4

7 0 00

4

ألسنةُ اللهب تبدو من البعد حمراء، فإذا ارتفعت قليلاً فبرتقالية، ثم صفراء باهتة عند ذؤاباتها، تكللها هالة شهباء مشرّبة بزرقةٍ مسوّدةٍ؛ وهي تتماوج بدخانها المتعالي، ذاهباً في عتمة الليل ليضيع فيها.

وبين الهضبة التي أنارت النار بعضها، والمنخفض حيث ينطلق العسكر، علت زوبعة غبار لم تحجب الرؤية، ولكنها شوشتها. كان الوجيه أكثر الناس قلقاً وتوتراً، كما بدا من نظراته، غير المستقرة على شخصٍ بعينه؛ بقدر ما هي جوّالة، تبحث عن ضالةٍ ليست تجدها، والشيخ الإمام حائر غير دارٍ بما يمكن أن يفعله، وهو يحسُّ أن واجباً يدعوه إلى أمرٍ لم يدرك سبيلاً إليه.

والناس كباراً وصغاراً يرنون إلى الهضبة، لكأنَّ منظرها والنار عليها، قد فتنت بعضهم، وبالغ بعضهم بإظهار عدم رضاه عما حدث، ومؤسفٌ أنه خلخل هدف الوجيه ومبتغاه من الوليمة، وتساءل بعضهم عن الطلب المسكوت عنه، وقد كاد الوجيه أن يقوله، وآخرون شغلتهم التخمينات عما يمكن أن يكون قد حدث في مضارب العسكر، وقسمٌ تشفى به، وما الحريق إلا بعض ما يستحقون، وليتها تأتي على الموقع، فتتركهم بُوّماً بلا وكور...

أما الوجيه فقد جعله القلق لا يسمع أسف المقربين للنهاية التي آلت إليها وليمته، واصطبر على سخرية بعضهم، يسمعها علانية لتفريطه بالعجل الذي فضّلوه على عشرة من أمثال الضابط عثمان، وبعض الخبثاء لاحظ كيف أنه طوّح بكوب الشاي في حضن الوجيه، غير آبهٍ بعرف أو لباقة، صحيح أن ذلك حزَّ في نفس الوجيه، لكنه عَدَّها سفاهةً لا جدوى من الوقوف عندها، وما اللغو الدائر حولها إلا نخامة بلغمٍ، لن يلتفت إليها، وظل يهز رأسه، وينقر بأصابعه على ركبتيه، وهو فزع أدركه الخوف وأخذته الخشية، فإن لم يضبط تماسكه افتضح أمره، وحلَّت به وقيعة، فلا حمل السيف في نزالٍ، أشدّ عليه مما هو فيه، ولا أزيز الرصاص، مربك أكثر من حاله الآن، وقد انتابته حالة في جذوة الوجدان، تشبه خفقان القلب، واضطراب الأنفاس إثر نوبة داهمته فجأة، وما فتئ يوازن بين حالتين، لو أنّه بقي بأرضه، وما يمكن أن يجري له، بعدما جرّدوه مما يعتز به، ولم يبق له إلا بقاؤه حياً كيفما اتفق، يتثاءب طوال الوقت، ويبتلع الإهانات، وينتظر نهايةً رأى أمثاله ينتهونها، وحاله إن انكشف سرّه، ثم نهايته التي يتخيلها بتفاصيلها الدقيقة. أرهبه أن يُغرقِ المركب بنفسه وبمن معه، في مستنقع الضياع والسكون المخيف بصمته المريب، وانشغال الدنيا عنه وعن ناسه، وقد داستهم قذارة القوة، وذبحهم بغي المال والأطماع الرهيبة، تَدسُّهم وتدفنهم أحياءً في الوحل والتراب.

شقّت الحسناء دربها بين الجموع من حوله ونادته:

ـ : عماه.. إلحق أبي.

هبَّ واقفاً كسبعٍ هفَّ قلبه فرحاً لمرآها، واهتزت فرائصه مما قالته.

ـ : أين هو.؟..

ـ : في نزله.. هلا أسرعت إليه..

ـ : مابه.؟.

ـ : لدغته عقرب.

جرجر نفسه كسبع هدّه الهرم، ولحق به الناس، استدار ورفع يده فتوقفوا، فاستأنف سيره كمن يمشي على هدب عينيه، والحسناء تسبقه، ولغط الناس وهرجهم يجذبه وينأى به، حتى دخل على العجوز، فوجده واقفاً ينتظره، نظرا إلى بعضهما بعض وتعانقا، دمعت عينا الوجيه، وارتسمت على شفتي العجوز ابتسامة، واقتربت الحسناء منهما، ودّت لو وضعت كفيها على كتفيهما، فتجلسهما وما زالا في صمت الانفعال البليغ...

ـ : ليس من عقرب يا عماه.

ـ : إذاً هو عثمان..!..

ردّ العجوز متطيراً:

ـ : لا عثمان ولا عقربان... إلا أنني أخشى...

قاطعه الوجيه وقد جفّت لهاته:

ـ : ما الذي تخشاه.؟.. قل بالعزيز على قلبك... تكلم...

ـ : أخشى ألا أضنأ إن تزوجت..

ضحك العجوز، فضربه الوجيه مرات تحبباً وتنفيثاً، ثم سأل:

ـ : والرسالة.؟.

ـ : سيجدها على المنضدة..

ـ : ولِمَ أشعلتما ناراً..؟ هذا لم نتفق عليه..!..

نظر العجوز إلى ابنته ولم يجب، فقالت:

ـ : أنا أشعلتها.

