٣

4 0 00

٣

وكانت فاندا باسلةً كما يعهدها القراء، ولكن قلبها قد انقبض حين شعرت أن هذا الخيال يدنو منها، وحاولت أن تصرخ وتستغيث لو لم يخطر في بالها ذكر روكامبول فتتشدد.

وما زال الخيال يدنو متباطئًا متوانيًا حتى وصل إلى السرير فوضع يده على فاندا ثم تنهد تنهدًا عميقًا وقال: يا مس ألن هو ذا أنا عدت إليك، أعرفتيني؟

فعلمت فاندا أن هذا الخيال أو هذه الروح الهائمة يحسب أنه يخاطب الإنكليزية صاحبة المنزل فزال خوفها في الحال …

أما الخيال فإنه عاد إلى الحديث فقال: ألم تندمي إلى الآن حق الندم يا مس ألن؟

ولم تجِب فاندا بحرف، وعاد الخيال إلى الحديث فقال: إن الله قد أذن لي أن أخرج من القبر كل ليلةٍ كي أذكرك بذنوبك وأوبخك على قتلي … مس ألن ماذا فعلت بأختك؟ ألم تمُت مخنوقة بأمرك؟ وماذا صنعت بأبيك، وهو أنا؟! ألم تحبسيني في سجنٍ عميق وتقيديني بالسلاسل عشرة أعوامٍ حتى قتلني الشقاء والجوع؟ ثم ماذا فعلت بابنة أختك؟ إنك لا تريدين أن تقولي شيئًا عنها، إلا أن الوقت لا يزال فسيحًا لديك فاندمي؛ فقد ينفعك الندم، وابحثي عن الفتاة المفقودة، وردي لها تلك الثروة العظيمة المسلوبة.

وكان الخيال قريبًا من فاندا، وكانت تشعر بأنفاسه تقع على يديها، فاطمأنت وقالت في نفسها: إن الأرواح لا يكون لها أنفاس ولا عيون، ثم إنه إذا كان الله يسمح لأرواح الموتى بالخروج من قبورها؛ لأن هذه الأرواح لا تخطئ الناس الذين تسير إليهم، فكيف أخطأ هذا الخيال وحسب أني مس ألن؟

وعند ذلك أيقنت أن الرجل يخدع تلك الإنكليزية منذ أعوامٍ هذه الخدعة الهائلة وأنه متنكر بشكل خيال.

ثم عاد الخيال إلى الكلام، وقال: مس ألن، إن البرد شديد وإن الأموات يشعرون به أكثر من الأحياء! وقد اجتزت طريق الأبدية للوصول إليك وهي طريقٌ شاسعة، فاستغفري الله واندمي على ذنوبك أعد إلى قبري ولا أخرج منه بعد الآن، وأستغفر لك الله.

وكان يقول هذا القول ويمشي عائدًا إلى المستوقد، وكان بقية لهبٍ، تمكنت فاندا من نوره الضعيف أن ترى الخيال، فرأت أنه شيخٌ عجوز مرتد بملابس ضباط الإنكليز.

ثم انطفأ اللهب وساد الظلام فقال الخيال: إني عندما أتيت إليك المرة الأخيرة ظهرت عليك دلائل الندم؛ لأنك بكيت البكاء الشديد وجعلت تصيحين وتستغيثين، وطلبتِ إلي أن أعود إلى قبري ووعدتني بالتوبة والطاعة لي، فماذا فعلت؟ إنك لم تفعلي شيئًا، بل إني أراك صامتةً لا تجيبين فاحذري؛ لأن العقاب هائلٌ شديد.

ثم هز قيوده هزًّا عنيفًا وقال: إنك تخافين في الليل وتعزمين عزمًا صادقًا على التوبة والندم وإرجاع الأموال المسلوبة، فإذا أقبل النهار محا توبة الليل وعدتِ إلى الآثام! أيتها الشقية قاتلة أختها وأبيها إن عقابك سترتجف له الأبدان!

وبعد أن قال هذا القول فتح الباب بسكينةٍ وخرج منه، فأقفل وراءه، وجعل يمشي مشيًا بطيئًا فتسمع فاندا صوت قيوده، وما زال هذا الصوت يتباعد حتى انقطع.

فتنفست فاندا الصعداء، ولكنها لم يغمض لها جفنٌ في تلك الليلة.

ولما أشرق الصباح نهضت من سريرها وفتحت نافذة الغرفة المطلة على حديقة القصر، ورأت السير نيفلي يتنزه فيها والخادم واقفٌ عند باب الحديقة، فلبست ملابسها وخرجت من تلك الغرفة إلى الحديقة، وكان أول من قابلها الخادم فسألها: أعلمت ميلادي يا سيدتي أنك نمت في إحدى غرفها؟

– كلا، كن مطمئنًّا.

– ألم تسمعي شيئًا مدة نومك؟

– كلا، ما خلا صوت الأمطار وهزيم الرعد.

– ألم تسمعي صوت الخيال؟

– أي خيالٍ تعني؟

فخشي الخادم أن يزيد في التصريح، وقال لها: ألتمس من سيدتي أن تبرح القصر قبل أن يستيقظ بب.

– إننا مسافران في الحال.

ثم نادت السير جمس وقالت له: أتريد أن نسافر الآن؟

– إنك تعلمين أني أطوع لك من البنان.

وبعد ساعة كان السير نيفلي وفاندا في قطار الإكسبرس المسافر إلى باريس.