعر بالإشفاق عليه إذ كان يعلم بأنه كان يخاف من أن يفقده كما فقد ابنه السابق ، لذلك وافق في الحال على مقترحه ، والبين أنه لم يكن ليوافق لأحد غيره من القرية بأن يتابع ابنه دراسته الجامعية إلا أن يكون حدث معه نفس الشيء ، على الرغم من أنه لم يكن يرى قيمة في تلك الدراسة ، فهو نفسه لم يتجاوز الابتدائي ، وتزوج فنجح زواجه ، ناهيك أنه آلا على نفسه ألا يتعمق أبناؤه في الدراسة كما تقتضي بذلك توصيات أجداده .
وفرح سمير أيما فرح لموافقة شيخ القبيلة على متابعته الدراسة ، وهكذا ذهب إلى مدينة " وجدة " .
أنهى دراسته الجامعية هناك بنجاح ، وها هوذا اليوم الذي كانت تنتظره أسرته بشوق قد جاء ، وهو اليوم الذي يعود فيه إلى قريته "زيزا" وقد حصل على شهادة الإجازة ، تلك الشهادة التي تخوله كما تعتقد الأسرة معرفة خطيبته منذ اللقاء الأول .
لقد كان شديد التعلق بهذه القرية ولا يزال ، فهي أحب إليه من أي مكان
وأية مدينة ، كيف لا وهي المكان الذي ولد وتربى فيه بين أسرته . وكان دائما قلبه يتفطر حزنا كلما اضطر إلى توديعهم ثم السفر لمتابعة دراسته .
قال سمير ذو القامة المتوسطة ، الشعر الأشعث ، العينان السوداوين ، والبشرة البيضاء التي أضفت على وجهه ملاحة ووسامة تجعله محمودا لدى الآخرين ، قال لصديقه صلاح وزميله منذ فترة دراستهما الثانوية في لهجة يشوبها التذمر والحافلة قد توقفت بهما في محطة المسافرين ببلدة " بني تجيت " :
- ها قد وصلنا إلى مدينة الأطياف أخيرا Ị
فرد الآخر في استياء ماشيا خلفه ، فيما كانا نازلين معا من الحافلة :
- ماذا بوسعنا أن نفعل ؟! إنه سوء الطالع ، ففي الوقت الذي كان الناس يتهافتون فيه على المناصب والأراضي القيمة ، اختار أجدادنا الهروب إلى هذا الخلاء . .لا يمكن أن أتصور كيف أستطيع العيش هنا إذا لم أجد وظيفة ! . . سوف أجن إذا انتهى بي الأمر في هذه البلدة عاطلا مفلسا !
فقال له سمير في لهجة من المواساة وهو يجذب الحقائب من صندوق الحافلة :
- لا تخف فستجد عملا ، وقريبا !
- أتمنى ذلك فأنا لست ممن يصبرون طويلا . .
فتوقف صلاح لهنيهة ثم استدرك بعد أن رأى صديقه ينظر حوله وكأنه يبحث عن وسيلة نقل تقله إلى قريته :
- هه ! . . لا تتعب نفسك لأن الوقت متأخر . . لن تجد حتى حمارا تركبه إلى " زيزا ". . لذلك ستذهب معي الآن إلى البيت فتبيت عندي!
فقهقه الآخر وهتف فيما يشبه التسليم :
- ما باليد حيلة !
- أسوأ مشكل قد تواجهه في هذه البلدة المشئومة كالعادة هو النقل .
- للأسف . . الوضع باق كما كان منذ سنوات ، فإذا كنت تريد الذهاب إلى إحدى القرى المجاورة وفاتتك حافلة الرباط التي تمر على الساعة السابعة والنصف ليلا ، فلن تجد بعدها أية وسيلة أخرى .
ثم مستدركا في ابتسام :
- سيكون عليك تحملي هذه الليلة وغدا سأغرب عن وجهك !
لكن الآخر هتف به فيما يشبه العتاب :
- لا تقل كلاما كهذا ! . . سأسعد كثيرا إذا أمضيت معي بضعة أيام قبل انطلاقك إلى البيت !