سأل الوجيه محتداً:

ـ : ولِمَ... لمه..؟.

تنهدت بحرقةٍ وأطرقت خفراً ثم تمتمت:

ـ : مثلما أشعلوا في قلوبنا حرائق.

أطرق برهة، وأدار العجوز وجهه مدارياً ثقل الشجن على قلبه، ورفع الوجيه رأسه ناظراً إليها، وقال بثبات:

ـ : منذ اللحظة لست كنَّتي.

شهقت، ودهش العجوز، فاستدرك بهدوء عميق:

ـ : أنت الآن ابنتي.

اغرورقت عينا العجوز بدمعٍ مثل نبعٍ كاد يجف، وخاطب ابنته مداعباً:

ـ : لكلٍّ من أترابك أب، إلا أنت، فقد صار لك أبوان، ولكن ما هذا البخل يا بنت..!؟.. ألا تطعمينا كبد العجل والرئتين..؟!..

أسرعت ترفرف كطائر اشتاق أن يطير؛ بعد طول مكوث في العش دون وليف، وراحت تحضّر الطعام هناك في الزاوية.

سأل الوجيه:

ـ : هل تمَّ الأمر بسرّيّة..؟.

رد العجوز :

ـ :أجل.

ـ :والضابط الآخر.؟.

ـ : كمال.؟.

ـ :هل رآكما.؟.

أجابت الحسناء من ركنها:

ـ : اعتقلته وربطته إلى عمود الخيمة...

ـ :العمى.!!.

ـ : لم يتعرّف إلي.. بقيت ملفّعة ولم أنبس بكلمة.

زفر الوجيه أفٍ وقد ارتاح إلا قليلاً.

نادته

ـ : عمي.

عضّت على شفتها واستدركت قائلة:

ـ : أبتاه.

ابتسم الوجيه ورنا إليها ينتظر ما تودّ الإفصاح عنه، فقالت:

ـ :نثرت محتويات صندوق في خيمةٍ وبعثرتها، فكان بينها ثمة كتاب ضخم وشمعدان غريب الشكل، ما إن رآهما الضابط كمال، حتى رجاني أن أضع الكتاب بين يديه؛ وأشعل له الشمعدان.

علت الدهشة محياه وسأل:

ـ : أما قلتِ إنك ربطته إلى عمود الخيمة.؟!!..

شعرت أنها أخطأت، فتشاغلت بطهو الطعام، وفرك العجوز كفاً بكفٍ وبدا مؤيداً الوجيه، فبررت موضحة بصوت خفيض:

ـ : لأنه توسَّل ليطلّع على مافي الكتاب.

ـ :أيّ توسّل وأيّ كتاب.؟!. أكنا نمزح أم نتسلى.؟!.

حاول العجوز استيعاب غضب صاحبه، وربما تخفيف الملامة عن ابنته فقال بهدوء:

ـ : إنني لا أخشى جانب الضابط كمال..

ـ : هذا علك . ألم نتعلّم بعد أيها الخرف.؟!. إن لم يكن ضبعاً فهو ابن آوى.

تمتم العجوز:

ـ : قل ما شئت، فقلبي مطمئن لذاك الشاب.

تسرّعت الحسناء قائلة:

ـ : وأنا أيضاً..

نظر إليهما مستغرباً وهتف:

ـ :اتلط الأمر، وثمة خيط فالت لست أدرك كنهه.!.

وعلت أصواتٌ ونهيق وغوغاء، وكان واضحاً صوت الشيخ الإمام مقترباً:

ـ : على مهلكم.. حسبي الله ونعم الوكيل.!..

وظهر فتيةٌ يدفعون الشيخ على حمارته، وتنطّع أحدهم مفاخراً بنجدته:

ـ : أتيناك بحمارة مولانا الشيخ..

استفسر العجوز مستنكراً: ولم الحمارة يا رجل..؟!..

ـ : أليس الحليب ينفع الملدوغ.؟.

ـ : حليب حمارة يا هذا.؟!.

ـ : لم نحظ بغير الحمارة، فهي حلوب..

ـ : لعل أمك لم تفطمك بعد..!!.. إذاً دونك الحمارة. أفسدتك الأهوال المتفلِّتة، أنستكم الأدب، والتهذيب.!!..

وقذفهم بعصاه، فتفرّقوا متراكضين، جفلت الحمارة، والشيخ ممتعض في حيرة يكاد يحتج، حتى قام إليه الوجيه متأسفاً له مرحباً به، فجلس يحبِّر وريقات، مالبث أن غمرها بماء الطاس، وسقى العجوز جرعات ثلاث، ممسِّداً ساقه، ثم ابتسم معلناً أنَّ السمّ انفرط بإذن الله، وتشمم رائحة اللحم المقلي، مغمضاً عينيه في نشوة، أخذته في بهجة دغدغت ولعه بالدسم، فاعترته حالة لها أمعاؤه، وما عاد يفكر بغير تلذذٍ منتظَرٍ بهذا الحلال المباح.

