2
في ذلك اليوم الذي وصل فيه إلى " زيزا " بعد ستة أشهر أمضاها بمدينة " وجدة " يكمل دراسته الجامعية ، عند عودته من المزرعة مساء هو وسلطان بعد أن شبعا من العزف والغناء تحت ظل تلك الشجرة ، ما أن وضعا الوتر في المخزن ، حتى تناهى إلى سمعهما صوت أبيهما بفناء المنزل قائلا :
- دعي الولد يستريح من تعب السفر والدراسة وبعد أيام تحدثي إليه .
فأطلا من كوة بالمخزن . كانت الأم تضرم النار لإعداد طعام العشاء ، والوالد إلى جانبها يفتل عقب سيجارة . وبعد برهة قالت له بتجهم :
- لقد حان الوقت ، والأفضل أن نفاتحه بالموضوع بسرعة . .
ثم مستدركة بعد صمت لم يدم إلا ثوان :
- الآن وقد أكمل دراسته ، آن له أن يتزوج . . وصدقني لن نجد أفضل من حنان ، فهي أولا وقبل كل شيء من دمنا ولحمنا ، مادام جدها وأبوك أبناء عم ، ناهيك أنها جميلة وطيبة ، كما حكت لي عنها زوجة أخيك ، وحاصلة على الشهادة . . .
فقاطعها قائلا في استنكار :
- وأين رأتها هذه ؟
فردت وهي تحملق فيه كما لو كانت تريد تذكيره بشيء مهم نسيه :
- أليست أسرة زوجة أخيك تقطن الآن ب "آيت وزاك" ؟! . . طبعا رأتها هناك !
ثم أردفت قائلة بلهجة تنم عن الافتخار :
- إنها العروس المناسبة وأنا متأكدة بأن أهلها لن يترددوا في قبول ابننا عريسا لها .
ولكن الأب لم يجد بدا من القول :
- وماذا لو رفض ولدك ؟
فهتفت به في غضب :
- ومن قال لك بأنه سيرفض ؟! لعلك أنت الرافض ، أم تريده أن يبقى عازبا طوال حياته . .
فتوقفت لبرهة ثم استطردت في لهجة مليئة بالاستنكار :
- وبالتالي أشقى بالبيت وحدي طوال العمر ، لكي أموت باكرا فترتاح مني . . .
فقاطعها في تسليم :
- يا لك من امرأة مليئة بالوساوس والشكوك ! الأمر كله راجع إليك فافعلي ما شئت . .
ولم يكد يكمل كلامه حتى فر من أمامها ، كما يفعل عادة عندما يصل النقاش بينهما إلى حدة لا يطيقها ، فدخل من باب المنزل المفتوح على الفناء ، قاطعا طريقه من الصالة إلى الباب الخارجي ، وهنا همز سمير لأخيه بأن يلتزم الصمت كيلا يراهما ، فبقيا مسمرين في مكانهما .
كان سمير مصدوما من هذا الحديث ، بالطبع كان يعلم بأن والديه سيزوجانه عندما يحصل على إجازته ، لكنه كان يظن بأنهما سيعطيانه الفرصة لكي يختار بنفسه ، فما لبث أن شعر بالاختناق فخرج هو الآخر مع سلطان من البيت متجهين نحو ضفة النهر من دون أن تشعر بهما أمهما .
كان قرص الشمس آنذاك مكملا انحداره وراء الجبال ، فبدت السماء متلفعة بلون برتقالي كأنها عين احمرت من شدة البكاء . جلس على صخرة ، أجلس أخاه إلى جانبه ثم جعل يرشق المياه بالحصى . كان منظر انعكاس لون الشفق على صفحة المياه منظرا خلابا ، لكنه لم يبدو له كذلك في تلك الأثناء ، بدا له منظرا محزنا . عادة ما كان يستمتع بالغروب في القرية على ضفة الوادي الممتد خلفها مثل حزام كثير الالتواء ، لكن قرار والديه بتزويجه بدد هذه النشوة الآن ، فخيم عليه شعور بالكآبة والخيبة .
وهكذا تراءى له من منظر غروب الشمس ، غروب آماله وتطلعاته ، تطلعاته إلى امرأة راقية وحب راق ، امرأة جميلة ، عميقة ، عفيفة ، فنانة ومفكرة ، والظاهر أنه لم يفقد الأمل أبدا في العثور على واحدة بهذه المواصفات ليتزوج بها ويتحدى تقاليد القرية إذا لم تكن من سلالته ، ومن سوء حظه أن كل من كان على علاقة بهن في الماضي ، كن مجرد ظلال امرأته النموذجية هذه ، إنما يدعين في البداية اهتمامهن بالأشياء الجليلة في الحياة ، الجليلة من منظوره ، وسرعان ما يكشفن لاحقا عن سطحيتهن غير المحتملة .