- بودي ذلك . . لكن أنت تعرف ، لا تتصور كم اشتقت إلى أمي وأبي وأخي وأرغب في رؤيتهم اليوم قبل الغد .
فما عتم أن حمل الاثنان حقائبهما الثقيلة بين أيديهما متجهين نحو بيت صلاح الذي كان يبعد مدة ربع ساعة تقريبا عن محطة المسافرين . في صمت جعلا يمشيان بين الأزقة وبخطى متثاقلة . معظمها كان مظلما ، نظرا لغياب أعمدة الإنارة على جوانبها ، مما اضطرهما إلى استعمال هواتفهما النقالة مستعينان بضوئها الخافت لإضاءة الطريق أمامهما . وفجأة تذكر سمير بأنه قد ودع الوداع الأخير الجامعة وسنوات الدراسة والنضال مع الطلبة فقال في نبرة من التحسر :
- إن فكرة عدم رؤية الجامعة بعد الآن أمر يحز في النفس . . أليس كذلك؟ !
فغمغم صلاح محاولا أن يداري استياءه من كلام صديقه :
- كنت أنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر ، فلم أحزن على وداع الجامعة وأنا لم أتكبد منها إلا الجوع والملل ؟ عملت ودرست بجد وماذا كانت النتائج؟ إجازة في الحقوق لا يمكن أن توفر أية وظيفة ، على الأقل ليس بعد عشرة أعوام تقريبا . إذن فقل لي . . ماذا سيحزنني في وداعها ؟
وأجاب الآخر في لوم :
- أنت يا أخي لا تكف عن التذمر من الجامعة منذ أول يوم دخلت فيه إليها . ألا تر أنك فاقد بعد الآن جو المكتبة والحي والنضال ؟ . .
وتوقف لهنيهة ثم استدرك في شيء من الزهو :
- أليس بديعا أن تستلم الكلمة في الحرم الجامعي فتبدأ بالحديث بحرية عن العدالة الاجتماعية والفكر موزعا الشتائم يمينا وشمالا من دون الخوف لا من شرطة ولا . . .
فقاطعه الآخر في استهانة :
- يا لك من مثالي ! أنت تعلم بأنني كنت ولازلت أعتبر النضال داخل الجامعة مجرد هرطقة ، سواء مع الرفاق أو الإخوان أو أي فاصل آخر ، ولكنك على حق فيما قلته ، فلقد خرجنا من أسوار الفردوس ودخلنا إلى حصن الجحيم ، والوسيلة الوحيدة كي نصنع لأنفسنا قيمة في هذا الحصن اللعين هي الحصول على عمل يدر علينا المال ، والمال الكثير . . إذن انس كل ما قرأته في الجامعة واحرص على حمل مشعل الشارع : الأوراق البنكية اللعينة !
ثم مردفا وكأنه تذكر شيئا مهما :
- بالمناسبة . . ماذا تنوي أن تفعل بعد انتهاء العطلة الصيفية ؟ لا تقل لي مرة أخرى بأنك ستقبع في "زيزا" . ما رأيك أن نذهب معا إلى الدار البيضاء للبحث عن عمل ، فلدي هناك أحد الأقارب من شأنه أن يجد لنا عملا في مصنع أو ما شابه ؟
ومضت لحظة صمت فأجابه سمير في نوع من اللامبالاة مخفيا عنه أنه لو أراد العمل في الدار البيضاء لبدأ ذلك منذ الغد في مصنع من مصانع ابن شيخ القبيلة :
- بل سأقبع في " زيزا " كما أخبرتك من قبل ، بين أمي وأبي وأخي ، أزرع الحقول وأسقي . . .
- ماذا ؟! هل أمضيت كل تلك السنوات من الدراسة كي تصير فلاحا ؟
فدافع عن نفسه فيما يشبه الحنق :
- ذهبت إلى الجامعة بدافع تحصيل المعرفة فقط ، وأنت تعلم ذلك .
