٢

5 0 00

٢

بعد ذلك بساعة كان الضيفان جالسين في قاعةٍ من قاعات القصر يتدفئان قرب النار، وقد مضت عليهما ساعة دون أن تحضر ميلادي أو وكيلها بب؛ فلم يريا غير الغلام.

ولم يكن هذان الضيفان إلا السير جمس نيفلي وفاندا، وقد كانا قادمين إلى باريس للانتقام من روكامبول بعد أن خدعت فاندا السير نيفلي، كما تقدم في الرواية السابقة (ضحايا الهند).

فلما وصلت المركبة القادمة بهما إلى أميانس سقطت في هوةٍ في ذلك الوادي الذي كان يشرف عليه قصر روشربيم، فلم يصب ركابها بأذًى إلا أن المركبة انكسرت ولم تعد صالحةً للسير …

وكانت الساعة العاشرة من الليل، والأمطار تنهمر غزيرة، فحارا في أمرهما ولم يعلما أين يسيران. فقال لهما السائق: إنه لا يوجد هنا ملجأ قريب غير قصر روشربيم، لكنه روى لهما جميع ما كان شائعًا من الخرافات عن ذلك القصر، فلم يحفلا بها، وقالت فاندا: ما زال سكان القصر من الإنكليز؛ فإني أرجو أن يأذنوا لنا بالمبيت في هذه الليلة.

فوافقها السير جمس، وبعد ساعة كانا في تلك القاعة كما ذكرنا، وكان السير جمس ينظر إليها نظراتٍ ملؤها الغرام وهي مقطبة صامتة تمثل دور اليأس والحقد الدفين خيرَ تمثيلٍ.

إلا أن السير جمس أراد أن يشاغلها بالحديث عن هواجسها، فقال لها: كيف رأيت هذا القصر؟ ألا يشبه تلك القصور التي كنا نقرأ عنها في الروايات الخرافية؟

– هو ما تقول؛ فإن كل ما فيه يدل على الغرابة.

– ولقد يخال إلي أننا في منزل إحدى بنات الجان، ولكن هذه الجنية لم تتنازل بعد إلى مقابلتنا.

– ربما هي تتأهب لاستقبالنا، فلنصبر.

فأطرق السير جمس برأسه إلى الأرض وقال: إني لا أرى كما ترين.

وفي ذلك الحين دخل عليهما الخادم وقد رأى من لهجتهما في حديثهما أنهما غير زوجين، فوقف أمامهما وقفة المتردد وقال: أسألكما العفو يا أسيادي، فإني متلجلج ولا أعلم ماذا أقول؛ فإن المسيو بب نائم.

فقالت فاندا: من المسيو بب هذا؟

– إنه وكيل القصر، ولا أجسر على إيقاظه.

– ألعلك محتاجٌ إليه؟

– كل الاحتياج يا سيدتي؛ فإن المسيو بب كان يحسب أنكما زوجان.

– كلا، إنه منخدع؛ فإن الذي تراه هو من أصدقائي …

– وهذا الذي يقلقني يا سيدتي.

– لماذا؟

– لأن المسيو بب أمرني أن أهيئ لكما الغرفة الحمراء، لكنه لا يوجد في هذه الغرفة إلا سريرٌ واحد.

– كيف ذلك؟! ألا يوجد سوى غرفة واحدة للضيوف في هذا القصر العظيم؟!

– يوجد نحو عشرين غرفة، لكنها جميعها لصاحبة القصر؛ لأنه ليس بيننا من يعلم في أية غرفةٍ تنام، ولهذا ترينني مضطربًا؛ فإني إذا أدخلت صديقك إلى الغرفة الحمراء، فأين تنامين أنت؟

– أنام على كرسي في هذه القاعة.

– إن ثيابك مبتلةٌ يا سيدتي والبرد شديد؛ فلا تسلمين من الخطر إذا نمت على الكرسي، ولكني سأفتح لك غرفة من غرف ميلادي فتبيتين فيها وعند الصباح أصلح سريرها فلا تعلم بشيءٍ مما جرى.

ثم أخذ مصباحًا فسار أمامها وسألها أن تتبعه، فودعت السير جمس وسارت في أثر الخادم حتى أوصلها إلى غرفةٍ متسعةٍ مفروشة بأفخر الرياش على الطريقة الإنكليزية، فوضع شيئًا من الحطب في المستوقد وخرج، فأقفلت فاندا الباب وخلعت ملابسها، ثم أطفأت المصباح وصعدت إلى السرير؛ بغية أن تنام ولكن لم تنم.

وكانت نار المستوقد لا تزال متأججة، يخرج منها نور ضعيف، والأمطار لا تزال تنهمر على النوافذ، فيضيع صوت سقوطها بين هزيم الرعود القاصفة.

وكانت فاندا تقول في نفسها: من عسى تكون هذه المرأة التي تغير غرفة نومها في كل ليلة؟!

وأقامت في سريرها نحو ساعة وهي تمعن الفكرة في حل هذا اللغز دون أن تهتديَ إلى حل.

وفيما هي أرقة مفكرة؛ خيل لها أنها تسمع صوت تنهدٍ من بُعد، ثم قرب هذا الصوت وانجلى، فرفعت رأسها عن المخدة وأصغت كل الإصغاء إلى هذا الصوت.

وكانت تسمع مع صوت التنهد، صوت قيودٍ من حديد، كأنما صاحب هذا الصوت كان أسيرًا يرسف في قيوده، فجعلت أصوات التنهد تتوالى والخطوات تتدانى، وأخذ لهب نار المستوقد يخمد وتنطفئ أشعته التي كانت تنير الغرفة.

ولم تكن فاندا من اللواتي يعتقدن بالخرافات والأرواح، ولكنها على بسالتها لم تنجُ من الاضطراب، إلى أن سمعت أن الخطوات وقفت عند باب غرفتها؛ فجعل العرق ينصب من جبينها.

وكانت فاندا قد أقفلت باب غرفتها، ومع ذلك فقد رأت أن الباب انفتح ورأت من بقية نور المستوقد الضعيف خيالًا دخل إلى هذه الغرفة يجر وراءه قيدًا كبيرًا من الحديد ويتنهد تنهدًا متصلًا، ثم رأت أن الخيال يمشي مشيًا بطيئًا إلى السرير.

وعند ذلك انطفأ نور المستوقد وساد الظلام، فلم تعد فاندا ترى الخيال ولكنها كانت تسمع صوت القيد ينجر على أرض الغرفة.