وعلى الهضبة، أطفأ العسكر الحريق، وكان قد أتى على بعض خيام الأنفار وبياطرة دواب الجيش، لكن الحريق في قلب عثمان اضطرم وازداد تأججاً، والمكان مطوّق ما من ثغرة فيه لفأر. مشّطوه ولم يتركوا حفرة أو رجماً، فما وقعوا على أثر، ودخل الأومباشي خيمة الضابط كمال مرات، فتَّشها كمن يبحث عن خرزة سبحة في قرية نملٍ، وانعكس الإخفاق على العسكر، فجعلهم في حيص بيص، وزادهم توتراً، وتركهم ينفذون الأوامر بآليةٍ، وقد أغلقوا تفكيرهم دون ما يفعلون، وعلى وجه الخصوص هذا "الأومباشي" الأشقر المربوع، بوجهه المستدير، ووجنتيه الحمراوين كبندورة ناضجة، يُدّور عينيه الضيقتين هنا وهناك، ويتهرّب ـ ما أمكنه ـ من نظرات الضابط الشكس، وقد جعله ملطمة حتى التاث، يكاد يفقد صوابه، كلما طالعه ذاك الوجه الكالح المكفهر، تتلاطم في نفسه أمواج هيستيريا، فتزيده تجبراً وتأزماً، يشتم صارخاً يجأر ويزأر هائجاً وقد توحشّ، وقنط الأومباشي مهدوماً من تعب، لاب وقد جفّت لهاته ويبس حلقومه وزاغ بصره، هذى وأخذ يهذر، وفي لحظة غاب ناسياً، فلم يتذكر ماهو فيه وما حدث، لفَّ حول نفسه في استدارة كاملة، وحوله طوق العسكر، يجوس بعضهم بين الخيام، وآخرون يدخلونها ويخترقونها من الطرف الآخر.

ـ : (ماذا يفعلون.؟!. ولِمَ لست على رأسهم.؟!. هل قصّرت.؟!. سابقة مهينة إن كنت ارتكبت هذي الحماقة.!. سأطلب منه العفو مبدياً أسفي ولن ينسى التزامي وانضباطي، ذاك هو فوق الرجم... يبدو غاضباً، لا بأس، فإن ذهبتُ إليه متأخراً خير من أن أزيد الطين بلّة.).

هرول إليه، ثم وقف منتصباً بثبات وعزم فهتف:

ـ : تمام أفندم..

انقضّ عليه وسأل:

ـ : هل وجدته.؟.

ـ :عفوك أفندم..عمّن تسألني.؟!..

كشَّر عن أنيابه، ممسكاً عنق الأومباشي وشرع يضغط، ثم صفعه مرتين وسأل:

ـ : أمأفون أنت أم تتغابى.؟..

احتار وازداد وجهه المدوَّر احمراراً وانتفاخاً، وأظهر ضعفاً وبدا مستسلماً وسأسأ متأتئاً:

ـ : سيدي... أفندم... أرجوك.. تَعَطَّف بإعادة صيغة السؤال.

قطّب حاجبيه وضيّق عينيه، كأنَّ الذي أمامه ليس النمس الذي يعرفه.!. بلع ريقه وزفر. أشعل لفافة ثم تساءل:

ـ : وأين يمكن ليربوع نتن أن يختفي.؟..

هتف كمن وقع على ما ضاع منه:

ـ : إذاً يبحثون عن يربوع.؟!!..

هوى بكفه على خدّه البض، وكلمح البرق لكمه بين عينيه، فانقذف إلى الخلف، فداس على بطنه، وركله في دبره، مفرغاً شحنة حنقه، كأنه يشفي غليله بكمال وقد انتقم لنفسه بطريقته؛ ردّاً على إهانته؛ حين لم يدعه إلى الوليمة، وتركه مهملاً كأيّ "تنبل"..

مسح دماً سال من منخريه، متسائلاً عن سبب الرعاف.؟!.. وعلّله بالإجهاد والصداع الذي يفلق رأسه. حاول الوقوف فوقع:

ـ : يا.. ه.. أهرمت قبل الأوان أيها الأومباشي.!؟..

ترنّح ثم اعتدل، وحين استوى واقفاً، فوجئ بالضابط، فحياه زاعقاً:

ـ : تمام أفندم.

ـ : لعلك عرفت الآن مَنْ أشدّ مكراً وأكثر حيلة، وأعظم دهاءً؛ من الثعلب وابن آوى والذئب معاً.؟.

ـ : أنت أفندم.

ـ : أيكون اختطف.؟.

ـ : احتمال أفندم.

ـ : لِمَ لا يكون هرب.؟.

ـ : احتمال ضعيف.. أفندم، فسلاحه هنا وحصانه موجود.

ـ : أيكونون لصوصاً، قاومهم فأسروه..؟!..

ـ : لا شيء من العدة والعتاد مفقود.. أفندم.

ـ : فمن أحرق الخيام.؟.

ـ : شيء محيّر.!.

أخرج كيس التبغ، فوجده يكاد يفرغ...فأمر الأومباشي أن يأتيه بالتبغ، فهرول إلى خيمة سيده، أشعل عثمان لفافة وهو ساهم يفكر. انتفض إذ سمع الأومباشي يصيح خارجاً عن طوره. أسرع مشهراً غدّارته واقتحم الخيمة، جمد وكمال يبتسم وبين يديه كتاب، والشمعدان أمامه.

ـ : أنت هنا.!؟!..

ـ : كما ترى..

فكَّ الأومباشي وثاقه، فوقف يتمطى،ارتاب عثمان وتمتم:

ـ : ما الذي جرى.؟.

ـ :غافلني... واعتقلني فربطني كما رأيت..

ـ : ولماذا أنت في خيمتي...؟!.

ـ : أتى بي إليها. كان يقصدها. انظر كيف بعثر محتويات صندوقك..

ـ : أكان يقصد سرقتي.؟.

ـ :لم يأخذ شيئاً قط.

ـ : من هو.؟.

ـ :لم أعرفه.