فقال الآخر في استغراب وانتقاد ، وهو لا يعلم بأن صديقه ذهب إلى هناك بإيعاز من أسرته :
- تحصيل المعرفة ؟! ظننتك تمزح وعند خروجك من الجامعة ستعود إلى رشدك . لا تنس أنك تعيش في واقع مادي لا يتكلم إلا لغة المال ، أما المعرفة فلا أحد فيه يهتم بها . أتساءل مع نفسي كيف ستتمكن من العيش بقية حياتك وسط أناس لا يفقهون شيئا وهمومهم كلها موزعة بين زراعة الحقول وجني الزيتون وانتظار الأمطار !
الحق أن سمير ما أن ذهب إلى الجامعة حتى صار يحلم أن يكون كاتبا في المستقبل ، فرد عليه في قوة :
- وهل قيل لك بأنني سأصير مثلهم ؟! لم أولد لأكون فلاحا بسيطا فأنا إنسان مثقف وأنت تعلم كم أحسن الانطواء على نفسي . وهذا هو ما سأقوم به ، فسأكون في الحقول فلاحا ، وفي البيت طالبا للعلم أصدقائي المقربين هم الكتب .
فرنا إليه صلاح بنظرة فيها مزيج من السخرية والاستنكار ثم قال له :
- وعندما تتزوج ويكون لك أبناء ، أستبقى في قريتك جاعلا من الكتب أصدقاءك المقربين ؟ !
فخيم عليهما صمت مطبق عقب ذلك ، ليبقى سؤال صلاح معلقا دون أن يجيب عنه صديقه ، فلم يرد أن يضغط عليه أكثر ليعطيه جوابا مقنعا خوفا من أن يغضب منه ويعدل عن فكرة المبيت عنده ، فاستمر الاثنان في المشي في ظلام حالك ، وكل ما فكر فيه سمير عندئذ هو أنه قد أكمل دراسته الجامعية وعائد إلى أبويه وقريته المحبوبة .
في الغد استيقظ على الساعة التاسعة صباحا ، تناول وجبة الفطور مع صديقه ثم ودعه على أمل أن يلتقيا في أقرب فرصة سانحة . فحمل حقائبه بين يديه ثم اتجه نحو المحطة . كان الصيف قد بلغ ذروته مما جعل لهيب الشمس يتطاير في السماء مثل بركان هائج . بدأ يخيط الأزقة التي كانت تتداخل فيما بينها بشكل عشوائي ومتشابه مثل قشور باهتة على ظهر سلحفاة مسنة . وسرعان ما مر أمام الثانوية التي أمضى فيها ثلاث سنوات ، ثانوية " ابن البناء المراكشي " ، فبدأت ذكريات الماضي تنهمر عليه مثل المطر : تذكر بعض الأساتذة والأصدقاء . وتذكر فتاة كان يهيم بحبها وهو في المستوى الثاني من الباكالوريا فيما كانت هي في المستوى الأول منه . اسمها نسرين . هيفاء ولها عينان ساحرتان وبشرة بيضاء ناصعة وشعر أسبط فاحم وناعم كالحرير . أحبها بجنون ولايزال ، مع أنها صدته ورفضت علاقته ، ومع أنه صدم وطعن في الصميم عندما علم بزواجها منذ سنوات .
وهو يمشي ، نظر إلى جدران الثانوية للحظة ثم قال في نفسه : " مؤكد لو أن لهذه الجدران عيون لتذكرت وجهي وحيتني" . "السلام عليك يا أيتها الجدران " . لا أحد رد التحية . "ربما لم أسمعها ! أو ربما تتكلم بصوت لا تستطيع آذاني التقاطه . من يدري ؟ . قد تكون الآن ضاحكة تسخر مني !". وسمع صوتا بداخله يصرخ : " أكمل سيرك أيها الغبي!"، فضحك ضحكة خفيفة ، وما فتئ أن خاف بأن يراه أحدهم من بعيد يضحك ، فيظنه مجنونا ، وهكذا جعل يلتفت من حوله ، لكنه لم يبصر أحدا ، فالطريق كانت خالية نظرا لارتفاع درجة الحرارة ، الأمر الذي أدخل إلى نفسه شيئا من الراحة .