فعلى سبيل المثال ، تعرف يوما في الجامعة على فتاة اسمها حفيظة ، في بداية علاقتهما أبدت اهتماما كبيرا بالشعر وادعت أنها تنظمه ، لكنه اكتشف بأنها كانت تنقل مجمل القصائد التي كانت تقرأ عليه من دواوين لشعراء آخرين ، ولما واجهها بالأمر، قالت له ببرودة : " فعلت ذلك لإرضائك ، فهل تظنني أكرس وقتي لأكتب أشياء بتلك التفاهة ؟ ". فتمنى حينئذ أن يصوب نحو رأسها بندقية فيرديها قتيلة ، ولكنه لم يفعل ذلك واكتفى بقطع علاقته بها .
ما انطفئ يوما أمله في إيجاد إنسانة راقية يرتبط بها العمر كله ، وما توقف أبدا عن إقناع نفسه بمجيء اليوم الذي يلتقي فيه هذه الإنسانة ، وإلا فلا زواج أبدا ، فكيف يطيق المرء العيش بقية حياته مع امرأة لا يشغل بالها سوى مظهر وجهها وصدرها وملابسها ؟ .
ولكن ، ها هما والداه يرغبان في تزويجه ، ألا إنه قد وجد نفسه الآن أمام خيارين : إما أن يرفض طلبهما ويسبب الحزن لأمه التي ضحت بالغالي والنفيس من أجل سعادته ، أو القبول بالزواج ، وقل وداعا بعد ذلك لكل تلك الآمال التي بناها من قبل ، وليتقبل ، نتيجة لذلك ، بالزوجة التي سيأتونه بها بدون أية شروط . . " كل شيء في الحياة يهون في سبيل الوالدين !". هكذا أقنع نفسه .
لكنه مع ذلك اشتكى لأخيه سلطان الذي كان جالسا بالقرب منه لا يقول كلمة كما العادة عندما يراه حزينا ، اشتكى له قائلا :
- ما أتعسني ، سأتزوج فتاة لا أحبها . .
فرد عليه وقد فرح أيما فرح لأنه أخبره عن حزنه :
- من يدري ؟ . . قد تحبها فيما بعد . . الآن عليك أن تركز على شيء واحد ، هو أن تسأل عن الفتاة جيدا ، ويوم الخطبة تستعمل كل ما تعلمته لاكتشاف طبعها ، وهل كانت على علاقة بأحد غيرك أم لا . .
فشعر بالهلع وقد تذكر هذه المسألة التي نسيها من أصل ، فقال له في نبرة مليئة بالخوف :
- اللعنة ، أتدري يا أخي أنني نسيت مسألة الشرف ! . . ونسيت ما حدث لأخينا في ليلة دخلته . . تصور أن يحدث لي نفس الشيء . .
- يا للفأل السيء . . بالطبع لن يقع لك نفس الشيء . . هذا لأنك حاصل على تلك الشهادة السحرية التي قال والدنا بأن من يحصل عليها يكون خبيرا جدا بما ينطوي عليه كل إنسان انطلاقا من النظرة الأولى . . .
ولوهلة ، أوحى لهما نقيق الضفادع بأن المغيب قد اكتمل وبأن الظلام قد حل ، ليحل معه الصمت في "زيزا" ، ففي العادة يرجع جل أهل القرية من الحقول مباشرة بعد المغيب ، يتناولون وجبة العشاء ثم ينامون . ينامون غالبا في وقت مبكر مع أن لكل منهم بالبيت جهاز تلفاز وساتلت . وعادة لا يشاهد التلفاز بالقرية حتى ساعة متأخرة من الليل سوى النساء والأطفال . أما الرجال فلا يترك لهم الاعتناء بالفدادين والمواشي أي متنفس . " زيزا " هي عالمهم الوحيد ، وإذا كانت المياه متوفرة في السواقي بما يكفي لسقي الحقول وتوريد المواشي ولون مياه " بركة الإخلاص " أخضر لا يميل إلى السواد ، فالعالم كله بخير ولا يهم ما تقوله التلفاز من أخبار سيئة سواء كانت وطنية أو دولية . . كلها أخبار لا تبعث في النفوس خوفا حقيقيا أكثر مما قد يبعثه فيها نقص منسوب مياه الري وسواد مياه البركة المقدسة .