بحث في الصندوق والتقط كيسين وشى صوتهما بما فيهما، انشغل بهما عن الكتاب والشمعدان. تأكد أنَّ عمود الخيمة لم يتزحزح عن موضعه، نظر إلى صرّة على المنضدة وسأل:

ـ : وما هذه.؟.

ـ : تركها وانصرف. يبدو أنها تخصك.

فكَّها وانتفض، اصفرَّ وجهه، وزكمت أنفه رائحة جعلته يتقيأ. اضطرب تنفسه، وعلى رغم ذلك تماسك متجبراً وقال:

ـ : مع من تتآمر علي.؟.

ـ : ألم تجدني موثّقاً إلى عمود الخيمة.؟!.

ـ : أتدري ما في الصرة.؟. رأس عريف عسكر ألكسندر.!.

اشمأز كمال، وران صمت مقيت، أراد عثمان أن يصرف اهتمامه عن الكتاب والشمعدان فنجح، وكان الأومباشي مذهولاً طنّت أذناه وسرى فيهما وشيش، جعله لا يميز إن كان تحت وطأة كابوس، فقد رأى رأسه مكان رأس العريف، شهق وسقط وقد أغمي عليه.

ـ : ما سرُّ تلك الطلقة يا عثمان.؟.

مدَّ يده إلى غدّارته، فكان كمال أسرع منه، فوضع رأس سيفه على حنجرته، وطوّح بالغدّارة خلفه وكرر السؤال:

ـ : قل.. ما سرّ الطلقة.؟.

تماسك وأبعد السيف بهدوءٍ عن نحره، أشعل لفافة وقال:

ـ : نتفاهم خير لكلينا..

ـ : وعلام نتفاهم.؟.

ـ :مادمت متشنجاً فلا سبيل للتفاهم.. هدئ من روعك فتعرف.

ـ : من أين أتتك الطلقات.؟.

ضحك بخبث ومجَّ لفافته ثم قال:

ـ : هدية أصدقاء في الأستانة...

ـ : أصدقاء.؟!!..

ـ : نعم.. ويمكن أن يكونوا أصدقاء لك.

ـ : وهذا الكتاب.؟.

ـ :مابه.؟.

ـ : أنت أدرى.

ـ : للاطلاع. أم أنك لا تريد أن ترى أبعد من أنفك.؟!..

ـ : والشمعدان.. لماذا هو بالذات.؟.

ـ : للإنارة، مثل أي سراج، وهل للشمعدان وظيفة أخرى لا أعرفها.؟!..

ـ : ورأس العريف.؟.

نخزته إبرة في قلبه، قبَّب كتفيه، وقال:

ـ : لا أدري.!.. قل أنت إن كنت تعرف.؟؟

ـ : إنه إنذار وتحذير موجه إليك..

ـ : ها أنتذا تفسِّر مالم أدركه، فمن أرسله.؟.

ـ : جواب سؤالك تعرفه أنت أكثر من أي شخص آخر.. عثمان.. من أنت..؟!..

ـ : حسبتك ذكياً، وكنت أودّ أن نكون أصدقاء.

ـ : ألهذا أهنتني وحقّرتني كأنني عبد لك.؟!.

ـ :حاول فرك أذنك، لعلك لا تظلّ في سرب النمل، ولا تكون مع "يلدز" أكثر من السلطان.

ـ : لا فائدة منك يا عثمان.. لا فائدة. سأعرض الكتاب والشمعدان ورأس العريف على الملأ..

تأسَّف وهزَّ رأسه مبدياً عدم رضاه عن تهوّر كمال، وقذف إليه أحد الكيسين قائلاً:

ـ : ليس مني.. إنما عربونٌ من الأصدقاء في الأستانة...

ـ : لا أقبل أي شيء من أناسٍ لا أعرفهم..

ـ : لا تكن عجولاً فتعرفهم.. لا سيما أنهم يعرفونك..

ـ : كيف.!؟..

ـ : حدّثتهم عنك..

ـ : إياك أن تنكر حقيقتك. كيف اخترقت الموانع إلى عسكر السلطنة.؟!..

ـ : أية موانع أيها الغشيم .؟!!.. أتعرف من تواسط لك كي تكون ضابطاً.؟!. ثم إنك لست مع الدولة العليّة تماماً.

ـ : وما دليلك.؟.

ـ : عن أي شيءٍ مما أسلفت تريد دليلاً.؟. أفق يا كمال فـ"يلدز" الذي تتحمس له، ليس فيه من يدري بك، ولا يعرف السلطان إن كنت في جيشه. ثم ألست في جمعية سرّية.؟؟.

ظلَّ ساكتاً مشتت التفكير، ولكنه انتبه إلى تلك التهمة الخطيرة فقال:

ـ : لست في أية جمعية سرِّية أو علنية..

ـ :ولِمَ يا كمال .. لمه.؟!.

ـ : لست أفهمك.!!.. ولست متورطاً البتة.

ـ :إذاً كن معنا.

ـ :ومن أنتم.؟.

ابتسم وهمس:

ـ : نحن المستقبل يا كمال. ألا تحلم بالباشوية.. والياً... أو أن تكون قائداً كبيراً... أو حتى ناظراً للحربيّة.؟. يجب أن تحلم، احلم يا كمال.. احلم.

أفاق الأومباشي من إغماءته، فوقف منتصباً محيياً:

ـ : تمام أفندم.

وضع الصرّة والشمعدان والكتاب بين يديه، وأمره أن ينتظره في الخارج، فقال عثمان لائماً بمكرٍ:

ـ : لِمَ فعلت ذلك يا صديقي كمال .. لمه.؟!..