وركب الحافلة الصغيرة التي انطلقت في اتجاه القرى المجاورة لبلدة " بني تجيت " على الساعة الثانية عشرة ، بعد أن غصت بالركاب الذين تزاحموا مع بعضهم البعض مثل أسماك سردين داخل علبة تصبير ، حتى يتمكن كل من أنهى منهم أشغاله بهذه البلدة من تناول وجبة الغداء في قريته . فالبعض يأتي عادة إليها للتسوق ، والبعض لقضاء غرض إداري ، والبعض الآخر يأتي لزيارة أقاربه ، ذلك أن أغلبية السكان ب " بني تجيت " يعود أصلهم إلى إحدى هذه القرى المجاورة : "آيت وزاك" ، "آيت واحي" ، "البرج" ، "قورة" ، "آيت السبع" ، "تاغناميت" ، "زيزا" . . .
وما لبث أن خلا مكانه لعجوز جلست فيه ، فأخذت تدعوا له بالصحة والعافية وبطول العمر . وسرعان ما اعتراه إحساس بالاختناق نظرا لشدة الازدحام ، فتمنى أن تصل الحافلة إلى قريته في أسرع وقت ممكن ، إذ أنها في العادة تمضي نصف ساعة من " بني بجيت " إلى " زيزا " ، واليوم حالة استثنائية ، فهو يوم الأحد ، اليوم الذي يتسوق فيه أهل القرى ، لذلك تكثر من التوقف على الطريق حتى ينزل المتسوقون بأكياسهم ، التي تكون في الغالب محملة بضروريات العيش فقط ، من خضر ومواد غذائية أخرى . فمعظم سكان هذه القرى أناس بسطاء ، يعتمدون على الفلاحة كمصدر أساسي للعيش ، وهي تتلخص عندهم في جني الزيتون وزراعة الحبوب والخضر وبعض الفاكهة التي يبيعونها بثمن بخس في السوق نظرا لكثرة العرض وقلة الطلب عليها . والغريب في الأمر أنهم لم يفكروا يوما في بيع أراضيهم ثم مغادرة قراهم بحثا عن عمل ما في مدينة أخرى ، لأن كل من يبيع أرضه في نظرهم مجرد فاشل يبيع دم وأرواح أجداده ، والأرض شيء مقدس ، في نظرهم ، لا يجب أن يفرط فيها الإنسان حتى لو اضطر إلى التضحية بحياته من أجلها ، لذلك كثيرا ما كان يتبادر إلى المسامع بأن صراعا حول أرض معينة شب هنا أو هناك بإحدى هذه القرى ، فتمخض عنه قتل أحدهم .
وانطلقت الحافلة الصغيرة من جديد بعد أن أنزلت بعض الركاب في قرية "تاغناميت" ، فحل صمت مطبق على ركابها بعد أن قل عددهم . وكان سمير مصوبا عيناه نحو الأرض كيلا تتصلان بأحد من القرى المجاورة أو حتى من " زيزا " ممن يعرف والديه ويعرفه عن بعد ، أما هو فقد حرص منذ ذهابه إلى الجامعة على أن تكون علاقاته محدودة في هذا المكان .
- وأخيرا !
هتف في حماس ونشوة بعد توقف الحافلة الصغيرة أمام اللوحة المرصوفة على يسار الطريق والمكتوب عليها : " قرية زيزا " . كان الوحيد الذي نزل في هذه المحطة .
وما أن غادرت مكملة طريقها نحو باقي القرى ، حتى حمل حقائبه بين يديه ومضى يقطع المسافة الفاصلة بين الطريق المعبد والقرية ، والتي تبلغ كيلومترين تقريبا . كان كلما مشى إلى الأمام ، تتبدى له معالم القرية أكثر وضوحا : خمسين منزلا موزعا بشكل متفرق ومتقارب . في الوسط توجد بئر يشرب منها أهل القرية ، وفوق هضبة تطل على القرية كلها بنيت المدرسة ، ومن حولها توجد مزرعة مترامية الأطراف .
كانت الساعة تدور في الواحدة بعد الزوال إلا ربع عندما طرق باب المنزل ، فإذا بأمه تفتحه وتعانقه غير مصدقة مجيئه ، فبادرته في حماس وفرح :
- لماذا لم تتصل بنا لإخبارنا بقدومك ؟
فقال وهو يمد لها الحقيبة التي كانت على كتفه :
- حاولت ذلك يا أمي ، ولكن هاتفكم كان خارج التغطية .
