٤

6 0 00

٤

ولنذكر الآن شيئًا عن ميلادي؛ فإنه مضت ساعتان على سفر فاندا ونيفلي ولم يكن بب قد استيقظ من رقاده بعد.

وكان الخادم قد عاد إلى المطبخ بعد سفرهما، وفيما هو جالسٌ مع الخدم؛ إذ سمع قرع الجرس في المطبخ فقال: هو ذا ميلادي قد استيقظت.

وأسرع إلى حيث الجرس؛ كي يعلم نمرة الغرفة التي باتت فيها ميلادي؛ فإنه كان يوجد في المطبخ أزرار كهربائية متصلة أسلاكها بغرف ميلادي وتحت كل زر نمرة الغرفة المتصل بها السلك، ورأى الخادم أن نمرة الغرفة التي قرع جرسها كان ٩ فاطمأن باله كل الاطمئنان؛ لأن الغرفة التي نامت فيها فاندا كانت نمرتها ٣.

وكانت الغرف التي تنام فيها منقسمة إلى قسمين: قسم في الدور العلوي ونمرها ١ إلى ١٠، والقسم الثاني في الدور الأسفل ونمر غرفه من ١١ إلى ٢٠، وكانت إذا اختارت غرفةً من هذه الغرف للنوم أقفلت بابها من الداخل، ولكن كل هذا الحذر لم يكن يفيدها؛ فإن الخيال كان يزورها مرةً في كل ثلاث ليالٍ.

وكان الخدم يعلمون بزيارة الخيال من وجه سيدتهم؛ فإنه حين يزورها في الليل تصبح نحيلةً مضطربة مصفرة الوجه ولا تقوى على الكلام، وإذا لم يزرها أصبحت مرتاحة النفس براقة العين باسمة الثغر؛ لأنها تنام تلك الليلة، خلافًا لحالها في الليلة التي يزورها الخيال؛ فإن عينيها لا تذوقان طعم الرقاد.

ولما دق الجرس أسرع الخادم إلى الغرفة نمرة ٩، فطرق الباب بلطفٍ فأذنت له بالدخول، وعلم من هيئتها وارتياحها أن الخيال لم يزرها في الليلة السابقة.

وكانت جالسةً قرب المستوقد متشحة برداءٍ من الكشمير، وقد فتحت نوافذ الغرفة فملأتها أشعة الشمس، فلما دخل الخادم قالت له: أين هو بب؟

– إني لم أره بعد يا سيدتي.

– إذن، قل لي أنت؛ أرأيت الغريبين اللذين باتا ليلة أمس في القصر؟

– نعم يا سيدتي.

– صفهما لي.

– إنه شاب وصبية، ويظهر أن الزوج استاء؛ لأنه لم يرَ سيدتي.

وقد استعمل الخادم لفظة زوج؛ حذرًا من أن تعلم أنه أدخل فاندا إحدى غرفها.

فقالت له: أهي حسناء تلك الصبية؟

– إنها بارعة الجمال.

– أعرفت اسمها؟

– كلا يا سيدتي.

– أهما باقيان في القصر أم سافرا؟

– إنهما سافرا منذ الفجر.

فذهبت ميلادي إلى النافذة ونظرت في الفضاء نظرة فاحصٍ، ثم عادت إلى الخادم فقالت: إن الطقس جميل، اذهب وأسرج لي جوادي في الحال.

فخرج الخادم مسرعًا، ولما بلغ آخر السلم التقى بالوكيل فسأله الوكيل فأخبره أن ميلادي ستخرج للنزهة، وأنه ذاهبٌ لإسراج جوادها، فقال له: ألعلها سألت عني؟

– نعم يا سيدي، فقلت لها: إني لم أرك.

– حسنًا، امضِ في شأنك وأنا صاعدٌ إليها.

فصعد بب إلى الدور الأول وذهب توًّا إلى الغرفة التي نمرتها ٣ وهي الغرفة التي كانت نائمةً فيها فاندا، فطرق بابها فلم يجبه أحد، فطرق ثانيةً دون جدوى! وعند ذلك فتح الباب ودخل فلم يجد أحدًا في الغرفة، لكنه وجد رمادًا في المستوقد، ورأى الفراش مختل النظام، فقال في نفسه: ألعل ميلادي باتت هذه الليلة في غرفتين؟

ثم برح هذه الغرفة، وجعل يطرق جميع الأبواب حتى انتهى إلى نمرة ٩، فأجابته ميلادي من داخلها، وأمرته بالدخول فدخل، ورآها تلبس ملابس الركوب وعليها علائم السكينة والارتياح، فتقدم منها وقبَّل يدها، وقال: أرى أن سيدتي قد نامت مستريحة هذه الليلة؟

– نعم، فلم أُزعج في رقادي.

– ويسرني أن أراك اليوم ناعمة البال رضية الأخلاق.

– نعم، إننا في اليوم السابع عشر من الشهر، وإنه في مثل هذا اليوم من كل شهر يحضر رجلٌ من باريس.

– لقد أصبتِ، فقد سهوت عن التاريخ.

ثم خرجت ميلادي وخرج بب في أثرها حتى انتهت إلى الحديقة، فأعانها وكيلها على امتطاء الجواد وصحبها إلى الشارع، فأطلقت عنان الجواد إلى أن توارت عن الأنظار.

أما بب فإنه عاد إلى القصر وصعد وهو يضطرب إلى الغرفة نمرة ٣ وجعل يفحص الفراش فحصًا مدققًا، فرأى على المخدة شعرة علم من طولها أنها من رأس امرأة، ولكنه ما لبث أن نظر إلى لونها حتى ارتعش؛ لأن هذه الشعرة كانت شقراء وشعر ميلادي أسود! فأيقن أن ميلادي لم تبت الليلة الماضية في هذه الغرفة، وجعل العرق ينصب من جبينه؛ ليقينه أن تلك المرأة التي باتت أمس في هذا القصر، برحته في هذا الصباح وهي تحمل سر الخيال.