ـ : لأنني لا آمن جانبك.

ـ : الحق معك. ها أنتذا تعيد ثقتي بك، فلو كنت مكانك لتصرفت مثل تصرفك، خذ كيس الذهب هذا، سينفعك.

ـ :لا.

ـ :إذاً هو أمانة عندي لك، تستردّه حين تشاء..

تبادلا طويلاً نظرات متنافرة، يتجاذبها شك ويقين، حذر واطمئنان.. غدر وأمان، حلم وانكسار، واقع وخيال، وبكل ما كرّسه ذاك الحوار، في نفسين على طرفي نقيض، رأس مدبِّر مدرِّب مجرِّب، وقلب تملؤه الطيبة والأمل والمثل، وربما السذاجة.

خرج حذراً، وجلس عثمان ضاغطاً على صدغيه، وهاهو ينسلخ عن المكان والزمان، سابحاً في دوّامة ليس يرى فيها غير وجهها، فشعَّت في داخله قبسات من هاتيك الطفولة، وطفق يكلّمها:

ـ : (أيتها الخزريّة... ها أنذا عملت بماسةٍ من درر نصائحك الجواهر، وهأنذا أصنع عدوّاً لعدونا. إنها وصاياك التي تماهت في نسغ دماغي ونسج تلافيفه، وذاك القرطاس سَرَت معانيه مع دمي في عروقي والحشا، وتخلخلت في معرفتي، وما أخذه الخرتيت كمال لن ينفعه، ما دام لن يتمثله. سيحرقه، أو ينفر منه كالرجس. خاسر هو في كلتا الحالتين، ولن يكشف خفايا مابين السطور، فله ولأمثاله مزيد من عمى البصيرة. أيّدي رجائي يا غالية.).

وعلى ضوء المشاعل تحلَّق العسكر، والأومباشي يرفع رأس العريف على حربة بندقية، وكمال يرصد انفعالاتهم، لكأنه يتلمَّس في ذواتهم، ذاك الطفل الذي ما زال في أعماق كلٍّ منهم، نقياً بهاتيك البراءة، لمّا كانوا بين الأب، وفي أحضان الأم، يمنعان الشر أن يقرب فلذة الكبد وهتفة الروح، همُّهما هذي النبتة التي ولّداها بحميم عواطفهما، يريان ذاتيهما فيها، ويعلِّقان عليها آمالاً معتّقةً، ويسريان فيها ما استمر فيهما مذ كانا في دنيا الطفولة. إنه رحيق الحلم، ينزاح عنه الظلام وظلاله القاسية، وقت اغتسال الروح بماء السماء، فيزيدها طهراً، يفوقها على قسوة الشراسة ووحشية القوَّة، فلا ينقهر الجوهر، أو يُزيّف المعدن، ولا ترغم الأعماق المجنّحة على التسليم لصلابة جره الصمّ، حيث تُسجن الريح وتلوّث، ثم تدفعها خبيثة كنظرة أعور الجان، أو تأخذ الفسائل الغضَّة والزغاليل، فتصيّرها بلون وشكل وصوت واحد.!!..

أولاء الذين انتزِعوا من أحضانهم؛ ومن على جثثهم، ومن بازارات الرق السرّية، أو أسرى مخطوفين؛ مسوقين قسراً، ومن بقايا المذابح وحملات الإفناء، واجتياحات التيئيس والإبادة المدّبرة، وقد أُخضعوا لغسل الذاكرات، وحُقنوا بالأحادية اللامتناهية لطاغية مستبد. إنهم الذين غُربوا عن أهليهم، ثم أعيدوا إليهم قتلة وجلاوزة، يُلهب حماسهم ويُشبع غلواءهم الثناء الفضفاض لفظاعة تنكيلهم وشناعة فظائعهم بجذورهم.!..

همس كمال للأومباشي، فأذاع أنَّ هذا الرأس يقول:

ـ : (إنكم لحراسة أولئك الناس، والمحافظة على حيواتهم، ريثما يصلون حيث يُراد لهم أن يتكيفوا مع الصبر.!..).

ثم أمر بدفن الرأس في قبر ألسندر، فسمع همسات حذرة:

ـ : فيمسي تنيناً برأسين.!..

وأشار للسائس أن يأتيه بحصانه، فامتطاه، وانكشفت له نظرات العسكر، فألف منها معنىً لم يره فيها من قبل. سرَّه ذلك، لكنه تساءل:

ـ : (أحقاً لمحت فيها ذاك المعنى.؟.. أم أنني واهمٌ.؟!.. أم خيّل إليَّ أنني أرى ما أتمناه.؟..

نظر إلى الأومباشي نظرةً كفعلِ الأمرِ.. ثم راحا، وخرج الضابط عثمان إلى العسكر متوجِّساً، فلمح الحصان والبغلة، وقد أقفيا، يختفيان في حنية المنحدر وانكساره، صعد الرجم ورفع يده. تراكض إليه العسكر مصطفين قدامه فاطمأن، وزفر هواءً وريبة حبيسة، فعقد يديه خلف ظهره، مستعيداً ثقة كانت للتو مزعزعة، ولم ينبس ببنت شفة.

ائتكل غضباً مما كان من كمال وتمتم:

ـ : (أتبغي كسب ودِّهم فيصبحون أقرب إليك، أكثر من خضوعهم لصرامتي..؟!.. بسيطة.. يابن الحلبي والنابلسية.!.).