فقالت وهي ترنو إليه بتمعن كما لو كانت تقارن بين حالته آخر مرة رأته فيها ، قبل ستة أشهر ، وحالته الراهنة :
- انظر إلى نفسك كم أنت نحيل ! ألم تكن تأكل شيئا ؟!
وتعالى صوت الأب من الداخل هاتفا :
- من بالباب . . ؟!
فردت في صوت ينم عن الفخر :
- إنه ابنك !
وعقبها أطلقت زغرودة ترددت أصداؤها في كل أرجاء البيت . فما لبث أن خرج الأب وشدق من الخبز الممزوج بالمرق يملأ فاه ، فقبل جبينه ويده اليمنى . فما عتم أن رأى أخاه سلطان في الغرفة التي خرج منها والده ، فاتجه نحوه مهرولا وتهالك عليه وأخذ يقبله بحرارة ، لقد كان يحب أخاه حبا لا حدود له . فبكى سطان من شدة الفرح ، ثم قال له متوترا :
- هل حصلت على إجازتك ؟ . .
- أجل . .
فعانقه الجميع مهنئين إياه ، وعقبها جلسوا جميعا على الطاولة ، يتناولون الغداء ، ويتجاذبون أطراف الحديث في حنان ومودة ، إن دلا على شيء فعلا الحب الكبير الذي يملأ قلوبهم تجاه بعضهم البعض .
فحدثته أمه بشغف عن كل المشاكل التي وقعت بالقرية في غيابه ، بما فيها انخفاض منسوب مياه الري ، وصراع أهل القرية حول من يسبق أولا في استخدامها للسقي بعد هطول الأمطار وامتلائها من جديد . ولعل الخبر الذي لم تكن لتنسى إخباره به هو ذلك الصراع الذي نشب بين عمته وخاله ، القاطنين بالقرية ، حول طريق مختصرة كانت تمر منها عمته في اتجاه المزرعة فمنعها هذا الأخير من استعمالها مرة أخرى ، ولولا سكان القرية الذين دخلوا بينهما بخيط أبيض واستطاعوا إبرام صلح يرضي كلا الطرفين ، لأودى هذا الصراع إلى نتائج مميتة .
وأسف سمير أسفا شديدا على حدوث صراع بين أقاربه حول أمر تافه كذاك ، ولكنه سرعان ما ابتسم في نفسه لما تذكر قولا للفيلسوف "هيغل" كان قد قرأه له في إحدى مؤلفاته ، مفاده أن الفلاح لا يرجى منه أبدا المساهمة في صناعة التاريخ أو حتى مسايرته ، فالزراعة والحصول على غلة جيدة هي همه الأول والأخير ، وكل قواه العقلية مقبورة في أرضه . " لم يخطأ هيغل " . هكذا ردد في نفسه وأمه ما تزال تغدق عليه من حكايات " زيزا " الطريفة التي وقعت في غيابه .
وبدوره حكى لهم حول الدراسة بعضا من الأشياء التي عرف أنهم بمقدورهم فهمها ، خاصة والديه ، أما سلطان فلقد صار ذكيا ولم يشك بأنه سيفهم كل ما يقول له ، وكانت أمه وهو يتحدث إليها تحملق فيه بعينيها اللتين عكر الدهر وقساوة الحياة صفاءهما وبريقهما ، فما لبثت أن قالت له بعد فراغه من حديثه والبهجة تعلو وجهها :
- المهم أنك أكملت دراستك بنجاح ولن تغادرنا بعد اليوم .
فطأطأ رأسه ليؤكد قولها ، إلا أنه في العمق أحس بضباب يعلو القرار الذي اتخذه بالبقاء في " زيزا" مدى الحياة .
وما لبث أن وضع كأس الشاي الذي كان بين يديه على الطاولة ، ثم مضى نحو المخزن ، الغرفة التي تضع فيها الأسرة الأشياء القديمة بالإضافة إلى الزيت وأكياس القمح والذرة ، فلما بلغه وجده مقفلا بالمفتاح ، فإذا بأمه تفاجئه من الخلف قائلة له في ابتسامة :
- أبهذه السرعة تريد تبديل رفقتنا ؟!