وحين همد وحيف ثيابهم ودربكة أرجلهم، ران الصمت فقال:

ـ : قد أمرت أن يُعرض عليكم رأس ذاك العريف، وقد دفع حياته ثمن سذاجته، وإنكم لكواسر، ومن لم يكن ذئباً تجرأت عليه الكلاب. تعاملوا مع الناس على أنهم يريدون رؤوسكم، فحذار أن تأمنوا جانبهم، وأن طائراً في السماء فوقكم، قد يحمل بين مخالبه حجراً، ليرميه على رأس أحدكم فيموت. أطلقوا النار إن رأيتموه، ولتفتت طلقاتكم مخالبه والحجر الذي بينها، ولا يقولنَّ أحدكم إنه ربما حمل وردةً، فأمثالكم لا أحد يتعامل معهم بالورد، ولقد أمرت لكم بمزيد من الطعام. كلوا أيها الكواسر، وليتوزع الحراس كلٌّ في مكانه، ولا تنتظروا أوامر جديدة الليلة من أحد فقد أرسلت الضابط والأومباشي في مهمة..

انصراف...

****

وكان الناس قد اجتمعوا حلقات، حلقة داخل حلقة، يسمعون ما يقال ويناقشون واقع الحال.

ـ : أما أن تزعزع الأهوال، خير ما فطرتم عليه من تقاليد راقية، فتلك مصيبة دونها دمنا الذي أهرقوه، تماسكوا يا ناس وإلا ذرتنا ريحهم العاتية، فلقد استهدفوا البشر والشجر، والصمت من حولنا مريب... مريب...

ـ : اللعنة على من كان السبب، وقد أمسينا في برزخ...

ـ : بالخوف من الموت، مادام يرضخني لعيشة لا تفرق عنه..

ـ : لسنا أول من حيكت ضدهم مؤامرة، ولسنا ضدهم لولا أطماعهم، وإن صدق حدسي وما علمتني إياه الأيام، فسوف نسمع عن أناسٍ في أماكن أخرى؛ أخباراً تشبه ما حدث لنا.

ـ :خسرنا أمام جبروت الطغاة فلنحاول الكسب مع من يدّعون أنهم أصدقاء.

ـ : خُدِّعنا أيما خديعة، فهل نفهم أننا مدعوون لنسلِّم بخديعة أخرى..؟!...

ـ : كفانا حسن ظنٍّ بالغاشم، ونحن في موقع الغشيم.

وسئل الشاعر، فطفق ينظر في عمق الظلمة، ثم قال:

ـ : حتى الغربان على أطلال الخرائب، يمكنها أن تكون مشهداً بالغ الجمال. الليل لا يدوم مهما طال، والشمس تبتسم أولاً، ثم تصنع نهاراً.

هتف أحدهم صائحاً:

ـ : كل قول هراء.. هراء.. هراء.. ضعنا... نضيع.. ولا شيء غير الضياع.

وردَّ عليه آخر:

ـ : اليأس بداية الانتحار.هل تدرك ذلك.؟..

ولعلَّ كلاماً كثيراً كان سيقال، لولا وصول الضابط كمال والأومباشي خلفه على بعد خطوات، وأظهر تهذيباً فوق ما توخاه القانطون والمتلهون غضباً:

ـ : أتقبلون ضيفاً أيها الطيبون.؟.

ظلوا في صمت كأنهم بلا ألسن. حيّرتهم مواقفه، ولم يأمنوا جانبه بعد.

بادره أكبر الموجودين سناً:

ـ : تفضل إن كنت ترضى بنا أهلاً..

أردف أحد الوجهاء:

ـ : فإن لم تنظر إلينا على أننا دونك فأهلاً بك، لا تأخذ كلامي على محمل الصد، فهذا ما لقيناه من جملة ضبّاط، كوتنا غطرستهم.

ابتسم وهو يضع رسن حصانه بيد الأومباشي، وأخذ الكتاب والشمعدان، ورفعهما حتى رآهما الجميع، ثم وضعهما على حجرٍ وسط الحلقة، صمت وهم ينظرون إلى هاتيك الأشياء، وبحث عن العجوز بين الحاضرين، وانتبه إليهم كأنهم يسألونه تفسيراً لهذا الإبهام.

ـ : لم أجد لهما مكاناً، فجئت أتركهما أمانة لديكم.

للحظاتٍ شعر أنه في ورطةٍ، ماكان له أن يزج نفسه فيها.‍!. اختلس نظرة يبحث عن العجوز، فلمح الأومباشي ناعساً:

ـ : أومباشي .. كن يقظاً، فقد أصطحبتك لتشهد.

انتفض محيياً مؤكداً يقظته، والتفت الناس بعضهم نحو بعضهم، ثم عاودوا انتظار ما سيكون، وهو ينتظر غير هذا الصمت الخانق، أدار رأسه يتطلع في الوجوه؛ حائرةً ومحايدةً ومستفهمةً ومندهشة، وتلك التي لا يستطيع سوى خالقها أن يفهم منها أي معنى، كأنها قُدَّت من اللامعنى، فإما أنها ذات قدرة عجيبة على ألا ينعكس عليها أثر مما يعتمل في داخل أصحابها، أو أنها مثل مرايا تآكل طلاؤها، ولمّا يزل ينتظر، وياله من انتظارٍ مقيت، يبدو ساكناً، وفي هدوئه أعتى القلق، وأقسى معاني الضرب على الأعصاب.

ـ : (أكاد أكون جملة عصبية فحسب، منذ قررت التصدي له، وها قد أمسكت بخيطٍ قد يودي إلى حقيقته..)..

نفض رأسه متنهداً وقال:

ـ : حسنٌ..قد وصلني جوابكم...

التقط الكتاب والشمعدان وصاح:

ـ : أومباشي.. هيا بنا.

وقف كبير الوجهاء قبالته، واضعاً عكازه في طريقه، فأحاطوا به:

ـ : إلى أين.؟.

ـ : يجب أن أذهب.

ـ : سألتك إلى أين.؟.

ـ : إلى حيث أخفيهما...

قال أكبرهم سناً:

ـ : عيب..!.. فلا ترتكب معيبة، انظر في هذه الوجوه؛ واختر من تأتمنه على وديعتك..

اشرأبت نحوه أعناق، وامتدت إليه أيدٍ، وهاهي وجوه تعكس الدواخل، وقد انجلى جلّ الشك، وانقشعت ريبتها، وكلٌّ منها تقُريه هتافها:

ـ : (أنا مكمن سرّك.).

قال منفعلاً:

ـ : الأمانة عندكم جميعاً، تصرّفوا بها كما ترتؤون، والأيام تكشف إن كنا سنحتاجها.

ـ : وضعت في أعناقنا ما سيدلّك على مروءتنا.

عانق كمالٌ الوجيهَ، وسرت همهمة وضحكات انفراج، وسأل عن العجوز مبدياً رغبة في زيارته، فتأبط الوجيه ذراعه، وسارا معاً، والناس يتشاورون عمن يختارون لحفظ الوديعة، قال أحدهم مشيراً إلى الشمعدان:

ـ : قد رأيت مثله.

ـ : أين.؟.

ـ : عند بعض الخزريين.

*****

خاطب كمال العجوز وفي عينيه نظرة ودٍ:

ـ : قد تلدغ العقرب حصاناً، لكنها تبقى حشرة، والحصان يظلّ أصيلاً.

تباهى العجوز بالمديح، فهمس في أذنه الوجيه:

ـ : لك أن تنفش ريشك مثل ديك رومي؛ لوكانت ثمة لدغة أصلاً.

حبس العجوز حنقه ممتعضاً، وقد ذهبت متعة المديح، ولمحَّ كمال إلى أن الرسالة وصلت، فخيّم صمت، وامتقع وجه الحسناء، وطأطأ الوجيه رأسه متثائباً، كأنَّ الأمر لا يعنيه، وأبدى العجوز مكراً، فاستفسر إن كانت ثمة رسالة وصلتهم من الأستانة، فقطع عليه محاولة التهرب، موجهاً كلامه إلى الحسناء:

ـ : خدمتني إذ ربطتني في خيمته، كان ذلك دليل براءتي، وإلا لما توانى عن اتهامي بما حدث، ثم إنني مدين لك باطلاعي على كتاب، ليس سهلاً الحصول عليه.

ـ : الكتاب الذي جلبته إلينا.؟‍!..

والتفت إلى الحسناء سائلاً:

ـ : أليس هو الذي وجدتِه في صندوق الضابط عثمان..؟..

هزَّت رأسها بالإيجاب فهتف:

ـ : بدأت أفهم. كمال يا بني، أقسم أنكم مستهدفون مثلما استهدفونا، إنها كحكاية حصان طروادة، أتعرفها.؟.. عسى حدسي أن يخطئ.

حاول العجوز أن يوقف اندفاع الوجيه في كلامه، وهو مَنْ تَحفَّظ على ثقته وابنته بالضابط هذا، ولم يأبه بالمحاولة. حكَّ فروة رأسه وأردف:

ـ : بدؤوا تسللهم الثاني منذ سنتين إلى بلاد الزيتون(فلسطين). ألم تسمع بذلك يا بني.؟..

ـ : بلى.. وسمعت أنهم يبحثون عن وطن بلا شعب.!!..

ـ : ألسنا شعباً.؟.. هل كنا يوماً منذ آلاف السنين بلا أرض.؟!. أسمعت بشخصٍ يدعى "فكتور جاكسون".؟

ـ : لا..

ـ : لو سألت الضابط عثمان لعرفه.

ـ : بل لأنكر معرفته به.

ـ : إنه في هيئة تساعده أن يكون زعيماً في الأستانة، فإن كان ذلك فقد سمعنا ورأينا العجب.

وران صمت ثقيل، فقطعه كمال سائلاً:

ـ : هل سمعتم بعبد الرحمن الكواكبي.؟.

ـ : ومن يكون.؟.

ـ : إن قرأتم كتاباته عرفتموه. حثّوا شبابكم على قراءته.

ـ : عبد الرحمن الكواكبي.!. لا تنسي هذا الاسم يا بنيّة.

ـ : وما وقع رسالتنا عليه.؟.

ـ :لعلها تكفّ أذيته عنكم إلى حين.

ـ : إلى حين فحسب. الأمر كبير.. كبير يا بني.

اقتربت مترددة، هامّة أن تقول شيئاً فأحجمت عنه، ولاحظ كمال ترددها فسألها أن تفصح، فنظرت إلى أبيها والوجيه، أومأ الوجيه لها فسألت:

ـ :أصدقنا القول، هل أنت معنا، أم تراك تستلغنا في منافستك عثمان.؟..

لم يتردد بقوله الصريح:

ـ : معكم حتماً.

مدَّ العجوز يده، فوضع كمال يده بيد العجوز، وضمَّ الوجيه بيديه يديهما، فابتسمت الحسناء، ثم ضحكت بسرور، خجلت فبدت أبهى فتنة وأنوثة، ومسحت عن وجنتيها دمعتي فرح.