فرد عليها في شيء من الحرج :
- حاشا ! . . كنوز الدنيا لا تساوي التراب الذي تمشون عليه !
ثم مستدركا بعد هنيهة وهو يبتسم :
- أنت تعلمين طبعا علام جئت أبحث ، أليس كذلك ؟!
فقالت وهي تفك عقدة خيط حزمته بسروالها الفضفاض :
- ومن غيره ؟. . الوتر (وهي آلة موسيقية معروفة في الأطلس المتوسط للمغرب ) !
فقال لها وهي تهم بفتح الباب بالمفتاح الذي كان ملفوفا بذلك الخيط الذي سحبته من سروالها :
- لم يعبث به أحد في غيابي ، أليس كذلك ؟!
فجعلت تطمئنه قائلة :
- طبعا لا ، فقد بقي في المكان الذي تركته فيه ، ولا أحد يملك مفاتيح المخزن غيري ، لذلك أقفله دائما كيلا يدخله أحد أحفاد عمتك في غيابي .
ومدت إليه أمه آلة الوتر ، كما لو كانت تمد إليه كنزا ، علما منها كم يحب ابنها هذه الآلة الموسيقية ، فعاد إلى الغرفة فحمل أخاه على ظهره كما تعود أن يفعل دائما كلما أراد الخروج ، ومضى نحو المزرعة .
اتخذ لنفسه مجلسا تحت شجرة زيتون ، لطالما أحبها منذ صغره وتعود أن يأتي إليها هو وسلطان حاملا وتره ، فيتكأ بجذعها ، ويطلق عيناه صوب مياه الوادي المارة بمحاذاتها ، فيتغنى بكل ما طاب له من الأغاني التي يحفظها عازفا عليها بانسياب وإتقان ، فيما يردد أخوه كلمات الأغاني التي يصيح بها ، ومن وقت لآخر يرقص في مكانه كالقشة التي ترتعد في مهب الريح .
وذات يوم في السنة الماضية كان متكأ على جذع هذه الشجرة ، فقال لسلطان الذي لم يكن يفقه شيئا في العزف على تلك الآلة نظرا لصعوبة تحكمه في يديه :
" لكل إنسان آلته الموسيقية العزيزة على قلبه ، ومن لا آلة له ، فإما أن ذوقه الموسيقي مشتت ، أو أنه لا يمتلك ذوقا بالمرة . ومن يحب آلة موسيقية ، فهو يميل إلى تعلم كيفية العزف عليها ، فإذا نجح في ذلك ، صارت له جزءا من أجزاء جسده الأكثر مرحا ونشاطا . ولا يهم إذا كانت الموسيقى التي ينشدها غير راقية ، المهم أن يسعى لإيجاد النغمات التي تحرره من الضجر والألم ، فيغني لنفسه وللوجود المحيط به ، والذي يستمع من خلاله لذاته ، أما الجمهور فليبق بعيدا عن موسيقاه إلى حين . . . " .
وطالما أرهقت باله فكرة الموسيقى الراقية ، فوجد قلبه يميل إلى موسيقى كلما أخضعها لامتحان الارتقاء فشلت فيه ، على حين أن عقله كان يجره للاستماع إلى سمفونيات بيتهوفن وموزار وشوبرت . . .
ولا عجب أنه استسلم في النهاية إلى ما أحبه قلبه ، فلم يعد يجد أي غضاضة بعد ذلك في الاستماع إلى العازف المغربي الكبير على آلة الوتر " رويشة " وبعض مغنيي الراي الجزائريين ممن شب على الاستماع إليهم ك " الشاب حسني " الذي كان مشغوفا به ، و " الشاب خالد " و " الشاب بلال " . . . وبهذا خلص إلى أنه لكل إنسان موسيقاه الراقية التي يعشقها ويميل إلى تفضيلها على غيرها ، كونها إما تذكره بشيء في الماضي ، أو يلمس فيها نوعا من الإبداع الذي امتلك روحه وغزاها شبقا ونشوة ، أو ، وفي الغالب ، فهو يتعلق بها بعد مسيرة تعود طويلة . . .