افتتن كمال بها، وهي على هاتيك الحال، وهمَّ بالانصراف، فهتفت:

ـ : كمال .!.

التفتوا إليها باندهاش واستنكار، فأطرقت، ثم شمخت عاصرةً أصابع يدها في كف يدها الأخرى وأردفت:

ـ : كمال أيها الضابط.. وديعتك ستؤول إليَّ، وستجدها عندي متى أردت...

هزَّ العجوز رأسه مؤمنّاً على كلامها، وربّت الوجيه على كتفه، ومضى متأبطاً ذراع الضابط، بينما وقف العجوز يشيعهما ووجهه يطفح بشراً.

اقتربت فوضع يده على كتفها، ثم ضمّها بذراعه إلى جنبه، فزنّرت خاصرته بذراعها، ومشت معه نشوانة بدفء الحنان، عائدين إلى الداخل، حينئذٍ رفع الشيخ الإمام أذان الصبح.

****

حين أشرقت الشمس، كان العسكر يطوّقون الناس، وهم يلملمون حاجاتهم، دون أن ينسوا ذا نفعٍ، وساقهم العسكر إلى سفح الهضبة، وقد أصبحت جرداء، ما خلا قبر ألكسندر شاهداً أن ثمة حياة كانت عليها، وزحف الناس نحوها مثل حبل من النمل سرى بين موقعين، وتخلّفت نسوة عند قبور الفقاء...

كان الضابط عثمان قد اتخذ مكانه تحت مظلّة تقيه لفحة الشمس، ومن حوله الكتبة وكبير الطهاة ومعاونوه، والأومباشي يتلو فرماناً وهو منتفخ الأوداج؛ يكاد لا يلتقط أنفاسه:

ـ : ويتمّ توزيع الجعالات وفق الأسماء التي تُسجّل لدى كتبة ديوان المسير في "الدفتر خانة" و....

وقف العسكر في صفين، يمر بينهما الناس فرادى، يتمّ تفتيشهم على الجانبين، حتى يصلوا أمام الضابط على مسافةٍ أطول من أي سيفٍ، ولم تكن الجعالة ذات شأنٍ، وبعضها خليط علفٍ أنفت منه الدواب، وحين اعترض كمال، كان ردّ عثمان لا يقبل النقاش، فإطعام العسكر هو الأهم، ثم دوابهم، ثم أولئك الناس، وليعتمدوا على البقية الباقية من حيواناتهم، يذبحونها أو يستبدلون بها أصنافاً في الطريق، ولهم أن يصيبوا مما في الأرض وهي عشيبة.!!.. وطفق يكرر:

ـ : أليس كذلك يا صديقي الضابط كمالاً.؟.

ويردف:

ـ :نعم هو كذلك.

فيعقّب قائلاً:

ـ : إذاً لسنا مختلفين في شيءٍ، كما ترى يا مولانا الشيخ الإمام.

وفاجأهم بأنَّ واحداً منهم لن يحصل على شيءٍ، ولن يُعرف بغير الاسم الذي مَنَّ به عظمة السلطان، ويسجّله الكتبة في "الدفتر خانة"، ومضى يُطلق عليهم الأسماء كيفما شاء، متذرعاً بقائمة مابرح يلوّح بها؛ على أنها من قصر يلدز في الأستانة.!!.. والأومباشي يوصيهم مؤكداً أن يحفظوا الأسماء الجديدة، وإلا...

وحين اعترض أحدهم، تولاه العسكر بأعقاب البنادق حتى كوّموه.

وهمس الضابط عثمان للأومباشي، فأطلق العنان لصوته معلناً:

ـ : هذا وبش، على حافة السقوط في الكبائر، وسيبقى دون اسم، وسيان هو وأي بغل شموس.

اعترض الوجهاء، وناصرهم الضابط كمال، فردّ الضابط عثمان غاضباً:

ـ : إنها أوامر عظمة السلطان، فهل بينكم من يخالف أمير المؤمنين أيها الكبراء..؟!

تقدمت الحسناء، وكاد يلفظ لها اسماً، فاقتحمت المكان. بحضورها الأخاذ، ونقرت على منضدة الكتبة، دون أن ترفع نظرها عن الضابط قائلة:

ـ : اسمي قمر، ولن يكون غير ذلك...

بُهت عثمان أمام هذا الوجه الصبوح، مخرّشاً ببعض آثار حب الشباب، وتينك العينين اللتين تشعّان ألقاً وإرادة، تفيضان أنوثة، وتتقصف الرغبات على عنق كالمرمر، وكتفين كالأجنحة، وخصر يكاد لا يذكر..!!...

غصَّ بريقه وهمس:

ـ : قمر.!. إنك كذلك، ومن يجرؤ قول عكس ذلك.؟!..

وسرت همهمة بين الناس، فهذا يسأل عن اسم الآخر، وذاك يشتم حانقاً، وآخر يردد اسمه ضاحكاً غير مصدق..!.. وثمة من استوعب اللعبة فذهل ولمّا يزل، وهذا ينتحب شاعراً بمرارة أن يُلغى وأن يُمسي شخصاً آخر، والضابط يردد في نفسه:

ـ : (لو تعرف يا ألسندر كيف تغلّبت على مكرهم.!!. هو ذا النسخ والمسخ أيها "الغوييم" مادمتم على ما اعتقدتم، واستعدوا لما هو أعتى أيها الأوباش.).

وأصدر أمره أن تستعد القافلة لمتابعة المسير، وقد اختار فرساً للضابط كمال، تليق أن تساير حصانه الشبوب.!.

***********